Tuesday, May 25, 2010

الأدب الـســاخـــر



رحل ثانى اثنين اعتبرهما الأديب الكبير يحيى حقى حملة لواء الأدب الساخر فى مصر فأهداهما كتابه « فكرة فابتسامة»: (إلى محمد عفيفى ومحمود السعدنى، لأنهما يحملان لواء الفكاهة فى بلدنا، ويشيعان الفرح فى قلوب أهله). رحل محمد عفيفى عام 1981بعد رحلة ممتدة أنتج فيها أدبا مائزا يهدف إلى التحايل على تأزمات الحياة بالسخرية منها والضحك منها وعليها، إلى الحد الذى جعله يأبى أن يكون خبر نعيه مؤلما أو مسببا للحزن لمحبيه، فكتب نعيه قبل موته بنفس طريقته ليسخر من الموت ويرسم ابتسامة نادرة التواجد على وجه قارئ لصفحة الوفيات:(عزيزى القارئ: يؤسفنى أن أخطرك بشىء قد يحزنك بعض الشىء وذلك بأننى قد توفيت، وأنا طبعا لا أكتب هذه الكلمة بعد الوفاة (دى صعبة شوية) وإنما اكتبها قبل ذلك، وأوصيت بأن تنشر بعد وفاتى، وذلك لاعتقادى بأن الموت شىء خاص لا يستدعى ازعاج الآخرين بإرسال التلغرافات والتزاحم حول مسجد عمر مكرم حيث تقام عادة ليالى العزاء. وإذا أحزنتك هذه الكلمات، فلا مانع من أن تحزن بعض الشىء، ولكن أرجو ألا تحزن كثيرا».
هكذا كان أسلوب عفيفى خفيفا محببا للنفس يعتمد على اللغة الأنيقة والتعبير البسيط لتجتمع فى أعماله سمات الأدب والفكاهة التى تعتمد على اللعب بالكلمات العادية لتعطى مدلولات غير عادية وغير متوقعة على الإطلاق، ثم جاء رحيل الولد الشقى محمود السعدنى ليثير تساؤلا مهما عن حال الأدب الساخر الذى برع فيه هو الآخر بحيث صارت له بصمة واضحة تدل على كتاباته خفيفة الظل فائقة الجودة ولو تم اخفاء اسمه من عليها. والسؤال هو هل يمكن أن نعتبر ما يصدره الظرفاء والمستظرفون من خفيفى الظل هذه الأيام – وهم كثرة - أدبا ساخرا ؟ أم أنها مجرد قفشات الغرض منها استلاب الضحكات عنوة من الأصدقاء والمعارف ومن يسعدهم الحظ بنسخة مجانية من الكتاب؟
وهل كان هدف محمود السعدنى ومن قبله محمد عفيفى استلاب ضحكات القراء؟ هل كانت الكتابة الساخرة بالنسبة لهما نوعا من النكات أو الحكايات الطريفة التى من الممكن أن يتسلى بها رواد مقهى أو جلسة سمر على شاطئ النيل مثلا؟.
من الملاحظ كثرة الإصدارات التى يصنفها أصحابها تحت مسمى أدب ساخر، ووفقا لهذا التصنيف يتوقع القارئ أن يجد عملا تتوافر فيه شروط الكتابة الأدبية ومقومات العمل الساخر من حيث الفكرة وأسلوب التناول الذى يجعله جديرا بأن يضمه كتاب منشور. وبما أن الكتابة شكل من أشكال الإبداع الذى يعرفه الدكتور مراد وهبة بأنه:«قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع» فقد اشتمل هذا التعريف على عنصرين، الأول هو تكوين علاقات جديدة، والثانى تغيير الواقع. وإذا استثنينا الجزء الخاص بتغيير الواقع لصعوبة هذا التصور أو مثاليته، وأيضا كمبرر لالتماس بعض المميزات لهذا النوع الجديد من الكتابة، لوجدنا أنه لا يندرج تحت مسمى «ابداع» فلا فكر فيه ولا مضمون ولا وجود للعقل فى أغلب الأعمال المتواجدة الآن، بل إن تغييب العقل والإعلاء من شأن القهقهات هى الرسالة المتفق عليها، فتظهر «المسخرة» فى أوضح صورها حيث تقتصر على توثيق لغة الشوارع والمقاهى كما هى دون أى تصرف أو مجهود من الكاتب المزعوم. وعلى العكس لم يكن هدف عفيفى والسعدنى الاضحاك أو المؤانسة فى ليل السامر، كتب عفيفى «تائه فى لندن»، وكتب السعدنى «حمار من الشرق» ليجمعا بين أدب الرحلات والسرد الخفيف والروح المرحة الشفيفة دون ابتذال المباشرة والنقل التوثيقى للأحداث. وفى أكثر كتب السعدنى الساخرة جدية «الولد الشقى فى السجن» يقص حكايا مأساوية لخارجين عن القانون ويوضح الجانب الخفى من حيواتهم التى لا تخلو من بعض شهامة ومروءة بخفة روح يرسم بها ضحكة غير مفتعلة، وفى ذات الوقت يثير دمعة أسى على حال بعضهم مثل سيد الحليوة، أو البحار اليابانى صديق اليانكى وغيرهما. وفى كتاب عفيفى «للكبار فقط» والذى قد يوحى عنوانه للبعض أخيلة تتجاوز حاجز الملابس، فقد ضم مجموعة كاملة من الحكم والأقوال المأثورة ترسم بسمة تنطلق من فكرة ناقدة لواقع ومشكلة حياتية بأقل الكلمات وأكثرها دلالة وأبسطها ليخاطب بها الرجل العادى والمثقف فى نفس الوقت.
قيل إن السعدنى دخل السجن بعد أن أطلق مزحة «نكتة» معينة، ولكن حتى هذه النكتة كانت راقية اللغة محكمة الكلمات لا توجد بها كلمة نابية واحدة أو سباب لأى فرد ينتقده فيها. وهذا عكس الكتابات الحالية التى تشبه الفقاقيع كمحاولات فاشلة لخلق نوع من المتعة المفتعلة ينتهى أثرها بغلق الكتاب ثم التخلص منه عن طريق بائع الروبابيكيا ولكن هل منا من تخلص من كتب السعدنى أو عفيفى؟ كانت كتابة عفيفى والسعدنى محاولة للتقليل من وقع ضائقة أو التحايل والالتفاف على واقع متأزم مع مواصلة العمل بالكتابة الناقدة للواقع، و لم تكن نوعا من التهافت على اصدار الكتب بغرض الحصول على لقب كاتب ساخر. وللحق فإن تدهور حال الكتابة الساخرة فى مصر تشبه تماما تدهور حال الأفلام الكوميدية التى أصبحت هى الأخرى تعتمد على فجاجة البطل المعتوه الذى يتحدث بطريقة غريبة ليسرق ضحكة من جيب دافعى تذاكر السينما. وكما أن هناك فى السيرك المهرج، ظهرت مجموعة من مهرجى الكتابة يعتبرون أن الضحك صناعة وليس فنا ولا أدبا على شاكلة «المهنة مزة والدلع سنكوح» وهؤلاء يخاطبهم محمد عفيفى قائلا» يا أيها الصارخون فى مكبرات الصوت، آه لو تعلمون كم تحتاج أصواتكم إلى مصغرات
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1752

Monday, May 17, 2010

إطلالة) شباب الأدب السكندرى


فى الوقت الذى انشغل فيه كبار الأدباء بمتابعة شئونهم الخاصة كتابة ونشرا ومؤتمرات، أدركت مجموعة من شباب الأدباء فى الإسكندرية قيمة العمل الجماعى، وأهمية أن يكون لهم كيان واحد، وطموح مشترك يهدف إلى أن يجتاز صوتهم حاجز الاهتمام بالذات، والحدود الإقليمية التى وجدوا أنفسهم فيها رغما عنهم. أراد شباب إطلالة الخروج إلى فضاء الأدب الرحب الذى لا ينبغى له أن يتقوقع داخل العاصمة. وعلى الرغم من وعيهم التام بأن عملية الابداع هى عملية فردية بالأساس وأن لكل أديب سماته التى يتفرد بها عن غيره، إلا أنهم آمنوا أن هذا الأديب أو المثقف على العموم له دور كبير فى تنشيط المشهد الثقافى العام وخلق حالة من الحراك الفعال المبنى على رؤى واعية ومدركة لأبعاد الوضع الراهن المتأزم الذى اكتفى غيرهم بنقده دون تقديم حلول أو اقتراحات.

فى شهر أكتوبر عام 2002 وبعدد لا يتجاوز السبعة أفراد بدأ الحلم يتحقق، لم يتركوا مهمة التعريف بهم لغيرهم، ولم يسمحوا لأحد بأن يتحدث بالنيابة عنهم.
منذ البداية اتفق شباب إطلالة على استقلالية منتداهم وانفتاحه، واعتمادهم على جهودهم الفردية: «تجمع إطلالة السكندرى» هو تجمع أدبى غير رسمى لا يخضع لأى جهة أو مؤسسة ولا يعبر عن اتجاه فكرى بعينه، بل يشمل كل الآراء والأفكار فى إطار فضفاض لا يقيد ويمنع، يديره الأعضاء بأنفسهم بهدف إبراز المواهب الأدبية ونشرها فى المجتمع الثقافى لإحداث حراك ثقافى فاعل». ولم تقف الأحلام عند هذا التعريف بل اشتمل على ميثاق ركز على العمل الجماعى، والتنوع، وتقبل الآخر، وحرية الإبداع، والتواصل بين الأجيال. ثم جاءت مجموعة الأهداف لتعبر عن آمالهم القريبة والبعيدة المدى مثل تنشيط وتطوير الحركة الثقافية، وتفعيل دور شباب الأدباء، والاحتكاك الثقافى والتبادل الفكرى، واكتشاف ودعم المواهب الأدبية الجديدة ومحاولة خلق وعى وتواصل مع المجتمع. أما عن رؤيتهم لمفهوم العمل الجماعى الذى قامت عليه مبادئ منتدى إطلالة فقد جاء فى الكلمة التى تصدرت مقدمة الكتاب الثانى الذى أصدره المنتدى:«العمل الجماعى والتعاون منبت النجاح الحقيقى، صدق مع الذات وتلاحم مع الواقع.. مصاعب وإخفاقات لم تفت فى عضدنا بل نحتت ملامح التحدى فينا.. تنمو النبتة، تكتشف ذاتها، تمتد جذورها أكثر عمقا فى التربة الأدبية وتبدأ فى الإثمار.
ويزداد عدد الشباب وتتوالى الإصدارات وفى كل إصدار تتجاور ألوان الأدب قصص قصيرة وأشعار، مقال ونقد وقراءات وعروض لكتب متنوعة، وبمصاحبة رؤى نقدية للأعمال يكتبها كبار الأدباء الذين جذبهم طموح شباب إطلالة وسعيهم الجاد نحو إثبات ذاتهم وتجويد موهبتهم، وهذا ما ظهر فى إصدارهم الخامس الذى شاركهم فيه اثنان من أعلام المشهد الثقافى لتتجاور الأصالة والمعاصرة ويهبط الجدار الفاصل بين الأجيال الذى يعبر عنه شباب إطلالة خير تعبير فى كلمتهم التى بقدر ما تحمل عرفانا، تحمل فى نفس الوقت نبرات النصر لأنهم أدركوا أن جهودهم أثمرت بعد طول انتظار ومعاناة:«كتابنا الخامس نثبت فيه واقع التواصل بين الأجيال، وأن الفجوة المزعومة محض وهم. اسمان يتمتعان فى خلفيتنا الثقافية بمعنى أعمق من مجرد المصداقية، لهما قلمان قلّما يجود بهما الزمن. جمال الغيطانى ومحمد إبراهيم أبو سنة هما معنا بإبداعهما شعرًا وقصةً يقدمان لجيلنا ومن يليه درسًا فى معنى الأستاذية ويضعون بمشاركتهم تلك على صدورنا أعظم أوسمة الأدب. كتابنا الخامس ندق به مسمارًا فى نعش المركزية الثقافية. نشرك فيه مبدعين شبابًا من خارج الإسكندرية، وننادى به كل الواثقين بالمجموع أن ينضموا لمسعانا. ليكون الدفقة الأولى فى تيارٍ عارمٍ من أجيال كُتاب يحتويهم نسيج واحد، وأمل...». وإن كان شباب إطلالة فى كتابهم الخامس حققوا كل ما حلموا به من تواصل بين الأجيال والخروج من حيز المركزية، فهناك الكثير مما يستحق أن يُذكر عنهم بعد أن خصصت لهم مكتبة الإسكندرية العريقة قاعة من قاعاتها لعقد ندواتهم الإسبوعية، فقد زاد عدد الأعضاء، وبلغ عدد الندوات التى قاموا بتنظيمها حتى الآن 345 ندوة أسبوعية وأقاموا خمسة مهرجانات تضمنت مسابقات فى القصة والشعر العامى والفصحى. وهناك الكثير مما حققه شباب إطلالة وما يطمحون إلى تحقيقه تحت مسمى واحد يجمعهم هو اسم «إطلالة» الذى يتم توجيه الدعوات إليه ككيان متفرد لحضور المؤتمرات الأدبية لا باسم وسيم المغربى أو باسم عصام، مصطفى زكى، سامح بسيونى، جيلان الشمسى، حاتم عرفة، محمد العبادى، سمر مصطفى، محمد عمر، حسن معروف، إيمان السباعى، أو عمرو عبد الهادى، فكلهم صغار طير أرادوا التحليق فخضعت لهم السحب، تحملهم إلى براح الفكر ملبين نداء كونفشيوس:«حتى صغار الطير يمكنها أن تطير لو أرادت، فليس فى الوجود مستحيل أمام الإرادة التى لا تـُقهر
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد 1751

Sunday, May 02, 2010

المناهج الدراسية والمواطنة

لا يخلو مجتمع من المجتمعات من تنوع يشمل لونه وجذوره وخلفياته الثقافية ودياناته ومعتقداته. وتعتمد قوة أى مجتمع أو دولة على مقدار ما تحققه من تجانس بين كل هذه التنويعات ضمن نسيج واحد تجتمع فيه كل الأطياف تحت لواء فكرة واحدة كبرى وهى «المواطنة» أى الانتماء لهذا الكيان الأكبر أو الدولة التى ينتسبون إليها، وهذا ما أدركه الغرب جيدا فنشأت اتحادات لدويلات أو ولايات أصبحت كيانات سياسية أو اقتصادية عظمى متجاوزة نقاط الاختلاف ومجتمعة تحت لواء هدف عام يسعى إليه الجميع وهم يدركون جيدا حقوقهم وواجباتهم. وعلى المستوى العربى فقد كان من حظ بلداننا العربية أنها فى فترة من الفترات تم احتلالها وتقسيمها بين دول عظمى تتحدث الانجليزية والفرنسية والايطالية والتركية، ولذلك عاشت فترات طويلة تواجه عدوا خارجيا بروح واحدة تنبع من فكرة «القومية» وظهرت أسماء لأبطال ورموز مثل عبد القادر الجزائرى وعمر المختار وجميلة بوحيرد وجمال عبد الناصر وجول جمال. ولم يكن أحد يقف ليسأل هل هذا البطل مصرى أم سورى، ليبى أم جزائرى؟ وفى داخل الدول نفسها لم يكن أحد يسأل رفيقه فى الهم هل هو صعيدى أم قاهرى، دمشقى أم حلبى، حوطى أم نجدى، بربرى أم مغاربى؟ الجميع كانوا يواجهون خطرا واحدا خارجيا، وكانت المناهج الدراسية فى خدمة فكرة القومية والمصير المشترك. وعندما انتهت الحركات التحررية وتحررت الأرض، كانت الكارثة أن حل الفراغ نتيجة تخلخل الفضاء من حول الجميع الذين اكتشفوا أنهم قد أفرغوا ما لديهم فبدأوا يتقهقرون داخل الحدود الضيقة للدول التى بدأت ترسم هويتها المستقلة ليس عن المستعمر وحسب، بل المستقل بعيدا عن رفقاء الأمس وتغيرت المناهج الدراسية بدورها لتركز على فكرة الفردية وتُقصى مبدأ المصير المشترك لمصلحة النعرات القبلية ولم يقتصر الأمر على المستوى العام بين الدول، بل بدأ الأفراد داخل المجتمع الواحد يلتفتون حولهم ليكتشفوا أن لون بشرة هذا الجار تختلف عن لونهم، وأن ذاك لا يذهب لنفس دار العبادة، وهذا يتحدث بلهجة مختلفة. ويكتشف الجميع أنهم يجهلون بعضهم البعض. ونتيجة الجهل بالآخر ظهرت محاولات عديدة لادعاء المعرفة أو للقفز على فكرة جهل الآخر بادعاء الأفضلية للذات والنقصان للغير، أو اطلاق النكات على بعض الجماعات تقليلا من شأنهم مثل الصعايدة والحوطيين والبرابرة والغجر وغيرهم. بدأ الجميع يمارسون نفس سياسات القهر والاقصاء التى كان يمارسها الأجنبى ضدهم، الجميع يريدون فرض السيطرة والرأى الواحد ووجهة النظر الواحدة. وكان من الطبيعى أن تظهر المشكلات العرقية والطائفية داخل مجتمعاتنا العربية، بل تعدى الأمر إلى أن يلجأ البعض إلى التنصل من هويته التى تنسبه للأرض التى ينتمى إليها كوطن ليتبنى فكرا أو معتقدا مستوردا يظن أنه طريقه إلى الخلاص والفوز، وفى نفس الوقت يمارس الحجر على فكر الآخرين حد الحكم عليهم بالكفر أو الالحاد أو الزندقة وغيرها من مسميات لا تدخل تحت حكم البشر ولا إدراكهم لصيرورة الأحداث الغيبية. وجاءت المناهج المدرسية أيضا لتعزز الانفصال بين أفراد المجتمع، فنظم التعليم تقوم على المنافسة والحفظ والتلقين وأن الجميع فى حالة منافسة فردية دائمة من أجل تحقيق انجاز فردى مما عمق من مفهوم الانفصال والتباعد بين أطياف المجتمع. بل إن المناهج نفسها لا تقدم مادة تتناول مفهوم «المواطنة» للطلاب لتزرع فيهم فكرة الانتماء لهذا الوطن الذى يعيشون فيه. حتى عندما كان فى مادة اسمها «تربية وطنية» جاءت كالمسخ فى السياق التعليمى كحصة من الممكن أن يستعيرها مدرس الرياضيات لإكمال منهجه الدراسى. ويزداد الداء فيتم فصل البنات عن البنين وهم فى أولى مراحل التعليم دون داع، وتزداد الهوة فى حصص التربية الدينية التى يتم فيها فصل الطلاب المسلمين عن زملائهم المسيحيين ليأخذ كل فريق المنهج الخاص به لتعزز مرة أخرى فكرة الاختلاف والفصل بين الجميع. وتظهر مسميات فرعية ليشير الرفاق إلى رفقائهم بمسمى «أنتم لديكم...» «ونحن لدينا...». ثم يستفحل الجهل بين الجميع فتستشرى حالة العداء التى أصبحت خير وسيلة لمن يريد إشعال نار الفتنة بين أفراد أى مجتمع، لتعلوا إدعاءات التفرقة والاضطهاد وغيرهما. والسؤال الآن ما هو الحل وقد بدا أن كل اتجاه يتحفز لغيره، وأن كل مذهب يكّفر غيره، وكل لون يشمئز من مغايره! بلا شك أن الحل هو بث فكرة المواطنة فى عقل الجيل الجديد مرة أخرى منذ الصغر أن يتعلم الطالب أنه مواطن وأن زميله مواطن مثله ولا يتحتم عليه أن يكون صورة طبق الأصل منه لا فى اللون ولا العقيدة ولا فى التوجه الفكرى. يجب أن يدرك الجميع أن ما يضمن استمرارية الحياة والوجود فى أى مجتمع هى فكرة الاختلاف التى تعنى التكامل والتعاون ضمن إطار فكرة الدولة الأم التى تستطيع أن تستعيد كل أبنائها ببعض الاهتمام بالمناهج الدراسية، واستغلالها فى تنشئة جيل له ذاكرة تستوعب تاريخه القديم كهوية ثابتة تحميه من الانجذاب أو الوقوع تحت تأثير التيارات التغريبية
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1749.


Saturday, April 24, 2010

القمة الثقافية وثقافة الاتكالية

ما إن يطل أحد المثقفين علينا من خلال برنامج تليفزيونى أو مقال صحفى حتى تعلو نبرة النقد للحال المتردى للثقافة وما آل إليه حال الثقافة والأدب والأدباء فى العالم العربى. الكبارالذين يعتبرون أنفسهم الممثل الوحيد المعبر عن الأصالة يهاجمون الشباب، والشباب الذين يظنون أنهم يمثلون حركة التجديد والتطور، يتهمون الكباربمحاولة النيل منهم والتقليل من شأنهم، أنصار القصة ينتصرون لها فى مواجهة الرواية، والروائيون يتهمونهم بقصر النفس وانعدام الخبرات الحياتية التى يقوم عليها عصب الكتابة الروائية. فريق يعلن انتهاء زمن القصة والآخر ينتحب على زمن الرواية، شعراء يتغزلون فى قصيدة النثر وآخرون يستجيرون بالمتنبى والفرزدق. وفى المجمل تحول الأمر إلى ما يشبه الظاهرة، فالجميع ينتقد ويهاجم الوضع الراهن. الجميع قد تلبس دور المثقف الحقيقى، وتقلد دور المصلح والمرشد، وتخيل أنه الوحيد الذى يفهم، ووحده القادر على اقتراح الحلول، وعلى الجميع الامتثال لتعاليمه المقدسة. والسؤال الذى يطرح نفسه ما السبب أو الأسباب التى أدت إلى تدهور المشهد الثقافى العربى بصورة عامة؟ وإذا كان الجميع ينتقدون الحال فمن المخطئ إذن؟ أليس المشهد الثقافى هو مجموع كل هؤلاء الذين ينتقلون من برنامج إلى آخر، ومن فضائية إلى أخرى بنفس البكائية على أطلال ثقافة ساهموا هم أنفسهم فى تدهورها عندما تركوا الشأن العام والقضايا الكبرى، وانشغلوا بجوائز ومناصب ساهمت فى تقوقعهم داخل دائرة ضيقة بعيدة عن الواقع الثقافى؟ ليتفاجأوا بعد ذلك مثل غيرهم بأن هناك من ظهر وكبر كنبات الهالوك دون وجه حق ودون موهبة حقيقية، فقط لأن كل مميزاته أنه من ذوى الحناجر الصلدة التى لا تكل ولا تمل الحديث، ويدركوا متأخرا أن هناك العديد من الروافد المستحدثة للثقافة قد تم استنساخها فجاءت كالمسخ لا تعبر عن فكرة ولا عن مضمون ولا ذوق، ولا تحتاج إلى جهد أو معرفه ولذلك من الممكن أن نطلق عليها ثقافة البيض المسلوق أو التيك أوى. ومؤخرا ظن بعض المثقفين الذين ضاقوا بالوضع الراهن أن إصلاح الشأن الثقافى يكمن فى عقد قمة ثقافية لبحث الحالة المتردية التى وصلت اليها الثقافة العربية، ومن أجل البحث والتنقيب عن وسائل وحلول سريعة للحفاظ على الخصوصية الثقافية للدول العربية وثقافتها المحلية فى مواجهة شبح العولمة. وكل هذا بالطبع أهداف نبيلة وعناوين براقة تصلح كمانشيتات دعائية لا يختلف عليها أحد، ولكن ماذا بعد انتهاء القمة؟ ومن بيده فى الواقع وقف شبح اندثار القيم والثقافة العربية الأصيلة؟ وهل لو اجتمع كل الكبار من ساسة وزعماء ورموز ثقافية، هل بيدهم أن يقولوا للمستحيل أن كن فيكون؟ والغريب فى الأمر أنه فى الوقت الذى ينادى فيه الجميع بحرية الرأى والتعبير والنشر والتخلص من الرقابة والمركزية، تخرج نفس الأصوات تهلل وتبارك و تروج لحتمية عقد قمة ثقافية يضعون فيها الشأن الثقافى بجوارغيره من المسئوليات التى تضطلع بها الحكومات، وتمتلئ بها أجندات الرؤساء ورؤساء الوزارات المكتظة بالعديد من المسئوليات والتى طالما تعرضوا للانتقاد بسببها. والمدهش بالفعل أن يعتبر بعض المثقفين أن هناك أملاً كبيراً - إن لم يكن الوحيد – فى نتائج القمة،هذا فى الوقت الذى يعلو فيه صوت العديد من الأدباء مختلفين فى جدوى وأهمية انعقاد مؤتمر واحد سنوى يحضره المثقفون فى مصر، هذا إن تجاوزنا حال المؤتمرات الإقليمية وأفرع الهيئات الثقافية التى تعقد هنا وهناك بلا جدوى فى إحداث حالة من الحراك الاصلاحى فى المشهد الثقافى الذى ينتقده الجميع. من الواضح أن هناك اتجاهاً يتنامى فى الخفاء يهدف إلى التنصل من المسئولية بإلقائها على مائدة رؤساء الدول أو الوزراء. وهذا فى حد ذاته اعتراف ضمنى، بل اعتراف فج بعدم جدوى كل ما تم من مؤتمرات وندوات وتظاهرات أدبية وثقافية فى كل الدول العربية أى أنه إعلان أخير، ورفع راية بيضاء من الأدباء والمثقفين المتحمسين للقمة اقرارا بعجزهم أمام الجميع. وسواء أدرك هؤلاء دورهم أم لا فمن البديهى والمؤكد أن شأن الثقافة هو شأن خاص بالمثقفين أنفسهم، وعليهم الاعتراف بأنهم جزء من المشكلة التى طالما برعوا فى انكار وجودها، وحاولوا دوما إلقاء اللوم على غيرهم. عليهم أيضا أن يؤمنوا بأن الحل بيدهم هم، لا بيد قمة ولا مؤتمر يتم عقده فى أيام معدودات ثم ينتهى بمجموعة توصيات فى كتاب أنيق يوضع على الرف وينتهى الشو الإعلامى الذى سبق وصاحب حضور وغياب أسماء بعينها. وإذا تجاوزنا اشكالية الاتكال على عقد القمة العربية الثقافية كحل أخير للأزمة، ونظرنا إلى الأهداف المراد العمل عليها فى القمة ومنها الدفاع عن الخصوصية الثقافية للدول العربية فى مواجهة العولمة ولتدعيم عناصر الثقافة العربية فى مواجهة الطوفان الاعلامى والثقافى القادم من الخارج نجد أن هذا الهدف تأخر كثيرا جدا، فقد تلاشى مسمى الخصوصية فى الثقافة أو الأدب أوالفكر بعد أن أصبح فضاء الانترنت مفتوحا أمام الجميع للقراءة والاضطلاع والبحث، وتجاوز مفهوم الثقافة الممقصور على الآداب والفنون لتشمل كل نواحى سلوك وعادات الانسان العربى الذى وجد نفسه فى مهب الريح الفضائى والنتى وما خلفاه من تغيرات فى الموروث القيمى والثقافى، ثم جاء الأدباء والمثقفون ليعززوا هذا التغيير بنوعية الكتابة التى اصطلح على تسميتها أدب الهامش، أو أدب المسكوت عنه خاصة فيما يتعلق بالتابوهات الثلاثة، واللجوء إلى ما شذ عن العرف العام كنوع من التجريب والتجديد. وفى النهاية ننادى بقمة ثقافية لحل الأزمة، فقط لنجد ما ننتقده بعد ذلك ولتعمل الفضائيات وتعلو الانتقادات من جديد
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1748.

Friday, April 16, 2010

(انتصار عبد المنعم تخترع أسطورتها ) عندما تستيقظ الأنثى .. ومشهدية البوح .



(انتصار عبد المنعم تخترع أسطورتها ) عندما تستيقظ الأنثى .. ومشهدية البوح . إبراهيم محمد حمزة/المساء
" إذا صاحت الدجاجة صياح الديكة وجب قتلها " هذا التعبير القاسى أورده الميدانى فى " مجمع الأمثال " لم يعد له مكانه القديم ، فقد صاحت الدجاجات ، وفاضت ببوحها ، وبالغت أحيانا ، وجأرت بالشكوى منذ اقتنصت شيئا من حريتها ، طارحة نفسها ثائرة على كافة مواضعات مجتمعها تجاهها ، ولم تخرج " انتصار عبد المنعم " عن السياق العام للأديبات المنشغلات بالذات ومنغصاتها ، وقدمت عبر مجموعتها " عندما تستيقظ الأنثى " الصادرة عن دار نون للنشر والتوزيع بالقاهرة ، قدمت سيمفونية أنثوية خالصة ، مهما تنافرت أنغامها ، ورغم غلبة " المهادنة " فى طرح علاقة الذكر بالأنثى ، لكنها قدمت عبر ما يقارب أربعين نصا قصصيا ، أسىً كثيرا وسط بسمات نادرة لامرأة تعيش بين رجال . ــ لغة الأنثى : "إلى البحر الهادر " تهدى الكاتبة مجموعتها ، مؤكدة أنها من اجله وله ولأجله فقط ستكتب . وعبر هذه العتبة الهامة تؤكد انتصار انحيازها للحرية بقوة ، لتقدم ذاتها على طبق من ورق مظهرة آلام الوجد الناتج من وجود رجل فى حياة امرأة : ( لم يسألكِ يوما عن نوع الجرح الذى تفضلين ، خبير هو فى اقتراف كل أنواع الجروح الممزوجة بملح البحر ) ها هو البحر يطل على استحياء ممزوجا بمرارة الجرح ، فى قصتها الأولى فى المجموعة (جروح الملح ) لتقدم صورة لامتلاك الرجل لروح المرأة ، فى حين أنها بالنسبة له مجرد محطة انتظار ، وبين هذا العشق من جانبها ، والإهمال من جانبه تبقى هى ( راهبة فى محراب ذراعيه ، تتبتلين على شفتيه ، ترتلينه حرفا حرفا ، جوقة الأيدى تردد معك مزامير الشوق ) هكذا يتحول المعشوق إلى معبود ، ينكر عابديه ، من خلال لغة بها خصوصية وشاعرية ، غير أنها ملتبسة بسخرية مبطنة خبيئة .. ( كريم هو فى وعوده التى لا تتجاوز اللحظة التى يطلقها فيها ) ثم تضفر السخرية ببلاغتها الخاصة ( لا يعلم أنك تنسجين منها ثوبا يستر ضياعك ) ثم تصل إلى أشد حالات الشوق الشبق ( تتأهبين لمواقعة ذكراه الباقية ) وحتى هذه تفشل فيها وتنتهى القصة بـ ( تضلين الطريق لغرفة نومكما ) هذه صورة من صور شديدة التعدد فى المجموعة ، لعلاقة الذكر بالأنثى ، عبر أنماط المرأة التى رصدتها المجموعة ، سنجد المرأة المشتاقة فى قصص ( قل لى أوحشتنى ـ خمس دقائق ـ عشرون خريفا ) ونجد صورة المرأة المعطاء فى ( غجرية ـ عفريتة ) وصورة المرأة المقهورة فى ( الشيخ الولى ) والمرأة الشاهدة لكل حالات العشق فى قصص ( ذات صباح فى جروبى ـ انتحار ) وصورة بهية للمرأة المحبة فى قصص ( فتفوتة ـ قل لى يا أحمد ـ رسائل غير منطوقة ) والمرأة المقاومة للحب الرخيص فى ( خمس دقائق ـ على الرمال ) وكذلك صور للمرأة المخدوعة والمرأة الأسطورية والمرأة المتسلعة الغبية فى قصة مثل ( أنف وفم ) فضلا عن قصص قليلة جدا خارجة عن الإطار العام للمجموعة مثل ( وللبحر شئون ـ نصف جنيه وقطعة حشيش ) ولكن هناك نموذج مغاير ، لأنه يصور المرأة فى حالة اشتهاء ، وقد نجت الكاتبة فى هذا النموذج من الوقوع فى شرك الشبق اللغوى ، فجاء الحدث دالا وموحيا ، فى قصتها التى منحت عنوانها للمجموعة "عندما تستيقظ الأنثى " لم تستخدم الكاتبة ضمير الأنا ، إنما استخدمت فى سردها الشخص الثالث (الهو ) تبدأ بقولها ( وقفت تتامل واجهات المحلات المخضبة باللون الأحمر ) لاحظ دلالة اللون الأحمر وتكراره ( دببة حمراء ـ ساحة موسكو الحمراء ـ قميص نوم أحمر ـ حمرة الخجل ـ تلال الأحمر ... ) هذا الاحمرار المتوهج ينتقل للساردة وهى تنتقل بين واجهات المحلات ، لترى الملابس النسائية المثيرة المدهشة ، ثم يدور صراع فى نفسها بين الأنثى والإنسانة ، حين ( تقع عيناها على قميص نوم حريرى مكون من قطعتين ، تشعر بالحرج ، ترقص المرأة التى بداخلها كى تشتريه ) تتذكر كلام خطيبها حول عدم أهمية الملابس لأنه ( سينزعها فى النهاية ) . قادت الكاتبة الصراع داخل المراة ببساطة وبراعة صراع الخجل والاشتهاء ، بين انوثة مؤجلة وأنوثة قادمة منتظرة ، تهاجمها بضراوة حين يبدأ ( دبيب النمل يسرى فى سائر جسدها ، يشعرها ببرد الرغبة المقبورة ......... يشتد دبيب النمل ......... تنزع القميص الأحمر .. ترتدى ملابسها الشتوية مرة أخرى ) تبدو رهافة اللغة دالة وهامة فى بنائية هذه القصة ، عبر بناء صراعات متوازية دقيقة بين الذات والأخر ، وبين الرغبة والواقع ، وربما هذا ما دفعها لتجعل الرغبة موازية للأنوثة فى معادلة غير متكافئة ( تحتاج دبا لتضمه إليها ، لتقاوم زحف جيوش النمل ) . ــ بين المشهد والبوح : تدور كثير من السرديات القصيرة بين رحى التقاط مشهد والبوح من خلاله أو البوح المجرد . واللجوء للمشهدية يكون ترسيخا لسلطان الحكاية ، بينما البوح يكون تكريسا لسلطان الفكر ووجهة النظر point of view وهذه المجموعة قليلا ما تلجأ للمشهدية ، ولا تتكأ عليها الكاتبة أسلوبا لتصوير معاناتها كأنثى فى هذه الحياة ، إنما تأتى المشهدية هنا خادمة لفكرة البوح ، فى قصة " غجرية " يترنح المشهد بين الواقعى والخيالى ، عارضا أنثى غجرية ترقص رقصة عنيفة ، امام حبيب أحبها ، وتزوج غيرها ، ويظل الاقتراب والبعد حتى ( ينهض ثائرا ، يدب الأرض معها يدور حولها ممسكا بخصرها ، يرتفع الضجيج ، تجذبه صاحبة الخاتم ، يدور حولها ) هنا صراع أنثوى على ذكر يرتفع الصراع ويشتد يحمل معنى النبل والعطاء حين ( يقع قلبه على الأرض ، تركع ، ترفع قلبه ، تضمه إلى صدرها بشوق ، تخرج قلبها ، تخيطهما معا ، تنسج منهما وشاحا ، تعطيه لصاحبة الخاتم ) القصة حدثية تعتمد لغة لاهثة ، [ حوالى 210 كلمة بها 56 فعل مضارع ، وفعلان ماضيان ] وذلك رغم الإطار المشهدى للقصة ، من خلال السرد المتسارع لحدث بدأ طبيعيا ، ثم تنحو به الكاتبة نحو الأسطورة بهدوء خادع ، إلا أن البوح كامن داخل إطار المشهد القصصى فى عناق سرمدى بين" الفكرى " و" الحدثى " لتمريرإحساس أنثوى بالغ وبليغ . إبراهيم محمد حمزة

Monday, April 12, 2010

كفافيس عاشق الإسكندرية


«
يا جميلة الأوليمب لا تتركى الإسكندرية» جملة بسيطة قالها كفافيس لكريستين فى «إيليت» كانت كافية لتقرر الصغيرة قضاء حياتها كلها - والتى قاربت التسعين عاما - فى الإسكندرية، وتشترى من أجله «إيليت»، وتجعله مذبحا مقدسا لكفافيس، تزينه بأقانيمه وصوره الخاصة على أمل استدعاء روحه فى أرجاء المقهى اليونانى الذى شهد أوج أيام الإسكندرية الكوزموبولتيانية التى صهرت كفافيس اليونانى الأصل، الإنجليزى الجنسية، المصرى الصميم فى روح واحدة لشاعر فريد رأى فى الإسكندرية «إيثاكا» خاصة به، فهى المنتهى والسدرة التى كلما رحل عنها نادته ليلبى النداء حتى النهاية لأنها كانت قوت الأمل الذى لولاه ما استطاع التغلب على رحلة التيه عودة إلى الإسكندرية الجميلة التى نالها الخراب:
(أنتَ لن تجدَ أرضاً جديدة.. ولا بحراً جديداً ستلاحقكَ هذه المدينة دوماً ستسكنُ فى نفس الشوارع..يشيب شعر رأسِك فى نفسِ المنازل سوف تنتهى هنا دائماً إنس أى مكان آخر. فأنتَ لا تملك سفينة ولا طريق وكمّا خرّبت حياتك هنا.. فى هذا الركن فهى خرابٌ أينما ذهبت.
وتصبح الإسكندرية مرادفا لاسم قسطنطين كفافيس الذى ولد فى 29 أبريل 1863 ورحل أيضا فى 29 أبريل من عام 1933، لتلتقى ذكرى مولده مع ذكرى وفاته، تماما مثلما اتحدت الآلهة مع البشر فى أشعاره. مولد وموت فى ذات الشهر وفى نفس اليوم -كما ذكر بعض أصدقائه - وكأنه دخل وخرج من نفس الباب فى نفس اليوم وكأنها إشارة إلى أن الحياة قصيرة وأن الانسان فيها تائه لا يتجاوز الفكرة التى عبر عنها كفافيس قبيل وفاته حين فقد القدرة على النطق فرسم دائرة وفى منتصفها نقطة على ورقة بيضاء. عشق كفافى الاسكندرية فلم يطق رؤيتها بعد وصول البرابرة عام 1882وتعرضها للقصف الذى شوه صورة الجميلة فرحل إلى القسطنطينية، ويبقى ثلاث سنوات تتبلور فيها ثقافته وشخصيته ليعود إلى الإسكندرية التى طالتها يد الدمار والإهمال. لم يطق أن يصور هذا التشوه فى أشعاره كما فعل لورانس داريل فى رباعية الإسكندرية والتى تجلت فيها الكثير من المشاهد تصف الحالة المزرية للشوارع والأحياء السكندرية. أما كفافيس وإن كانت الإسكندرية أيضا هى محور أشعاره فقد حاول الهرب من مشاهد الخراب. جاءت أعمال كفافيس تستدعى الأساطير والآلهة التى كانت لا تكتفى بمكانها العلوى، بل كانت تنزل، تتجول وتمرح مع البشر لتمتزج الطبيعتان معا، فتجىء فى قصائده الحكمة والعبث والرغبة والشبق متجاورات بلا تنافر:(وعلى مدى الزمن، ولكثرة ما لعبت دور ناركيسوس وهرميس، نضبت الدماء فى عروقى، وأصابنى الدمار.يا أيها المسافر، إذا كنت سكندريا فلن تلومنى. أنت تعرف حمية حياتنا هنا وما بها من عواطف متأججة وشبق بهيج. لم يكن كفافيس ملاكا ولكنه كان بشرا ينظر من نافذة بيته ويقول «أى مكان أجمل من هذا يمكن أن أستقر فيه؟ مكان للهو، وكنيسة للغفران، ومستشفى يموت فيه «وكل هذا وجده فى الإسكندرية وحدها حيث إلتقت فى نظره كل متع الدنيا وخلاص الآخرة على مرمى بصره. عاش كفافيس حياته ومات مستوحشا كل المدن، تائقا فى الوصول إلى المدينة المثل إلى «إيثاكا» البعيدة التى تهب روعة الترقب، وتمنح لذة المعرفة والاكتشاف لأشياء جديدة وخبرات متنوعة. كتب كفافيس عن الإسكندرية التى احتفلت به فى ربيع الشعراء، فكيف يكون هناك ربيع بلا شعر؟ وكيف يكون هناك شعر فى الإسكندرية بلا كفافيس؟ فى مكتبة الإسكندرية، جلس الجميع كلوحة من فسيفساء المكعبات التى كانت الإسكندرية أول مكان تنشأ فيه قبل أن تنتقل منها إلى باقى العالم الهلينستى لتشير إلى طبيعة الإسكندرية كمدينة متفردة قادرة على احتواء كل الأطياف والجنسيات، لا تصهرهم، بل تجعلهم يقفون معا، يشِّكلون لوحة واحدة متناسقة، وفى نفس الوقت تعترف بحق كل فرد فى أن يحتفظ بخصائصه التى يتفرد بها عن غيره. كان الجميع ينصتون لأشعار كفافيس، وأشعار أخرى بالعربية واليونانية، وفى كل مرة تنتهى قصيدة، تعلو الأكف بالتصفيق. رفيقتى اليونانية لم تكن تفهم العربية ولكنها طربت وهى تستمع إلى الشاعر الكبير عبد المعطى حجازى وهو ينشد شعرا عن أمه، فصفقت وهى تخبرنى أنها لا تفهم الكلمات ولكنها تشعر بالموسيقى الكامنة التى تتجاوز قيود الحروف. لم يكن مستغربا أن يلقى الشاعر الشاب عمر حاذق قصيدة يستدعى بها المتنبى بعربيته الفصحى بين جموع جاءت تتحدث لغة الشعر، اللغة الكونية الموحدة التى يفهمها الجميع، لغة كفافيس السكندرى الهوى والهوية
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1746.

Sunday, April 04, 2010

القراءة والكتاب المدرسى

القراءة والكتاب المدرسى
منذ زمن ليس بالبعيد كان الكتاب قبلة ومنارة لمن يريد المعرفة، وكان الحصول على كتاب يفوق أهمية الحصول على وجبة تسد جوع معدة لا تكف عن الطحن، وكانت القراءة هى الهواية التى إن سألت أحدهم عنها لأجابك بتلقائية:«هوايتى القراءة والرسم وكتابة الشعر والقصة». وتمر الأيام سريعا ويزيح التليفزيون الكتاب عن عرشه، وتنتشر الفضائيات كالسرطان لتجذب القراء الذين يستغنون عن كل حواسهم من أجل حاسة جديدة لذيذة ومريحة اسمها «موش هاتقدر تغمض عنيك». وتسأل نفس السؤال عن الهواية وتكون الإجابة هذه المرة «مشاهدة التليفزيون». ويتوارى الكتاب وتهدأ المطابع وترتد إلى عصر ما قبل محمد على ومطبعة بولاق. ومع ضياع قيمة الكتاب والقراءة ضاعت الكثير من القيم وتشتت معها الموروث القيمى الذى توارى خلف أفلام العنف والجنس المستوردة. وبالتدريج وبهدوء الثعابين ظهرت مجموعة من السلوكيات الطارئة لم تلبث كثيرا حتى تحولت إلى ظواهر مثل التحرش الجنسى والتطرف الدينى. وعلى التوازى تفشى نوع جديد من القراءة يمكن أن نطلق عليه «قراءة هروبية ارتدادية» أو «قراءة العدم» كتوصيف دقيق لحالة التملص من كل ما يتعلق بالحياة وشئونها، وارتباطها بالماورائيات أو الغيب كعذاب القبر أو المعجزات والكرامات للأولياء والقديسين كنوع من الهروب من المتناقضات المعاشة نتيجة انفتاح تام ومفاجئ على العالم دون أن يقابله انفتاح فكرى يمكن الإنسان من استقبال ثقافة الغير المختلفة بروح محايدة، فينتقى منها ما يتواءم مع بيئته ويترك ما لا يناسبه. لم يجد الشاب العربى من يأخذ بيده ليعلمه سياسة الانتقاء ويدربه على أن يكون مستوعبا لا مقلدا، منتجا لا مستهلكا، بل وجد نفسه فى موقف المتهم إن أخذ موقف المقلد لأشياء سطحية لم تتعد تسريحة شعر أو ارتداء ملابس الهيبز وغيرها مما هو بعيد تماما عن العلم والمعرفة والانتاج والتصنيع. وفى النهاية وقف الشاب صريع تطلعه إلى هذا العالم البراق وهو عار من موروثه وتاريخه وقيمه وفضائله، وبهت داخله مفهوم الخطيئة المزروع فى ضميره الفطرى. ومع تكرار حوادث العنف والتحرش ينبغى أن يكون هناك من يشغله شأن الشباب وهم شعلة المستقبل، ومن الأفضل أن تتولى وزارة التربية والتعليم هذا الدور فبيدها الآن بناء الوطن من جديد والعبور بأبنائه إلى شاطئ الأمان مثلما عبر آباؤهم قناة السويس وصنعوا تاريخ مصر الحديث فى 1973. من الممكن جدا بل من المنطقى أن تبدأ رحلة العودة نحو استعادة هوية شبابنا من أولى مراحل التعليم ومن خلال الكتاب المدرسى نفسه الذى جاء فى مقدمة الكتب التى يقرأها المصريون. فقد أشارت الإحصاءات الواردة فى التقرير:«ماذا يقرأ المصريون؟ «الصادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى، إلى أن حوالى 88% من الأسر المصرية لا يقوم أى من أفرادها بقراءة أى نوع من أنواع الكتب بخلاف الكتب المدرسية، وترتفع هذه النسبة فى الريف مقارنة بالحضر، أما الشباب الذين يقرأون فتستحوذ الكتب الدينية على النصيب الأكبر من اهتمامهم وذلك بنسبة 64.7%، تليها الكتب العلمية والتاريخية بنسب متقاربة 35.5% و34.2% ثم تأتى الكتب الرومانسية والقصص والشعر بنسبة 31.8% و30.7% لكل منهما بينما بلغت نسبة الكتب الدراسية 26.4%. والقراءة الإيجابية لما جاء فى التقرير، تأتى فى صالح الكتاب المدرسى وسكان الريف. فارتفاع نسبة القراءة بين سكان الريف ربما نفسرها بأن الكتاب ولو كان مدرسيا يمثل نقلة كبيرة وخطوة نحو الانتقال إلى حياة المدن البراقة التى يشاهدونها على شاشات التليفزيون وما تتيحه من خيارات نظيفة فى الملبس والمشرب ونوع التعليم. إذا فارتفاع نسبة القراءة فى الريف تأتى نتيجة رغبة عارمة نحو مستقبل أفضل مفتاحه الحصول على شهادة تلو شهادة، أملا فى الحصول على مؤهل جامعى كمسوغ للتعيين فى وظيفة بعيدا عن الأرض الزراعية وروث بهائمها، وكل هذا مرتهن بالكتاب المدرسى لا القراءة الحرة، وليس بحثا عن الثقافة فى حد ذاتها فما جدوى الثقافة وتنويرالعقل لو وجد الإنسان نفسه محاصرا فى الريف بالمرض والتلوث والعزلة؟ وخاصة بعد أن أصبح مفهوم الثقافة نفسها مبهماً غامضاً ومقصورا على ما تقدمه الفضائيات من قشور زائفة من المعارف من خلال برامج الصوت العالى والصراخ الذى بات سمة جاذبة للمشاهدين والمتابعين والمعلنين من أصحاب السلع الاستهلاكية. والسؤال المهم الذى يجب أن يثيره فعلا المهتمون بشأن بناء الإنسان المصرى خاصة والعربى عامة هو كيف يمكن استغلال الكتاب المدرسى لبناء الإنسان الجديد المستقبلى المتشبع بقيم مجتمعه؟ كيف نستثمر الكتاب المدرسى لننتج جيلا جديدا من المتعلمين المتشربين بقيم واحدة تصب فى خانة الوطن والمواطنة لا الطائفة والطائفية؟. كيف نُعلى من قيمة الكتاب المدرسى إلى الحد الذى يجعل الطالب يحتفظ به على أرفف مكتبته لا أن يمزقه ويدهسه بقدمه انتقاما بعد انتهاء الامتحانات؟. من المؤكد أن كل الإجابات ستدورحول الاهتمام بالمحتوى الدراسى وكيفية تقديمه، لا بكمية المعلومات التى يتم تكديسها تكديسا فى الكتاب الذى أصبح فى مفعوله ووقعه على نفسية الطالب مثل آلة التعذيب فى حجمه وطلاسمه التى لا تتماشى مع البيئة التى يعيش فيها الطالب، ولا مع خصائص المرحلة العمرية التى يمر بها، ولا مع كثافة الفصول الحالية. يجب أن تكون هناك أهداف واضحة ومحددة وثابتة ولسنوات قادمة للتعليم، توضع على ضوئها المناهج الدراسية مراعية الكيف لا الكم من أجل بناء توجه وفكر معين لدى المتعلم وهو المنتج النهائى، أوالمخـرَج المستهدف من عملية متكاملة لها مدخلات يجب الاهتمام بجودتها من أجل هذا المنتَج الفريد من نوعه، كمنتج من لحم ودم وفكر ومشاعر اسمه الإنسان.
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1745


Sunday, March 21, 2010

أديب الحى لا يُـقرأ

جاء فوز رواية «ترمى بشرر» للروائى السعودى «عبده خال» بجائزة البوكر العربية فى دورتها الثالثة خير برهان على أنه كما أن «زامر الحى لا يطرب»، فأديب الحى أيضا لا يجوز أن يقرأ له أحد من بنى وطنه، حتى لو اعترف العالم كله به ولو حاز جوائز الأرض كلها، ولا يجوز له أن يقوم بطبع أعماله داخل وطنه بل عليه اللجوء إلى دار «الكفر» لتقوم بالمهمة غير المقدسة، وذلك حفاظا على طهارة عقول العباد من دنس الفكر والمعرفة، ولكن يجوز القراءة من وراء ساتر مثل شبكة الانترنت بتحميل الإصدارات الكترونيا لتجنب ملامسة الكتب الورقية الناقضة للوضوء!
لم يكن «عبده خال» أول كاتب يتم منع أعماله فى بلده، ولن يكون آخرهم طالما بقى الأديب تحت رحمة رجال الحسبة الذى يخضعون الأعمال الأدبية لأحكام لاهوتية من تفسيرهم واجتهادهم هم أنفسهم، وتبعا لأفقهم الذى لا يتجاوز موضع أنوفهم. فالشاعر الدكتور «غازى القصيبى» لم يشفع له منصبه كوزير ليمرر قصائده دون تعرضها لقرون استشعار تلتقط النوايا والمخبوء فى الصدور، ولم تشفع له قصيدة «تذكرى» التى لو توقف عندها لكفته:
( تذكرى..أن الجرح عندما يتعب من البكاء /يبدأ فى الغناء/تذكرى..أن الذى يحب الله لا يمكن أن يكره البشر).
عبده خال وغازى القصيبى وعبد الرحمن منيف وطالب الرفاعى، جميعهم كتبوا عكس الاتجاه السائد ليخضعوا جميعا تحت طائلة «قضاء الحسبة» وبصورة مشابهة لما تعرض له الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى الذى تم الحجز على أثاث بيته لصالح من ادعى عليه بسبب ما كتبه قلمه، ومؤخرا الروائية «سهير المصادفة» التى وبعد أكثر من خمسة أعوام على صدور روايتها «لهو الأبالسة» اكتشف فجأة أحدهم أنها رواية «قليلة الأدب» لتقع الكاتبة تحت سيف شخص يحتاج خمسة أعوام كاملة كى يفهم ويدرك قبل أن يعبر عن رأيه وعلى طريقة «المغامرون الخمسة» الباحثون عن الشهرة بكشف اللغز أو الكنز المخبوء.
ومن عجائب الشرق، أن رئيس لجنة تحكيم هذه الدورة؛ القاص والروائى الكويتى «طالب الرفاعى» خضعت أعماله أيضا للمنع والمصادرة فى بلده، حتى العدد 59 من مجلة نزوى العمانية التى نشرت قراءة فى مجموعته «شمس» تم منعه أيضا من التداول وتمت مصادرته. ولذلك كان «الرفاعى» صادقا جدا فى الحيثيات التى أعلنها بصفته رئيس لجنة تحكيم هذه الدورة عن سبب فوز رواية «ترمى بشرر» بالجائزة بأنها: «استكشاف رائع للعلاقة بين الشخص والدولة»، وأنها « تعطى للقاريء من خلال عيون بطلها صورة حية عن الحقيقة المروعة لعالم القصر المفرط فى كل شيء»، وأنها «ساخرة فاجعة تصور فظاعة تدمير البيئة وتدمير النفوس بالمتعة المطلقة بالسلطة والمتعة المطلقة بالثراء، وتقدم البوح الملتاع لمن أغوتهم أنوار القصر الفاحشة فاستسلموا إلى عبودية مختارة من النوع الحديث.» تأتى هذه الكلمات على لسان طالب الرفاعى بالذات لا لتصف رواية «خال» وحده بل لتصف أعماله هو أيضا، وتنسحب على أعمال عبد الرحمن منيف الذى تعد روايته «مدن الملح» خير تجسيد لكل ما تحدث عنه «عبده خال» فى مجمل رواياته بما فيها روايته الفائزة. «مدن الملح» تلك الرواية المميزة وبمقاييس عالمية، لم تأخذ نصف حظ رواية «بنات الرياض» من الاهتمام المبالغ فيه من وسائل الإعلام العالمية والذى جاء بفضل تغير خانة النوع للكاتب من «ذكر» إلى «أنثى». إذن هو التوقيت الذى لم يكن فى صالح عبد الرحمن منيف ولا فى صالح طالب الرفاعى. وجاء أخيرا «عبده خال» ليغرد فى نفس السرب الذى نادى بإصلاح الأحوال ومواجهة العيوب بالتحدث عنها وإظهارها لا بإخفائها والتستر عليها، هذا السرب الذى مهد له منذ أعوام عديدة الشاعر والناقد والمفكر «محمد حسن عواد» المولود فى الحجاز عام 1906، عندما أصدر كتاب» خواطر مصرحة» عام 1927 تضمن عدة مقالات انتقد فيها الواقع الأدبى والاجتماعى وحال الوطن فى دعوة صريحة وجريئة للتغيير البناء من خلال الإبداع وتجلى هذا فى قصيدته «جنون الناقدين»: «وطنى أجهل أم سبات/ أم غباء ما اعتراك؟ لا حس عندك، لا حفيظة، لا تحرك لا عراك/ تجرى الحوادث فى رباك/ وأنت كالجسر الطريح/ ويهزك المتشردون فلا تضج ولا تصيح/ انهض بأهلك والبنين». وتمر السنون وينهض البنون ويأتى «عبده خال» من أقصى الجنوب الغربى للمملكة السعودية ومن منطقة جازان، ويبدأ النشر عام 1984بمجموعة قصصية (حوار على بوابة الأرض) الصادرة عن نادى جازان الأدبى، ثم مجموعتيه (لا أحد) و(ليس هناك ما يبهج) عن مركز الحضارة العربية فى القاهرة عامى86 ــ 1988. ثم تواصلت اصداراته الإبداعية متجها إلى الرواية بدءا برواية (الموت يمر من هنا) ثم (مدن تأكل العشب)، فرواية (الطين)، ثم (الأيام لا تخبئ أحدا)، و(نباح)، و(فسوق) وأخيرا روايته الفائزة بالبوكر (ترمى بشرر). ولكن خال اشتهر كروائى وليس كقاص، وبرواياته «فسوق» و»مدن تأكل العشب» و»الموت يمر من هنا» و» ترمى بشرر» التى واجهت بعض النقد وقت صدورها لتكرار أو تشابه المواضيع والعوالم فى رواياته، وبعدها عن الهم الذاتى المباشر وانشغالها بالحديث عن طبقة معينة بغرض جذب الانتباه. ورغم الجائزة التى حازها «خال» ورغم عمله كصحفى، إلا أن كل ماكتبه مازال ممنوعا، فهو يكتب فى وطنه وينشر خارجه ليعرف عنه العالم ويجهله من يقف على بابه، وإذا عرفه أشار إليه ناعتا إياه بصفات تنصب كلها فى أنه يشوه صورة «الوطن» بكتاباته التى خلع عنها برقع الحياء ليظهر عيوبا برع الجميع لأجيال فى إنكارها، ثم لم يجدهم الإنكار نفعا، لتتفاقم الصغائر وتتحول إلى كبائر توشك أن تتحول إلى كوارث على شاكلة «بحيرة المسك
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1743».

Thursday, March 18, 2010

الأدب واشكالية الآخر

تميز الأدب عن غيره من المجالات بمقدرته غير العادية على احتواء وتناول جميع المشكلات دون ازعاج البحث عن حلول لها. بل جاءت بعض الأعمال الأدبية لتتنبأ بأحداث اعتبرناها وقت ظهورها نوعا من الخيال الفائق، ثم ثبت بعد ذلك أنها كانت قراءات مستقبلية لما شهدنا حدوثه بالفعل، مثلما حدث مع جورج أورويل فى «مزرعة الحيوان» وإسقاطاتها وتنبؤاتها المتعلقة بالثورة البلشفية، وفريد معوض فى «أيام فى الأعظمية» واستشرافه لاحتلال العراق. والدوس هيكسلى فى روايته «عالم جديد شجاع» وبوادر تحقق نبوءته الخاصة بميكنة كل شىء، وطغيان المادة، وضياع قيمة الفرد والأسرة وانعدام الاختيارات فى انعدام تام لإمكانية أخذ قرار يخالف النهج الواحد المتتالى والمتشابه حتى فى شكل الوجه والجسم.
وكان من المفترض أن يكون الأدب مجالا تتساوى فيه كل الأجناس وكل الألوان، مادام أنه مجال لا يتعدى حدود الورق. ولكن من الملاحظ أن الأدب فى الكثير من أشكاله أصبح انعكاسا للعنصرية والتمييز فى صورها العديدة. وجاءت النظرة العنصرية من حقيقة الجهل بالآخر الذى ندرك جيدا أننا نجهله، ولا نجد أمامنا إلا اختلاق الصور والأخيلة التى تتناوله بمفهومنا وثقافتنا وأيدولوجياتنا المتنوعة والمختلفة والمغايرة لحقيقة هذا الآخر. بل لقد انساق المثقفون أنفسهم وتداولوا مسميات تصنيفية تُعد فى حد ذاتها تمييزا مثل مسميات الأدب الأنثوى، أدب الزنوج، أو أدباء الجنوب، أو الأقاليم على سبيل المثال لا الحصر. وداخل الأعمال الأدبية نفسها ظهرت شوفينية الأفكار والتوجهات. وكان الحال بالنسبة لصورة الشرقى أو العربى فى الأدب والفن أشد مأساوية حيث تم رسم صورة له من خلال أساطير وحكايا متخيلة على أنه الجشع، البدوى، زير النساء، راعى الجمال فى الصحراء. وتتجسد مقولة أفلاطون فى جمهوريته «أولئك الذين يروون القصص، هم من يحكمون المجتمع» لتتوالى الأعمال الأدبية تعكس النظرة الدونية للآخر «العربى» لتصوره على أنه الوثنى الهمجى فى الكثير من الأعمال مثل قصيدة «أغنية رولاند» وقصيدة «الخطايا السبع القاتلة) للشاعر (وليم دنبر)، و(كريستوفر مارلو) فى مسرحيّته الشهيرة (تيمورلنك العظيم ). ثم بعد أحداث 11سبتمبر أضاف الإعلام صفة جديدة ملصقاً به تهمة الإرهاب وتنعكس. بالتالى على الأدب والفن والفكر الغربى عامة، وعلى ألسنة كبار الرموز مثل توم كروز وأرنولد شوارزينيجر وريتشارد جير. ولكن الأدباء والمثقفين ممن كان لهم معرفة بالآخر العربى، لم يقعوا فى شرك ما تردده صحافة لا تعرف عن الشرق سوى ما تسمعه من جانب واحد ومعاد له . فالكاتب البرازيلى «باولو كويلو» عايش الشرق وخبره عن قرب فى زيارته للمغرب واقترابه من الثقافة العربية فعلا وقولا، ولذلك لم يستق معلوماته من الأفلام ونشرات الأخبار الغربية التى صورت الشرق على أنه «شرق الرعب»، بل قال متباهيا بتأثره بالشرق «ومن لا يحب الشرق يعنى أنه بلا قلب». وهذه المقولة تعبر عن الفارق الكبير بين من عايش ثم تحدث وهذا الآخر الذى يكتفى بتصور الآخر وفق ظروفه وأحواله.
وإن كانت هذه صورة العربى فى العيون الغربية البعيدة جغرافيا وثقافيا والتى لم يحدث بينها وبين المشرق العربى التحام حقيقى عن قرب، كان من المفترض أن تكون صورته فى الأدب الفارسى أو الإيرانى حقيقية أو على أقل تقدير واقعية بمميزاتها وعيوبها بفضل القرب الجغرافى والاختلاط التاريخى على مر العصور منذ الغزو العربى لفارس فى القرن السابع الميلادى, ولكن من الملاحظ أن الأدب الفارسى دأب على تصوير العرب على أنهم «البدو المتوحشين» الذين دمّروا حضارة ايران الساسانية. أو هم مجرد «حفنة من آكلى السحالى، الحفاة العراة الذين يقطنون الصحراء..» كما كتب ميرزا آغاخان كرمانى. وصادق هدايت، أشهر كتاب إيران المعاصرين يصف العرب بـ «المتوحشين» والقساة والمتعطشين للدماء والموبوئين والقذرين والبشعين وأصحاب «الجلود السوداء والمتخلفين». والروائى محمد على جمال زاده يصف العرب بـ «المتخلفين والقساة»، وسخر من شخصية العربى فى كتابه «الفارسية سكر» واصفاً إياه بـ « قطة بيضاء تقعد ملتوية على كيس من غبار الفحم». و تندر مستحقرا الجنس العربى قائلا: «العربى فى الصحراء يأكل الجراد مثلما يشرب كلب اصفهان المياه المثلجة».
والروائى صادق جوباك يرى العربى منافقاً ودميماً ومتوحشاً، ففى روايته «المصباح الأخير» يسخر من البصرة وسكانها العرب قائلا: «عليك أن تحترس فى البصرة وتحرص على أغراضك هناك. فحالما تدير وجهك يسرقك العرب، ليس هناك من لصوص أسوأ من العرب». والأمثلة كثيرة والنظرة الدونية العنصرية واحدة لدى الشعراء والروائيين الايرانيين والتى قد تبلغ من الحدة حد التطرف لتشمل الهجوم على اللغة العربية والدين المشترك والنظرة إلى العرب على أنهم الوحوش الغرباء المتطفلين الذين دمروا حضارة فارس .
وإن كانت صورة «الآخر» العربى فى الأدب الفارسى بمثل هذا المسخ والزيف، فمن غير المنطقى أن ننتظر من الأدب العبرى أن ينقل صورة براقة لنفس «الآخر» الذى لا يشترك معه فى لغة ولا دين ولا ثقافة. ولذلك جاءت صورة «الآخر» فى الأدب انعكاسا وامتدادا لحالة الاحتقان التى لم تنفرج منذ حرب 48 مرورا بنكسة 67. وكان من المنطقى أيضا أن يرى كل جانب فى هذا «الآخر» عدواً وقاتلاً محتملا، وجاء الأدب ليعكس أيضا كل هذا فى ما بات يعرف بأدب الحرب أو أدب المقاومة الذى ينطلق من خبرات شخصية حقيقية أو سرد تم نسجه على معطيات الصراع الدائر بين الجانبين
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1742.

Monday, March 15, 2010

صدور رواية “لم تذكرهم نشرة الأخبار/وقائع سنوات التيه” ل انتصار عبد المنعم





عن دار العصر الجديد بالقاهرة صدر للروائية المصرية انتصار عبد المنعم رواية جديدة بعنوان

“لم تذكرهم نشرة الأخبار- وقائع سنوات التيه”..قال عنها الناقد الأستاذ أحمد سماحة :الرواية تتبع مصائر أفراد أسرة مصرية من ملايين الأسر المهشمة

التي لا يتذكرهم أحد ،

فهم ليسوا لاعبو كرة أو ساسة أو أثرياء أو أصحاب نفوذ..

ولا حتي مجرمين لذا قبعوا في طي النسيان يحفرون مصائرهم بأيديهم

وغالبا ما يفشلون أو تتقطع بهم السبل..

وقائع وتفاصيل من سنوات التيه لأسره الشرقاوي

في فضاء مكاني امتد الي الإسكندرية والغردقة ، وجدة

رصدتها الروائيه بعمق ورؤيه ناضجة ووعي بفنية الرواية

وسرد يتسم بالسلاسة والشاعرية..

ورغم أن الروايه تعد الأولي للكاتبة التي أصدرت منذ عام مجموعتها القصصية

“عندما تستيقظ الأنثى”

إلا أن البناء الفني جاء متماسكا

ومدركا لأبعاد المكان والزمان ومصائر الشخصيات.


http://www.alyaum.com/issue/article.php?IN=13388&I=736217&G=1

Saturday, March 13, 2010

إنهم يترجلون فى صمت الأقاليم

تنادى أدباء مصر فى الأقاليم فى رحلة الصعود الواحد تلو الآخر. بغير موعد يرحلون وكأنهم يعدون العدة لحدث ثقافى جلل يضم كل أطياف الأدب من شعر وقصة ورواية وأدب طفل. أرادوا أن تشهد السماء تجمعهم طالما لم يطل بهم المقام لتشهده الأرض. كان لدمياط النصيب الأكبر فى عدد المشاركين فى رحلة الخلود لتفتتح رحلة الارتقاء بشاعر البسطاء محمد العتر فى نوفمبر من عام 2009 ويلحق به فى يناير 2010 الشاعر طه شتا، وفى فبراير الكاتب والمخرج المسرحى محمد الشربينى ومن المحلة الكبرى يلحق بهم قديس الكلمة ابن المحلة الكبرى فريد معوض، ثم زجال مدينة ادكو الكبير شعبان خميس.
كان الجميع على موعد لن نشهده ولن ننقل فعالياته، ولكنهم سيناقشون أعمال شاعر العامية محمد العتر صاحب دواوين « كلام للطين، صفحة من كتاب العشق، نغبشة، ترحال، الطالع» ولن يفوتهم أبدا نقد رواياته « سفر الموت، حارة النفيس، غيبوبة، باب الحرس.»، سيتخلص الجميع من عقدة العظمة التى تتلبس الكبير حين يصل إلى نقطة الضوء ليكون بينهم مكان للشاعر طه شتا الذى لم تعرفه أضواء العاصمة رغم أنه أعد بعض البرامج للقناة السادسة، وله العديد من الأغانى من تلحين الملحن توفيق فودة. وإن كان العتر وشتا شاركا بالشعر والرواية، فللمسرح نصيب الأسد على يد الكاتب المسرحى والناقد السينمائى محمد الشربينى، مؤسس مجلة آفاق المسرح .بمسرحياته» الجلوس خلف الأبواب، فتاة عادية، البيت فى ميدان الجيزة، أحلام، رمسيس يدق الجرس، صوت مصر، الجانب الآخر من النهار، حق اللجوء العاطفى، بل سيشارك بأعماله وسهراته التليفزيونية (يوميات مدينة على النيل 89، الأجيال 92)، (الخروج من الدائرة90)، (طريق الأحلام: 95)، (تدابير الدنيا 99)، (حكايات الحكماء 2002- للأطفال)، (الحياة على طريقة فلفل 86)، (أحلام عم سيد 87 ـ رحلة الخوف 88 )، ( شموع السعادة 89 ـ قطار الذكريات 95)، (بعد السقوط 92)، (الاستجابة 94)، (أغنية حزينة 94).

ومن المحلة الكبرى سيرتفع صوت فرع النيل الثالث، فريد معوض الذى عرفته انسانا متواضعا محبا للجميع. فريد معوض، ابن المحروسة الذى غرس أرضها صغيرا وعقول أولادها كبيرا . نشأ معوض متوحدا مع الأرض يزرعها لتعطيه أنواعا وأشكالا من الثمار المختلفة، فجاءت أعماله متنوعة ما بين القصة والرواية وأدب الطفل والسيناريو والحوار. اكتسب من الأرض البكر جودة الانتاج، فجاءت أعماله تتهافت عليها الجوائز المحلية والعربية اعترافا بجودتها، يحصل على جائزة سوزان مبارك أعوام (89 و90 و93)، وفى عام 2005 جائزة المحترفين عن كتابه «الأرض تعلمنا»، جائزة أبها الأولى على مستوى العالم العربى عن مجموعته «عم مرجان والحب الذى كان عام 1995، جائزة الشارقة للإبداع العربى عن مسرحيته للأطفال «الديك والدجاجة» عام1999، جائزة الاتحاد العام للفنانين العرب عن روايته «التبة المسحورة» عام 1996، جائزة يوسف السباعى الأولى فى مجال النقد الأدبى عام 2002، جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة بالمركز الأول لعدة سنوات عن رواياته «المرسى والأرض» و «أيام فى الأعظمية» و«أرض الهويس» وتختار منظمة الأمم المتحدة للأطفال «اليونيسيف» كتابيه «حكايتى مع الطائرة» و«نشيد الشمس» ليتم ترجمتهما للعديد من اللغات عام 1992 وغيرها من الجوائز. يترجل فريد معوض الكاتب الموسوعى الذى تنبأ باحتلال العراق فى روايته «أيام فى الأعظمية» والتى جذبت اهتمام الباحثين فى أكثر من عشرين دراسة.
وسيعلو صوت الزجل بين المحتفلين من الزجال شعبان خميس ممثل البحر والبحيرة فى رحلة الارتقاء من مدينة الماء والرمال، مدينة الغاز الطبيعى؛ إدكو .. فى ديوانه «تجليات وأنغام» ظهر اهتمامه بالبسطاء وبالقضايا الوطنية، كتب أيضا يرثى الراحلين من الشعراء، ولكنه لم يكن رثاء عاديا، بل كانت أزجاله تعريفا بأسماء توارت بفعل الزمن فلم تأخذ حقها من الاهتمام مثل الشاعر أحمد السمرة، وأحمد زيادة، وعم أبورواش والكمشوشى. ومن اللافت أن الراحل فى ديوانه الأخير اهتم بشهداء مصر الذين لم تذكرهم كتب التاريخ، يقول خميس فى مقدمة ديوانه «مواكب الخلود»: لم يذكر لنا التاريخ فى العصور المتعاقبة بعد فجر الاسلام إلا أسماء القادة الكبار الذين قادوا الجيوش.. أما الذين شاركوا فى هذه الحروب وماتوا شهداء من الجنود فلم يذكر لنا التاريخ شيئا عنهم ..» ولم يكن الحاج شعبان خميس زجالا فقط ، بل كان باحثا مجتهدا أثبت بالدليل أن من كان يمشى بجوار القمص سرجيوس فى مظاهرات 1919 ليس الشيخ على الغاياتى كما ذكرت صحيفة الأهرام عندما نشرت الصورة المتداولة للمظاهرات، لأن الشيخ الغاياتى كان موجودا وقتها فى منفاه بجنيف، أما من خرج مع المتظاهرين ممثلا للأزهر وبرفقة القمص سرجيوس هو الشيخ عبد الحليم قطيط؛ المحامى الشرعى وأستاذ الازهر والصحفى والشاعر الثورى والذى أصابته رصاصة فى المظاهرة ظل يعانى من آثارها ويرى موضعها لتلامذته.
تلك كانت نبذة وفاء لراحلين ترجلوا فى صمت.. بلا ضجيج.. فلينعموا بالراحة التى لم يجدوها بيننا.
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر 1741

Monday, March 08, 2010

البحث عن أسطورة !

لم يعد الإنسان في حاجة إلى الأسطورة بمعناها المتوارث من حيث كونها شكل من الأشكال الأدبية لجأ إليها القدامى لتفسير الأشياء المجهولة والظواهر الغير مفهومة من حولهم . فقد اشتملت الأسطورة المعروفة في بعض أوجهها على حكايا تهدف إلى تفسير ظواهر كونية أو غيرها مما لم يجدوا له تفسيرا منطقيا مثل أصل الكون ، الموت والحياة ، تعاقب الليل والنهار . بل إن الأسطورة تداخلت في سرد تاريخ الشعوب لتجتمع الخرافة مع التاريخ في محاولة قد تكون مقصودة من أجل إضفاء القداسة والهيبة على جنس بشري دون غيره ، أو حتى على طبقة معينة من البشر دون غيرهم . وكما يقول الشاعر الفرنسي دوبان : (الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد) .
فدفء الأسطورة كفيل بخلق نوع من الذاكرة الجماعية تقوم على الخيال المحض، أو خيال تولد من حقيقة صغيرة ثم توارت بعد ذلك الحقيقة في عباءة الخيال لتتحول إلى أسطورة لا نستطيع معرفة الجزء الحقيقي من الخيال المنسوج عليه .
ولكن اليوم وقد عرف الإنسان كل شئ عن الكون والوجود، أدرك أنه في رحلته الفكرية لفهم العالم وهو قابع في مكانه يتخيل آلهة الخير والشر وآلهة الظلام والنور، نسي العالم الحقيقي الممتد خارج حدود الحيز المكاني الضيق الذي سجن فيه نفسه بينما أعطى لفكره براح التخيل . أصبح الكون واضحا لا يحتاج تفسيرات غيبية ويبتعد الإنسان عن كل ما هو غيبي بما فيها الروحانيات ليغرق في ممارسات تندرج تحت مسميات مثل الواقعية والوجودية وغيرهما .
أدرك في النهاية وفي ذروة معرفته أنه لا يعرف نفسه .
وجد الانسان نفسه كعالم مجهول ، وشعر بضعفه البشري الذي يختلف تماما عن شخوص أساطيره الذين كانوا آلهة أوأنصاف الآلهة يتمتعون بالسطوة والقوة . انعكس كل هذا وبصورة واضحة في حركة الأدب الحديث الذي شهد تغيرا في مفهوم الأسطورة وطريقة تناولها بهدف خلق الأسطورة الشخصية لبشرعاديين ليسوا بآلهة ، بل هم بشر يحملون في دواخلهم كونا يموج بالأفكار والصراعات أدركها القائل : (وتحسب أنك جرمٌ صغير /وفيك انطوى العالم الأكبر) .
ولذلك نرى البطل في "دون كيخوتة" يسعى لاكتشاف العالم من حوله بنفسه وكأنه يخلق اسطورة الانسان العادي الذي يكتشف في النهاية أنه لا يعرف العالم ولا نفسه .وفي "الخيميائي" يسافر (سنتياغو) من مكان إلى آخر مثل دون كيخوتة باحثا عن الكنز المادي تحت سفح الهرم ليكتشف أن الكنز بداخله، فهو الأسطورة التي تستحق الخلود ، وهو من يصنع الأساطير ، وأن كل الظروف من صنيعة الانسان لا الآلهة التي شكلها في حكاياه وأعطاها قوة لم تكن لتكتسبها لولاه .
وهكذا ظهر البطل في الأدب الحديث بلا بطولة بل ظهرت هزائمه الداخلية . لم يعد البطل إلها أو شبه إله ، بل انسان مهزوم فصامي يعاني صراعات داخلية مثل مصطفى وبقية شخوص "تغريدة البجعة" أو محمود في "واحة الغروب" ،أو طارق وماجد في "لم تذكرهم نشرة الأخبار" . أو حتى مريض نفسي مثل هادي ونور في " مواقيت التعري" .
أدرك المبدعون أخيرا أن قدرة الانسان على العيش واستمراره في الحياة تُعد في حد ذاتها معجزة أو أسطورة .
لم يعد الانسان في حاجة لأسطورة متوهمة يختلقها بنفسه ، ولم يعد يهتم بالكون الخارجي قدر انشغاله بعالمه الداخلي المليء بالاحباطات حين لا يستطيع مواجهة الحاضر الذي يحيل المبدع إلى كتلة من التوتر قد تؤدي به الى الجنون أوالى الانتحار اعتراضا على واقع لا يتواءم مع طموحاته .
أدرك الأدباء والمبدعون أن الخروج إلى العالم واكتشافه أهم من السكون ، وهكذا ترك "رامبو" بيته وبلده وأشعاره وهو في أوج العبقرية والشهرة ليكتشف بنفسه العالم الحقيقي بالمغامرة والتجوال في العالم ليعيش أسطورته الحقيقية لا المخطوطة شعرا على الورق . وهكذا ترك "نيتشة" الجامعة واستقال ليكتشف العالم ويعيش حياة التشرد والضياع بمفهومنا القاصر، ولكنه كان يصنع اسطورته التي انجب منها رائعته "هكذا تكلم زرادشت" . وهكذا ترك الفنان المغربي "حميدو بن مسعود" وطنه ليبحث لنفسه عن أسطورة في فرنسا وهوليود ، بعكس الشاعر والمسرحي الفرنسي "جون جونيه "الذي اختار العرائش المغربية ليخلد فيها . بل إن الكثير من العظماء من الأدباء والشعراء والرسامين والموسيقيين أصيبوا بالجنون ، أو وصلوا حد الانتحار ليموتوا مثل أسطورة كما عاشوها مثل فان جوخ ، وشومان ، وتشايكوفسكي ،ومايكوفسكي، بودلير، همنجواي ، موباسان، فيرجينيا وولف، نيتشه، إدغار ألان بو حتى مارلين مونرو ومايكل جاكسون وغيرهم .
وفي أفضل الأحوال قد يلجأ المبدع إلى "أسطرة " أعماله بأن يبتكر شخصية أو شخصيات تكون محور أعمال متكررة أو سلسلة من الأعمال مثل لورنس داريل في "رباعية الاسكندرية" أو نجيب محفوظ في الثلاثية . أو لربما يلجأ المبدع إلى أسطرة اسمه الشخصي مثلما فعل توفيق الحكيم في "عصا الحكيم"، و" «حماري قال لي» ، ومن قبله الشاعر الإسباني "خُوان رانون خيمينث في "أنا وحماري". أيضا لجا المبدعون إلى اختراع شخصيات لافتة تعيش في أذهان القارئ حتى بعد أن ينتهي من القراءة مثل شخصية الولد الخشبي "نودي" التي ابتكرتها كاتبة الأطفال البريطانية "إينيد بلايتون"، وأيضا شخصيات " المغامرون الخمسة". وحديثا شخصية هاري بوتر للبريطانية "ج . ك. رولينج" ، و شخصية "فلفل" التي اخترعها القاص سمير الفيل وجعلها محور مجموعته القصصية ""صندل أحمر". وقد يقوم الكاتب "بأسطرة" ذاته ليأخذ دور البطولة في بعض أعماله بصفته وشخصه ككاتب مثلما فعل الأديب الجزائري "واسيني الأعرج" الذي جعل من نفسه بطلا في بعض أعماله كان آخرها رواية " أنثى السراب". وحتى في الفن نجد الأعمال الفنية التي حملت اسم العظيم اسماعيل يا سين ، وشخصية غوار الطوشي للسوري المبدع دريد لحام ولا ننسى "أبو العبد " اللبناني .وهكذا ظهرت الأسطورة الحداثية في الأدب والفن لتحمل مفهوم الخلود والبقاء للإنسان العادي بضعفه وقوته ، بنجاحه واخفاقه ومحاولته العودة إلى اعادة اكتشاف نفسه التي بين جنبيه . فما يفيد الانسان لو عرف العالم وجهل نفسه ؟ .

انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1738

Saturday, February 06, 2010

«رستم كيلانى» ورسالة الأديب النبى


لم تكن علاقة رستم كيلانى بأستاذه الرائد محمود تيمور مجرد علاقة تأثر بأسلوب الكتابة أو بالنمط الواقعى فى السرد، بل كانت استلهاما كاملا لفكرة واحدة دارت حولها مجمل أعماله القصصية التى طغى عليها الجانب الاجتماعى الإنسانى. فما بين الأستاذ والتلميذ إرث لا ينضب ولا يحيد عن رسالة الأدب التى كانت فى اعتقادهما هدفا أسمى ومطمحا يجب أن يسير عليه وفى هداه الأدباء والمثقفون. تتلمذ رستم كيلانى على يد تيمور وآمن مثله بأن للأدب رسالة اصلاحية عظيمة قبل أن يكون متعة للكاتب والقارئ لا يصلح معها سوى الواقعية فى التناول:«لقد عاهدت نفسى أن أسير على خطاه فى إحياء الأدب الإنسانى الثابت الذى نادى به فى مدرسته الفنية «الاتباعية» الأصيلة التى تؤمن بأن الأدب لابد أن يكون هادفا، وأن المجتمع الأخلاقى الذى يسير فى طريق البناء، إذا أراد الأديب أن يعبر عنه فنيا، فلا وسيلة له سوى (الواقعية الواضحة،الفاضلة،البناءة).وهكذا جاءت أعمال رستم كيلانى تحمل نزعة تقويمة إصلاحية مثل رسالة الأنبياء فى مجتمعاتهم التى أرسلوا إليها، وهذا ما قد يراها الحداثيون اليوم شيئا كلاسيكيا مملا بعد أن تشبعوا بسيل الكتابات المتنوعة فى أساليب السرد وفى موضوعاتها التى تعكس الظاهرة الاجتماعية كما هى بقسوتها وفجاجتها، بل أيضا بمفرداتها الغريبة المستحدثة. وكل هذا يغاير تماما العالم الكلاسيكى النظيف الطاهر الذى اهتم به كيلانى مركزا فيه على النهايات السعيدة التى تنتصر فيها دوما قيم الخير والجمال الفطرية فى الإنسان. كتب رستم القصة الإنسانية فى بساطة وسلاسة لتحمل مشاعره وأفكاره ككاتب يرى أن الكتابة فعل تطهر وتطهير وارشاد، وأن الكاتب ليس إلها يسكن الأبراج العاجية، بل هو كاتب انسان من لحم ودم يرى فى الآخر مهما بعدت المسافة بينهما انسانا يستحق الاحترام والاهتمام، وهذا ما تجلى فى أول معرفة لى برستم كيلانى أديبا وانسانا، ففى عام 1988، كانت مفاجأة غير متوقعة أن يحمل لى البريد مظروفا أنيقا به مجموعة «زوايا الحياة» لكاتب كبير مثله. تعجبت كيف يهتم،لا ليرسل ردا مقتضبا كغيره من الأدباء ساكنى صفحات الجرائد والمجلات وأغلفة اصداراتهم لا يتجاوزونها، بل ليرسل كتابا وعليه توقيعه واهداءً باسم فتاة صغيرة تعيش على ساحل البحر، فى مدينة نائية لم يكن اسمها قد ظهرعلى خارطة مصر؟ وعندما قرأت ما كتبه عنه الرائد الكبير محمود تيمور فى مقدمة المجموعة القصصية “زوايا الحياة” الصادرة عن دار المعارف، رابطا بين أعماله وشخصيته، أيقنت أنى أمام قامة كبيرة قلبا وقالبا :»... قصصه تتميز بشفافية تنم عن نفس خيرة تنطوى على كرم ونبالة وإشفاق.تقرأ له القصة، فتحس بأنها وجبة من غذاء فنى، غذاء صحى.. النغمة فى إنتاج رستم كيلانى القصصى نغمة هادئة، تهز ولا تزعج، وتؤثر ولا تثير..كأنها نسمات الأصيل إبان الربيع.. أدب رستم كيلانى هو مرآته.. فإذا رأيته عرفت ماذا هو قائل لك حين يكتب، وإذا قرأت له تمثل لك شخصه، كأنك تراه.فى أعماله مثل مجموعة “زوايا الحياة” كأنموذج، رصد كيلانى بعض المواقف والمشاكل الحياتية الانسانية الخالصة، وعبر عنها بسرد مباشر فى قمة الواقعية بعيدا عن الرمز الذى قد يعيق وصول رسالته الإصلاحية إلى المتلقى العادى الذى يتوقع أن يرى فى العمل الأدبى انعكاسا صريحا ومباشرا لما يحياه من متاعب واحباطات، ويأمل أن يرى على الورق - كما على شاشة السينما - انتصار الخيرعلى الشر فى النهاية، كتعويض وقتى وهمى يريح مَن يحزنهم رؤية الخير مهزوما فى الواقع المعاش وفى العالم المتخيل أيضا. لم يهتم كيلانى بعنصر الإدهاش القائم على المغايرة للمألوف الذى يميز مجمل الأعمال الأدبية الحديثة التى تدور فى تيه الحداثة بمشاكلها وارهاصاتها على كل الأصعدة. بحيث لم تعد الكتابة اليوم انعكاسا لشخصية الكاتب أو حياته هو، قدر ترجمتها للواقع الذى يعيشه الكاتب، وما قد يكون فى أحيان كثيرة مفروضا عليه قسرا.يكتب رستم كيلانى بعين تجول فى خبايا نفوس البشر وبقلم مخلص لأستاذه تيمور الذى أورثه منهجا أخلاقيا صاغ منه رسالته الأدبية المقدسة:(تعلمت أن الأدب فى أبسط تعريف هو التعبير عن الحياة. تعلمت أن الأديب إنما هو إنسان يجب أن يتحلى بالاخلاق قبل كل شىء‏.‏ تعلمت أن الكتابة شعور بالمسئولية،‏ ودراسة،‏ وأصول،‏ وعلم إلى جانب الموهبة الشخصية‏.‏ تعلمت أن الفن الصادق هو الفن الذى يجد له الناس على اختلاف ألوانهم،‏ وتفاوت مداركهم صدى فى الأفئدة.‏ وتجاوبا فى المشاعر‏.‏ تعلمت منه الدقة فى اختيار اللفظ المناسب،‏ وجمال العبارة،‏ وتناسق الجمل،‏ وكانت هذه الدقة من خير مزاياه،‏ وقد عرف بها‏.‏ تعلمت أن الكاتب لايكثر من الكتابة إكثاره من القراءة،‏ بل ولايقسم وقته بينهما بالسوية‏..‏ فإن إدمان القراءة للأعمال الفنية خليق أن يذكى حس الكاتب،‏ ويرهف ذوقه،‏ ويجلو كوامن مواهبه،‏ ويهز القلم فى يده‏.‏ تعلمت منه أن أحذر أن يهزنى الثناء إذا كُتب لبعض أعمالى التوفيق والنجاح حتى لا أظن أننى قد بلغت المني،‏ وفصل الخطاب،‏ وحتى لايذهب بى الغرور إلى أننى قد ودعت عهد التلمذة‏,‏ وغنيت عن الدرس والاضطلاع‏.‏ تعلمت أن الأديب الفنان مرآة للحياة،‏ مرآة للمجتمع،‏ مرآة للإنسانية فى محيطها الواسع،‏ وآفاقها الرحيبة‏. تعلمت أن الكاتب يجب أن يعيش فى قصصه ويتلبس بالشخصية التى أخذها لمعالجته‏.‏ تعلمت أن القصة عامل من عوامل التحبيب فى الخير،‏ والتنفير من الشر،‏ ولون من ألوان الدعوة إلى الحق،‏ والنهى عن الباطل‏.‏ تعلمت أن الأسلوب وسيلة لابلاغ الفكرة‏.‏ تعلمت منه أن الأدب رسالة اجتماعية،‏ فيجب أن يعكس صورة المجتمع الذى نعيش فيه‏.‏ تعلمت أن الكاتب إن وجد فى نفسه حرارة الاستجابة للكتابة فيكتب،‏ وإلا فأمسك‏.‏ ولايفرض على نفسه شيئا‏).هكذا كان الأستاذ، ولذلك فهذا هو التلميذ الذى قال عنه أستاذه:(أكبر ظنى أن رستم كيلانى فى كل مرة يعتزم فيها الكتابة، يبادر قبل أن يمسك بالقلم، فيتوضأ ويصلى ركعتين، ثم يقول:(اللهم إنى كاتب
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1737!).

Thursday, February 04, 2010

بدأت التدوين على الرمال قبل اختراع النت بزمان/جريدة القاهرة

انتصار عبد المنعم : بدأت التدوين علي الرمال قبل اختراع النت بزمان
انتصار عبد المنعم قاصة وصحفية صبورة ، مؤخرا أصدرت مجموعة قصصية بعنوان " عندما تستيقظ الأنثي " كما تكتب مقالا أسبوعيا في مجلة اكتوبر ، لكن مدونتها بعنوان "فتفوتة " تكاد تكون واجهة حقيقية لها كمبدعة وكاتبة ، انتصار كاتبة "بنت بحر " فهل مدونتها كذلك؟ لنري ..- فتفوتة مدونة عادية لكاتبة غير عادية .. لأنها تحمل كتاباتك ككاتبة في أكتوبر.. هل تصورك للمدونة كدولاب حفظ؟
- ليست دولابا للحفظ ، ولكنها وسيلة اضافية وأوسع للوصول إلي القارئ الذي ربما لا تتاح له فرصة الحصول علي المجلة ، كذلك القارئ الذي يهتم بالقراءة الإلكترونية التي تتيح له كل أعمال أي كاتب بنقرة واحدة علي الماوس. ولذلك أهتم بالنشر الإلكتروني مثلما الورقي وأحرص علي وضع الكثير مما أكتبه في أكتوبر أو الثقافة الجديدة ، وبالطبع ما يتم نشره خارج نطاق الصحف المصرية من دوريات أو مطبوعات يصعب الحصول عليها لارتفاع ثمنها أحيانا ، أوقلة الأعداد التي تصل إلي القارئ المصري.
-أنت سكندرية حتي النخاع .. تعشقين البحر حريةً وانطلاقا وفضاءً بلا حدود.. ورغم ذلك رأيت المدونة ملتزمة جدا ، لم أجد فيها حتي لون البحر ، ولا جنون اللوحات المصاحبة ، ولا حرية الحديث عن الذات .. لماذا هذا التحجب الإلكتروني؟
- معك حق ولكن هذا نتيجة أن ما أنشره فيها عبارة عن رؤي وقراءات نقدية لأعمال أدبية أو ظواهر ثقافية ، ولكن في المقابل تجد داخل المقال الجاد شكلا بعض سمات "المشاغبة" أو لنقل "شقاوة "اللعب بالكلمات والعبارات المبطنة بالسخرية من أجل تمرير المقصود دون ملل المباشرة وأضرب لك مثالا ، جاء عرضي لمجموعة الأستاذ سمير الفيل "صندل أحمر" جاءت تحت عنوان "صندل أحمر ديوان الصـــُرم"، ومقال "أدباء العرب وثقافة الأقدام "وغيرهما.
- علي قدر متابعتي الضعيفة .. أجد الكتاب الأوربيين يتخذون المدونة للكتابات غير المجنسة ، والأفكار المبتسرة ، والشطحات وانفلاتات القلم .. ما حكمك علي التدوين الأدبي العربي بشكل خاص؟
- جاء التدوين الأدبي العربي وازدهر علي يد الشباب الذين لم يجدوا فرص النشر الورقي ، ووجدوا أن النت هو وسيلة لكسر الاحتكار ، ومن هؤلاء مجموعة كبيرة مستواها جيد بالفعل ، ولكن هناك الكثير ممن يطلق علي نفسه الكاتب والشاعر وعندما تقرأ ما هو مكتوب لا تجد غير عبارات منمقة في الغرام والحب . ولا ننسي أيضا أن كبار الأدباء انتبهوا للتدوين كوسيلة اضافية لتوسيع قاعدة الشهرة عن طريق إعادة نشر ما يكتبونه، وللترويج لأعمالهم ، وتوجيه الدعوات لحضور حفلات التوقيع لأعمالهم الجديدة .وكل هذا ليس بتفاعل حقيقي فلا مجال لحوار جاد أو حتي للتعبير عن الرؤي في كل ما يستجد في الحياة ، حتي ما يحدث في الفيس بوك يظل كلمات متطايرة يجامل بها الأديب القارئ ثم ينتهي الأمر .
- أقسمت بالمرسي أبي العباس أنك تحبين المواقع أحـمــد سـمـاحـة*بلا حدود، بوح البعاد/محمد حسني ، نقطة ومن أول السطر .. أليس في حركة التدوين العربية الهائلة ما يستحق بجوار هذه المدونات الثلاث؟
- بالتأكيد هناك الكثير ولكن كل واحدة من هذه المدونات تمثل لي رافدا مختلفا أعتز به ، فمدونة الناقد الكبير الدكتور أحمد سماحة بمثابة الجامعة التي استقيت منها الكثير مما أعرف حتي قبل معرفتي بصاحبها شخصيا، فالمدونة بالفعل "بلا حدود" فهي تحتوي علي كل فروع الثقافة والأدب والمعرفة الجادة . ومدونة بوح البعاد مدونة شاعر العامية محمد حسني والتي أزورها لاعجابي بكتاباته ، ومدونة نقطة ومن أول السطر مدونة الشاعر الشاب محمد عزالدين الذي جذبني لأقرأ له ديوانه" شنطة وضبة ومفتاح" والذي قرأت أغلبه علي مدونته.
- لم أجد للشعر مكانا في مدونتك إلا قليلا .. لم هذا الخصام؟
- معك حق أيضا في هذا ، فقد كتبت عن ديوانين للشعر فقط ، ديوان "مشهد ليلي" ، وديوان "ألم المسيح ردائي" ولكن ربما يرجع ذلك لاهتمامي الأساسي بالقصة والرواية ، ولكن ليس علي سبيل الخصام ،أنا نفسي بدأت بكتابة الشعر قبل أن أكتب القصة والرواية .
-نشرت كثيرا من إبداعاتك علي المدونة ، رغم أنها منشورة ورقيا بأكثر من صيغة وشكل ومكان.. هل تم حل المشكلة لديك بين الورقي والافتراضي الإنترنتي؟ وهل تضعين إبداعك علي الإنترنت قبل نشره ورقيا؟
- قبل النشر الورقي بدأت كغيري من المدونين بالنشر الرقمي علي المدونة والمواقع الأدبية الجادة ، ونشرت الكثير مما تضمنته مجموعتي القصصية الأولي"عندما تستيقظ الأنثي" علي المدونة قبل النشر الورقي . ولكن الصورة ليست وردية دوما ، فقد تعرضت للسرقة ليس للأعمال المنشورة رقميا فقط ،بل للأعمال المنشورة الورقية وأحيانا بصورة مضحكة وساذجة ،سأضرب لك مثالا حديثا، موقع مجهول الهوية يقوم علي إعادة نشر المقالات المنشورة في الصحف اسمه "المقتطف الاعلامي" دأب علي اعادة نشر مقالي الاسبوعي ثم فجأة قرروا أن يغيروا اسمي من "انتصار عبد المنعم" إلي انتصار عبد الفتاح ، واستمروا في هذا علي الرغم من أني أوضحت لهم في تعليق الخطأ ولكن لا حياة لمن تنادي
- متي بدأت التدوين ومتي تتركينه؟
بدأت التدوين قبل أن يكون هناك اختراع اسمه نت ومدونات ،بدأته علي الرمال الصفراء الناعمة في حديقة منزلنا الكبير ؛نعم لا تتعجب كنت أخط علي الرمال كلاما ورسومات لا تحدها حواجز صفحة كراسة الرسم كطريقة لممارسة حرية الكتابة في المكان والوقت الذي أريد ، لم أكن أعترف حتي بحدود صفحة كراسة الرسم التي وجدتها كحدود بلداننا العربية المصطنعة ، كان هذا قبل أن ادرك أن هناك وفي المستقبل البعيد ستتحول الرمال الناعمة إلي شبكة نت لها غواية الحية الملساء ولدغة العقرب السام ، واشتهاء المن والسلوي . ولن أترك التدوين إلا حين أعود في النهاية لمكاني تحت الرمال الصفراء نفسها لتشهد نهاية التدوين كما شهدت بدايته .
-لك اهتمام كبير بالنشر الإلكتروني ، والقراءة عبر الكمبيوتر ، وغيره من قضايا النشر الجديدة المؤرقة لنا كعرب .. هل صحفنا العربية واعية لهذه المتغيرات؟
- جاء الوعي متأخرا وبصورة مجتزكة لا تتجاوز تحقيقًا صحفيا أو استعراضًا لاحصائيات من نوع ما ، اقصد أن الاهتمام دوما يأتي بصورة عرضية وعلي طريقة الفرقعة أو الشو ، مثلا أن تتحول موضوعات مدونة إلي كتاب ، أو أن يكتب مدون مقالا في صحيفة وهذا كل ما في الأمر . مع ان الموضوع كبير جدا ومعقد ، فهناك علي النت الكثير مما يغني عن شراء العديد من الصحف والمجلات وفي نفس الوقت يعطي الكثير والكثير في وقت أقل وبأقل التكلفة ودون مضيعة للوقت في البحث عن شئ في صحيفة تموج بأشياء لا تقع في دائرة الاهتمام الفعلي للقارئ.
بقلم : إبراهيم محمد حمزة
جريدة القاهرة

Saturday, January 30, 2010

الذكرى الأولى لصعود الأديب فتحـــي سعـــد


فتحي سعد و الخروج من زاوية العتمة أخيرا!!
فتحي سعد ؛ صوت جنوبي رحل سريعا كأغلب الأصوات المترعة بعبق الأسطورة ورحيق الأصالة . عاش يستحضر إيزيس في أعماله ، يحلم بها تلملم تشظياته المتعددة . يراها تركض في خلايا جسده تقاسمه أحلامه المشنوقة ، تجلس معه على مقاهي الحزن ، يرى فيها وجهه المشرق في اكتمال القمر . يراها قارئة فنجان تكشف له ما وراء الحجب ، تفصله عن العوالم المكتظة بالإزدواجية وإن لم يكن هناك مفر غير الجنون الذي وجد فيه أحيانا البدائل المنطقية لحيوات تغص باللامنطقية.كتب فتحي سعد القصة القصيرة بأسلوب متفرد جمع فيه الحياة والعدم جنبا إلى جنب ، في علاقة تجاور لا في حالة صراع كما هو معتاد . أراد سلاما لم يجده في الواقع فلجأ لإشكالية الموت والحياة ، النور والظلام ؛ محاولا إيجاد نوع من التعايش بينهما . حاول إيجاد حالة تعادل موضوعي بين الأضاد تمكن الكائن البشري من الوصول لشفافية يسمو بها على الواقع المتازم دون بارقة أمل في حل قريب . ربما كانت لديه حالة لا وعي عليا أو وعي مقصود يحاول فيها تبئير فكرة قبول الآخر المختلف تماما في الكينونة .تناول فتحي سعد في كتاباته فكرة الموت الذي كان يستشرف نسائمه في جو أسطوري استمد طقوسه من الموروث الثقافي المترع بالحكايا ، ومن أقبية الأديرة التي عرف فيها روعة البهاء الروحاني ؛ بحيث لم يكن يفرق بين مولد العذراء ومولد سيدي عبد الرحيم القنائي فيما يستلهمه من صور وأفكار ينسج بها وحولها عالمه السردي ، الذي جاء ليعكس البيئة الجنوبية التي عايشها مستنشقا ميراث الأسطورة ومسترجعا طفولته على شط القناة ، وما مر به من خبرات حياتية كان علقمها أكثر من حلوها .تميز باسلوب غير مباشر في الكتابة ، مزج فيه كل تلك الخبرات الحياتية مع موروثه الثقافي في اللاوعي ليخرج لنا قصة لا تشير إلى الواقع أو الحقيقة مباشرة ؛ بل إلى عالم رمزي ميتافيزيقي لا تحكمه حدود؛ تماما مثل عالم الأحلام الشاسع . فجاء فعل الكتابة لديه كنوع من حلم طويل يمارسه بكل طقوسة الغرائبية على الورق ، محاولا اختراق حواجز العجز والفشل التي كانت تفرض نفسها على فتحي سعد الإنسان و الأديب وهو يرى الحالة المتردية للواقع الراهن بين نزاعات داخلية وعربية ، في تعليق له منشور على الإنترنت يقول :(أما كيف أعيش على المستوى العام ؟ فهذا ما يقلقنى ، يزعجنى ، يربكنى ، ويذبحنى هماً ، وكمداً ، لأننا كلنا أبناء هم واحد . أبناء خيبات تتسكع فى أوطاننا بنطاعة ، وبلادة ، فلم يبق لنا سوى الجنوح صوب الجنون ، الجنون اللذيذ ، كفعل نمارسه دونما أن يتلصص علينا عملاء أوطاننا الخونة ، الذين قايضوا ملكوت الرب ، بخيمة الذل ، ونفط العار))).في مجموعاته ( رائحة المساء)، و (صخب العتمة) ، (مرايا الرحيل) وفي باقي قصصه المتفرقة التي لم تشملها مجموعة ، عمل جاهدا على تضفير الواقع بالحلم للوصول إلى " الواقع المطلق أو المكتمل " كما أسماه أندريه بريتون.خالف فتحي سعد (فرويد ) الذي تحدث عن (سيناريو الحلم)، الذي يقوم الحالم فيه بإعادة تركيب محتويات الحلم ليخرجها على شكل قصة قريبة الى الواقع، وليس الى الحقيقة الموجودة في اللاوعي . فجاءت قصص فتحي لتفعل العكس تماما ؛ تأخذ الواقع لتجعله قريبا من الحلم وتبقى الحياة كحلم دائم قصير كما قال هو يوما :((هذا أنا ببساطة شديدة ، لا أحمل فى قلبى إلا كل الحب الأبيض للآخرين ، حتى لو ذبحت فى كــربـــلاء ، لأنى أؤمن بأن الحياة تشبه حلماً قصيراً جداً ، ماذا يا صديقى لو عشت هذا الحلم وأنا أقدم للآخرين أطواق الفل ، دونما أن أنتظر ماذا يقدمون لى . أنا أعيش حياتى على المستوى الخاص بشكل جميل ، وحميم ، ومتصالح مع نفسى ، وبالتالى مع الآخرين ، أعيش السلام الداخلى .)حالة المصالحة مع النفس ، وما قابلها من احباطات خارجية ، عززت لديه تلك الحالة من الخيال الدائم ،فلم يعد هناك حاجز بين المعقول واللامعقول، بين النوم واليقظة . وكما كان في نتاجه الأدبي ،كان حديثه العادي مترعا بالرمز .سألته يوما ، ماذا فعلت بالأمس ؟ فأجاب بكل بساطة : صافحت كل الذين أحبهم فى مخيلتى الجامحة إلى عوالم غير روتينية ثم دعوتهم لأحتساء الفودكا عند نهر الكوثر.وكما كانت حياته سلسلة من المعاناة دون أن يشكو ، دون تصريح وبوح ، جاءت قصصه هكذا لا تمنح نفسها بسهولة ، على القارئ دوما أن يستحضر معلوماته وخبراته ليفهم أولا ،ثم ليسأل ماذا أراد المؤلف من هذه القصة ، وعندما لا يجد إجابة ، يسقطها على حياته هو ، وفي النهاية يتحول القارئ إلى قارئ متفاعل ويتوارى المؤلف ، بل يموت المؤلف ليظهر القارئ الذي أراده فتحي سعد والذي أراده من قبل رولان بارت في كتابه (موت المؤلف) The death of the Author. هذا القارئ الذي يعيد كتابة النص في ذهنه وفق خارطته الذهنية الشخصية غير محكوم بسلطة الكاتب الأصلي للعمل الأدبي .الفضاء اللغوي الذي تحرك فيه فتحي سعد كان فضاء تشكيليا تصويريا ، له لون وطعم ورائحة . كان فضاء يضج بالحياة محتفيا بها أشد الإحتفاء راسما الربيع والزهور والفل والياسمين والحدائق ، وفي نفس الوقت وفي نفس الفضاء المكاني يحتفي أيضا بالموت كموجود دائم يبسط جناحيه على الوجود ، مستخدما مفردات تدل عليه مثل الصمت ، شتاء غاضب ، أحلام مشنوقة ، أو كلمة العتمة التي تتكرر كثيرا في قصصه وأحيانا مرات عديدة في قصة واحدة . كانت ليه مقدرة هائلة لخلق جمل وصفية غير معقولة مبهرة في جمعه أضاد معا ، أو في تشكيل صور غير مألوفة .ففي القصة الواحدة تجيء المفردات متناوبة المرور على حدائق الورد الصارخ بعبق الحياة تارة، وتارة أخرى تمر بحواف موت يستشعره .في قصة (قلب صغير مفتون بالفل) نجد مفردات مثل ( تابوت .موت إغفاءة. عتمة) والعديد من المفردات الأخرى التي تحيل إلى الفناء وانحباس الروح ، ثم نجد ما يوازيها من مفردات تحيل إلى الخلود والبهجة والحياة المتجددة مثل ( زهور الياسمين ، قوس قزح ، فراشات ، فروع السيسبان ، اوراق البنفسج ، القطن).وفي "بيوت ثكلى" نجد ( مساء بارد،مكفنا ، كوابيس ،العتمة ،غيوم ، اوجاع ) وفي المقابل (زقزقة العصافير ، ازهار الروح ، ازهار الليمون ، القرنفل ، الياسمين ) . وفي "شهقة" نجد (توابيت، الموتى، جثة الصمت،مساءات،حزينة ) وفي المقابل ( اضاءة ، مصابيح ، ضحكات ، بتلات )ويتكرر نفس التكنيك ، في التجاور اللغوي للأضاد ، ونفس المفردات تقريبا في قصص مثل "ذاكرة الثغاء ثكلى" و "شعاع ضوء في زقاق معتم"، و"رائحة الصمت"و "الصبار ينمو في مرايا الروح" وغيرهم .كان هذه عبور عابر على عالم فتحي سعد ، عبور ألقي فيه تحية الوداع على فتحي سعد الذي رحل عنا فجأة وهو في الأربعينيات من عمره دون أن يعطي أحدا الفرصة لوداعه أو القلق على صحته أو حتى السؤال عن أحواله . رحل سريعا ، عابرا حاجز العتمة إلى براح النور السرمدي .ربما يلتقي إيزيس فتلملمه مرة أخرى وتعيده متوجا ملكا على مملكة الفل والياسمين
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1699

Saturday, January 23, 2010

«الجنوبى» الباحث عن الحقيقة

«الجنوبى» الباحث عن الحقيقة
جاء الأصدقاء والمريدون إلى مكتبة الإسكندرية ليحتفلوا بميلاد أمل دنقل؛ هذا الجنوبى الذى وإن ارتحل فهو لم يمت، فقد عاش فينا بأشعاره، ليولد من جديد مع كل قراءة لأعماله. لم يكن هناك أبدا حفل تأبين ولا مراسم للحزن، بل طقوس احتفالية تضمنت شهادات وذكريات وموسيقى وغناء لبعض قصائده قدمتها أوركسترا مكتبة الإسكندرية؛ تماما نفس الطقوس التى تصاحب الاحتفاء بميلاد أصحاب الكرامات الذين تُشد إليهم الرحال، وتقام لهم الموالد بعد وفاتهم. الجنوبى الذى رحل منذ ما يقرب من ربع قرن بعد حياة قصيرة لم يعرف فيها احتفالا يتجاوز لحظة ميلاد قصيدة تحمل شيفرته المميزة وبصمته.تضمنت الاحتفالية عرضا للفيلم الوثائقى «حديث الغرفة رقم 8» وجاء فيه صوت وصورة الجنوبى وكأنه مازال نزيل الغرفة نفسها فى الطابق التاسع من مستشفى معهد السرطان. وعندما ظهر اسمه المنقوش على لوح من الرخام الأبيض المبلل بدموع أمه، التى ما كان يخشى الموت إلا خوفا عليها، أطل الموت ليذكرنا بأن أمل يرقد الآن تحت الأرض لا على سريره. ولكن وعلى الرغم من كآبة وقتامة أجواء المدافن، فإنه لم يكن مجرد قبر تبكى عليه أم ابنها، فقد أصبح للجنوبى أخيرا عنوان ثابت وبيت للمقام، ولم يعد بحاجة بعد الآن إلى التنقل بين (مقهى ريش)، و(أتيلييه القاهرة)، أو(دار الأدباء). عرف الجنوبى أخيراً معنى الاستقرار فى مكان يملكه ولو كان قبرا يعلوه شاهد يحمل اسمه كإثبات لملكية لن ينازعه أحد عليها مثلما فعلوا بإرثه وهو صغير بعد وفاة أبيه. هذا المرتحل الأبدى الذى تعود أن يمشى متخففا من كل متاع الدنيا، يقاسم أصدقاءه غرفاتهم وطعامهم وكتبهم. ثم يمضى لا يحمل غير قلبه المفعم بالتمرد على زخرف الحياة الزائف، تاركاً أوراقه وكتبه، وربما ملابس لم يحرص على تملكها يوما. ذلك الجنوبى المنتمى إلى الشوارع والأرصفة والطرقات، والذى جاء خبر نعيه فى أخبار اليوم لا إلى أهله وأصدقائه، بل جاء النعى بالخط العريض موجها إلى من كان ينتمى إليهم: « يا شوارع القاهرة مات أمل دنقل» . وبقدر ما كان نعيا من المفترض أنه لميت فإنه كان إثباتا علنيا لنجاح أمل دنقل فى غزوه للقاهرة الذى انتواه عند ارتحاله إليها. فعندما خرج من قنا إلى القاهرة اعتبره خروجا من القمقم، أو كأنه خروج من الظل إلى النور، بحثا عن المعرفة بعد أن ضاق بالقرية لضحالة ما توفره من التحام وتلاقح معرفى . الجنوبى الذى اختار أن يكون هو، لا ما يريده الآخرون أو ما يتوقعه الآخرون منه، هاجر الى المدينة بحثا عن المعرفة، لا يحمل غير شعر وقلب حر يأبى القيد، لا تهمه الرموز والأسماء قدر اهتمامه بمفهوم الحرية. تذكر زوجته الناقدة عبلة الروينى فى كتابها «الجنوبى» كيف أنه قرأ لها قصيدته (خطاب غير تاريخى على قبر صلاح الدين) فردت: لا أستطيع أن أعجب بقصيدة تدين عبد الناصر. فيجيبها: (إننى لا أكره عبد الناصر، ولكن فى تقديرى دائماً أن المناخ الذى يعتقل كاتباً أو مفكراً لا يصح أن أنتمى إليه أو أدافع عنه، إن قضيتى ليست عن عبد الناصر حتى لو أحببته، ولكن قضيتى دائماً هى الحرية).رأى أمل دنقل فى الأشياء العادية، والمواقف المعاشة اليومية، والأحداث الجارية مالم يره غيره، فجاء تعبيره وترجمته لها مغايرا ولافتا لأنظار الكبار من أمثال الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى الذى قال عنه: « (....وكذلك اهتم بالموضوعات التى اهتممت بها، لكنه أبدع فيها إبداعا خاصا، مثلا عندما أقرأ قصائده عن القاهرة أحسده وأتمنى لو كنت كتبت هذه القصائد، وأيضا قصائده عن الإسكندرية وخصوصا عن البحر أحسده عليها وأتمنى لو كتبت هذه القصائد، لأننى أحب البحر ولم أكتب عنه كما كتب أمل).ما زال الجنوبى يتجسد فى كلماته الباقية ما بقى صوت يدعو إلى الحرية والتحرر من كل القيود. فصوته يتردد يقتسم معنا الكعكة الحجرية، يعيد إحياء زرقاء اليمامة والخنساء وعنترة والحجاج وقطر الندى واسبارتكوس وسيزيف والإسكندر وروما وقرطاج على طريقته، يستدعى الماضى يستنسخ منه وعليه حاضرا أعياه بضعفه وتقهقره نحو عصور الجهل والظلام الفكرى . يعقد صلحا مع التراث الذى رأى البعض فيه جاهلية ورأى فيه الجنوبى الأمل فى الانطلاق بالقصيدة نحو المقاومة فى وقت لم تكن هناك أحزاب معارضة ولا أحزاب مستقلة. انطلق ليؤسس حركة مقاومة ينخرط فيها أفراد الشعب البسيط والطلبة الذين رددوا قصائده فى تجمعاتهم ووقفاتهم. الجنوبى الذى حرص على ألا يقع فى العشق الذى قد يربطه بأرض يقف عليها عزيز قد يتألم لفقده، أصبح عاشقا رغم أنفه. ولكن روح المقاومة التى سادت أشعاره ألقت بغيومها على علاقته برفيقة حياته عبلة الروينى التى كتب لها»: لو لم أكن أحبك كثيراً، لما تحمّلتُ حساسيتك لحظةً واحدة. تقولين دائماً عنى ما أدهش كثيراً عند سماعه. أحياناً أنا ماكر. وأحياناً أنا ذكى. رغم أننى لا أحتاج إلى المكر أو الذكاء فى التعامل معك، لأنّ الحبّ وسادة فى غرفة مقفلة أستريح فيها على سجيتى».لم يكن الجنوبى يخشى الموت الذى رآه دوما كحقيقة وحيدة فى الحياة . بل كان الموت فى نظره هو الحرمان من الحركة والتفاعل ، وهذا ما حدث له عندما اشتد عليه المرض وعجز عن تحريك جسده. لم يستسغ أن يمتص الحياة من أنبوب جلوكوز وهو طريح الفراش لا يقدر على الكتابة التى مثلت له الروح والوجود. وعندما عجز عن الكتابة، وأصبح جسده عبئا لا يملك السيطرة عليه، استشعر حتمية الرحيل. فكان خروجه الأخير خروجا هادئا من قمقم الحياة إلى براح الكون الذى ينتظر الباحث عن الحقيقة وأوجهها الغائبة

انتصار عبد المنعم.
مجلة أكتوبر العدد1735

Saturday, January 16, 2010

قلب «جاذبية صدقى» الذهبى


قلب «جاذبية صدقى» الذهبى
كثيرون تعرفوا على اسمها وهم مازالوا صغارا يدرسون «القلب الذهبى»، قصة الفتاة الواسعة العينين «زين» وقطها «نمر»، وكثيرون مازالوا يتذكرون الإهداء الذى صدرت به الرواية القصيرة»إلى ابنتى بهية وجيلها الوثاب الذى يهوى المعرفة وهدفه الواقع لا ترضيه سوى الحقائق يجد ويشقى ويجاهد باحثا عنها أبدا"، تلك كانت جاذبية صدقى، الأديبة والكاتبة الصحفية التى ولدت عام 1920. كتبت جاذبية الرواية والقصة بنفس الألق الذي كتبت به للأطفال رائعتيها «القلب الذهبى»، و«بين الأدغال» . ومن أعمالها الخالدة «مملكة الله»، «الحب»، «بوابة المتولى»، «ليلة بيضاء»، و«لمحات من المسرح العالمى».قامت بترجمة العديد من الأعمال الأدبية العالمية مثل «الشاره القرمزيه» لناتانييل هوثورن. اهتمت جاذبية أيضا بأدب الرحلات، تسجل رحلاتها وتمزجها بانطباعات وحكايا تتوالد مع كل مشهد وعلى كل أرض بتلقائية شديدة وبمشاعر فياضة. ففى كتابها عن رحلتها إلى أسبانيا والتى تضمنت أيضا زيارة سريعة لسويسرا وايطاليا «فى بلاد الدماء الحارة» والتى قامت بها فى الستينيات، جاءت الكلمات معبرة ومشهدية لتضع الواقع متجليا أمام القارئ الذى يجد أن الصورة تتجسد مع كل كلمة تكتبها. وكما رصدت المشاهد، رصدت سلوك البعض الذى لا يوافق البلد الذى يعيش فيه بقولها «فى نظرى خير ما يفعله المغترب أن يعيش ويتصرف في حدود آداب البلد الذى يزوره» .تصف جاذبية كاتدرائية «سان بيترو» ونسمع معها تراتيل القداس ونرى بعينها مشهد المرأة الإيطالية العاشقة تعترف بينما صوت الأرغن يضج بنغماته المدوية العالية. وهكذا لا تفوت الكاتبة مكانا يخلبها بجماله إلا ونسجت عليه قصة لتجعله فضاء حقيقيا لقصة متخيلة فتتجسد القصة كأنها سيرة لأحدهم أو احداهن. تصف «الماتادور» ومصارعة الثيران وما يتعلق بها من طقوس خاصة ، تتحدث عن كل شبر تمر عليه في اسبانيا من اشبيلية إلى غرناطة يأسرها جمال الحاضر وتستعمرها ذكريات الماضى الجميل فى الأندلس.كتبت جاذبية «أهل السيدة» منذ أكثر من خمسة عقود فى يناير من عام 1956، ومازالت «أم العواجز» كما هى تستقبل زوارها ومريديها رغم أن «جاذبية صدقى» نفسها رحلت عام 2001، ولكنها تركت خلفها «أهل السيدة» كنص أدبى يشهد على عالمها الذى كانت تتجول فيه بحرية تمزج فيه الواقعى بالمتخيل بحرفية أصيلة، فلا تلمس أى نتوء يجعلك تشعر بأن هناك أى فاصل بين الحدث الأصلى أو السرد المنسوج عليه. ولا يتبادر إلى ذهنك أبدا أن تتساءل عما إذا كانت تكتب تجربة ذاتية خالصة، أم إنها تمارس المزج بين الإثنين لتخرج علينا بمزيج جديد بديع يحمل سمات الواقع الذي يمثله «شارع السد، والحاجة بطاطة،حارة الناصرية» ومعطيات نص أدبى تضع نفسها فيه موضع الساردة البطلة. فى «أهل السيدة» يتجلى تأثر الكاتبة بالجو «الزينبى»الذى فتنها وفتن كل من جاور المقام ولو لفترة قصيرة ولا أبلغ من «قنديل أم هاشم» الذى عكس أيضا تأثر الكاتب الكبير يحيى حقى بنفس الجو وطقوسه وتأثر حياة الناس به. وعلى العموم وفى أغلب أعمال جاذبية يظهر افتتانها بالحياة البسيطة والبسطاء التي تعبر عن وجه مصر الحقيقى الذى تأسره بسمة على وجه طفل يلعب الحجلة أو عجوز يرفع أكف الضراعة والدعاء. حتى فى أعمالها الأدبية للأطفال «ابن النيل، والقلب الذهبى» تناولت نماذج واقعية لبشر بسطاء شكل النيل محورا مهما فى حياتهم مثلا الفتى حمدان فى «ابن النيل» والفتاة زين فى «القلب الذهبى». وجعلت النيل يلعب دورا حيويا في حياة الأبطال لترسخ قيمة الهوية المتأصلة كما النيل. وكما تقول الدكتورة أميمة جادو عن صورة النيل عند جاذبية صدقي وكما تمثل فى «ابن النيل» استطاعت الكاتبة أن توظف نهر النيل ومفرداته عبر الحكى لترسيخ مجموعة من القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والوجدانية بشكل رائع صراحة أحيانا أو ضمنيا أحيانا".وتقول أيضا عن الرواية «إنها رواية الزمن الجميل إن جاز التعبير، زمن العذوبة والفيض والكرم والسماحة والخصوبة والجمال والحب وكلها مستمدة من نهر النيل". قال عنها الأستاذ أنيس منصور «تألقت الأديبة جاذبية صدقى ـ بنت الباشا ـ طويلا وكثيرا‏..‏ ثم توارت‏..‏ اختفت‏..‏ تلاشت طويلا‏،‏ فكأنها ماتت قبل أن تموت بالأمس‏.‏وجاذبية صدقى تنتمى إلى مدرسة التحليل النفسى ـ إن كانت هناك مدرسة بهذا الاسم،,‏ فإن لم يكن فهى ناظرة المدرسة والتلميذة الوحيدة‏..‏ فكل قصصها القصيرة والطويلة كانت رحلات شقاء وعذاب فى حوارى النفس وسراديب الخصوصية‏..‏ وكانت قاسية عنيفة علي أبطالها مثل قسوة الدنيا عليها‏..‏ فهى تجلدهم حتى يعترفوا‏..‏ وكانوا يعترفون‏..‏ ويقولون أكثر مما طلبت منهم،‏ ولكنها لم ترحم منهم أحدا ولانفسها».كتبت جاذبية عن المشاعر الجميلة والقيم والحياة الرائقة البسيطة يستهويها بائع فجل بسيط، غجرية عاشقة، لوحة فنان، بسمة على شفاه طفلة. كتبت بغزارة وعاشت طويلا تقاوم النسيان والتجاهل والتهميش، ولعلها الآن تطل علينا لتدرك أن هناك من جيل بهية الوثاب من يذكرها، ومازال يجاهد من أجل المعرفة التى تبنى فكرا نيرا، ويبحث عن الحقائق التي تقود إلى المستقبل الذى كانت تأمله لكل جيل بهية. ولربما يتذكرها المهتمون بالشأن الثقافى الحقيقى فيكرمون اسمها بعد أن رحلت تاركة لنا إرثا ثقافيا متنوعا جديرا بالاهتمام والرعاية
انتصار عبد المنعم
مجة أكتوبر 1734

Saturday, January 09, 2010

الكتابة للطفل وعنه

الكتابة للطفل وعنه
لا يدرك الكثيرون قيمة الكتابة الموجهة إلى الطفل، والتى تـُعتبر فى حد ذاتها معجزة كبرى. فالكاتب عليه أن يتلبس عقل الطفل ونفسيته فى المرحلة العمرية المستهدفة، وعليه كذلك أن يحدد الكيفية التى تعينه على تمرير ما يريد من خلال الكتابة بعيدا عن التلقين والحشو وهذا خطأ وهذا صواب. كانت السيدة سوزان مبارك أول من ألقى الضوء على أهمية الكتابة للطفل، وعلى أهمية الاهتمام بعقله وتثقيفه، تماما مثلما نهتم ببدنه وتحصينه ضد الأمراض. وجاءت مسابقة سوزان مبارك السنوية لأدب الطفل لنكتشف من خلالها أن هناك من يجيدون الكتابة للطفل فى مختلف محافظات مصر. ثم تسابقت حتى دور النشر الخاصة لكى تنوع اصداراتها لتشمل كتب الأطفال الزاهية الألوان والجيدة الطباعة أملا فى الحصول على الجائزة هى الأخرى، لأن هذا الفوز صار بمثابة إعلان للشرعية والمصداقية للكاتب والرسام و دار النشر على حد سواء. وكان من المفترض بعدها أن تتكاتف جهود الأفراد والمؤسسات الأهلية والجمعيات المدنية فى نفس المجال من أجل الطفل. ففى كل دول العالم تتجاور الجهود الحكومية مع جهود المؤسسات المدنية، ولكننا للأسف نفتقر إلى ثقافة المشاركة، نتوقع دوما أن الدولة عليها أن تجر وحدها القاطرة فى كل الاتجاهات، نعتمد اعتمادا كليا على أن الحكومة ستفعل كل شئ. وعندما يحدث تقصير فى مجال من المجالات ترتفع الأصوات تنادى وتنتقد وتطالب بالحقوق الضائعة. ولذلك من البديهى أن تأتى المحصلة النهائية منقوصة لا ترضى كل الأطراف لأن عنصر أو مفهوم المشاركة المجتمعية ضائع من ثقافتنا. وفى محاولة لزرع فكرة المشاركة المجتمعية كجزء من مفهوم المواطنة والانتماء جاءت فكرة عقد ورشة لكتاب الطفل ليبحثوا فيها عن الكيفية التى من خلالها يكون لهم دور فى زرع فكرة الانتماء والمواطنة لدى الطفل، وأنه لكى تطالب بحقوقك لابد أن تعرف أن لك واجبات عليك القيام بها أولا، وكل هذا من مبادئ الليبرالية. وهذه الفكرة لابد أن يتم غرسها منذ الصغر فى المنزل، والمدرسة، وأن تتكاتف كل الجهود، ومعها الأقلام التى تكتب للطفل وليس عن الطفل من أجل تقديم كل القيم بسهولة ونعومة بعيدا عن الوعظ الذى يصيب الطفل بالسأم. فمن المعروف أن هناك قيما أساسية تتشارك فيها كل الأديان مثل الصدق والحق والجمال وغيرها، وكان السؤال هو كيف ننزل بهذه المسميات الضخمة إلى مستوى الطفل وكيف يكتسبونها عن اقتناع وحب؟ أدرك الجميع أهمية التحاور من أجل الطفل الذى يجب أن نترك له فرصة التفكير والاختيار والابداع وكل هذا ممارسة فعلية لمفهوم الليبرالية التى يسئ البعض فهمه حتى من الكبار لا من الصغار فقط. وكان من الجميل فعلا أن تأتى مبادرة من خارج العاصمة لفتح باب النقاش فى أدب الطفل وكيف أنه وسيلة لتدريب الطفل من خلال كل أشكال الكتابة على أن يمارس حرية الفكر والاختيار، وأن يتعرف على القيم الأساسية، وأن يشعر أن من أول خطوات الليبرالية أن يشعر بواجباته والتى تصاحبها مجموعة من الحقوق عليه أن يعرفها أيضا. ففى نادى أدب بيت ثقافة سنورس التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة وبالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان، أقيمت وعلى مدار ثلاثة أيام ورشة عمل، اجتمع فيها مجموعة من كتاب الطفل الذين سبق لهم الفوز بجائزة سوزان مبارك، وبالعديد من الجوائز العربية مثل عبده الزراع مدير تحرير مجلة قطر الندى، والدكتور محمد سيد عبد التواب، وأحمد طوسون، أحمد قرنى، أحمد الأبلج، سمر ابراهيم، هدى توفيق، محمد عاشور، عماد عبد الحكيم، خالد سعيد، ناصر محلاوى وبمشاركة الفنان عهدى شاكر. ولكن البديع فى الأمر أن تنخرط مجموعة من الأطفال فى فعاليات الورشة بالتعبير عن آرائهم، وعرض مواهبهم، وفى وضع أفكار بديلة لنهايات نصوص مكتوبة كوسيلة لحثهم على أن تكون لديهم حرية التعبير دون خجل أو خوف، وبتلقائية، وألا يخشوا التجربة، أو المغايرة لرأى المجموع. كان الهدف هو أن يتعلم الطفل أن يتقبل الشىء عن حب واقتناع وهذا من أول الحقوق التى يجب أن يتمتع بها، مع مراعاة حقوق من حوله فى إبداء رأى مخالف لرأيه كما يطالب هو بأن يكون له الحق نفسه. لم تخش أسماء عبد الوهاب من مدرسة دكتور لطفى سليمان أو مى عماد الدين من مدرسة القديس ميخائيل، من أن يعبرا عن رأيهما فى أن تكون لديهما حرية اختيار الملابس، واختيار المواد الدراسية، وأن تكون لهما نفس الحقوق دون تمييز مع الذكور فى نفس مراحلهم العمرية. تماست الورشة مع اشكالية الليبرالية وحقوق الطفل وكيف انعكست فى الكتابات الموجهة للطفل، وهل هناك تمييز سواء فى الجنس أو الدين أو اللون فى انتقاء شخصيات وأحداث السرد الأدبى. وجاءت أعمال كبار كتاب الطفل مثل كامل كيلانى ويعقوب الشارونى وعبد التواب يوسف وفاطمة المعدول ضمن السياق البحثى للورشة كدليل صادق واقعى على أهمية دور أدب الأطفال فى غرس كل القيم، وأن دور كاتب الطفل لا يقل أهمية عن دور الأم والأب فى البيت، والمعلم فى المدرسة، ورجل الدين فى المسجد والكنيسة. وفى نهاية الورشة اتفق الجميع على أن حل الكثير من مشكلاتنا تكمن فى زرع فكرة المواطنة والانتماء فى عقل الطفل من أجل الحفاظ على هويته المستقلة، والتى قد تضيع عندما يجد أمامه هذا العالم المفتوح من خلال التليفزيون والنت ويجد أن كل الخيارات متاحه أمامه فى العالم الافتراضى، ثم يفاجأ أن هناك فرصا قليلة جدا للتعبير عن رأيه سواء فى البيت أوالمدرسة
انتصار عبد المنعم.
مجلة أكتوبر العدد1733

Friday, January 08, 2010

عندما يكون المكان بطلا !! في مجموعة طالب الرفاعي/شمس/"»


تحتفي المجموعة القصصية (شمس) للقاص والروائي الكويتي طالب الرفاعي بالمكان وتجعله بطلا تحوم حوله وعنه حكايا لأبطال يتحركون في حيز مكاني محلي ، ويظهر هذا الحيز كمحاولة للهروب من الواقع المتحول الذي يستنكره الرفاعي ، وأحيانا أخرى كتعبيرعن تلك العلاقة الجدلية بين ما كان وماهو كائن قبل وبعد طفرة ارتفاع أسعار النفط . لجأ الرفاعي إلى تقديم البيئة الكويتية ، وركز على الأماكن التي يستحضر بها الذكريات ، وجعل مسرح الأحداث التي تظهر عليه تلك الذكريات محدودا ، لا يتعدى كثيرا حيز المدينة ، الحي ، الشارع ، المنزل ، الغرفة ، الخيمة ، المكتبة ، جميعها تمثل حدود العالم الحسي الذي تعيشه الشخصية كواقع آني ، ثم يضيف عليه الصبغة المحلية الكويتية ، مثلما فعل نجيب محفوظ في اختياره للأماكن التي تناسب شخصياته التي تفوح منها نكهة الحارة المصرية .ومثلما إهتم طالب الرفاعي بالمكان في رواياته( رائحة البحر، ظل الشمس وسمر كلمات ) وجعل أحداثها تنتقل بين شوارع الكويت وحاراتها ومطاعمها، محتفيا بالبحر بشكل خاص ، نجد أنه في (شمس) جعل من الشويخ ، قصر السلام ، شارع الخليج العربي ، والأبراج الثلاثة التي تقف في مواجهة البحر ، ومطعم ميس الغانم أماكن يستخدمها ليستحضر الذكريات ، ثم ينسج عليها قصصه التي ترصد العلاقات الاجتماعية المتشظية ، وميكنة حياة البشر .أنسنة الأماكن والأشياء سمة يرتكز عليها الرفاعي في اسلوب إسقاطي، ليأتي نقد الواقع من هذا الفضاء المكاني المحيط بالإنسان ذاته ، فيتحول المكان من مجرد مساحة جغرافية ساكنة إلى كائن حي ، بل إلى شخصية محورية تشعر وتتفاعل مع الواقع ومع باقي شخوص القصة . في (ليال) تتحول أبراج الكويت الشهيرة التي صممها المهندسان الدنماركيان سون ليندسورم وميلن بجورن على شكل مرش العطر التراثي الكويتي ،إلى عائلة مكونة من البرج الأصغر كإبن ، والبرج الأكبر كرب الأسرة لأهميته ، بما يحويه من مطعم دوار أو الكرة الكاشفة التي تكشف الكويت لزوارها ، والبرج الأوسط الذي يمثل الأم الحبلى بما يحمله من خزان للمياه في أوسطه والتي تمثل الجانب المحافظ في المجتمع . البرج الاصغر يترك مكانه ليتجول بمفرده يرصد ما طرأ على المجتمع من ظواهر حديثة من استقدام للأيدي العاملة الأسيوية ، وفساد إداري ، وادمان بعض الشباب للمخدرات ، وتغير المنظور القيمي وظهور دور المسنين كحل لعقوق الأبناء، البرج الأصغر تتلبسه مشاعر الحزن فيعود لمكانه محاصرا خلف أسيجة تمنع فراره مرة أخرى . وفي ( الواجهة) يبدو البحر كمكان وصديق ( عجوز حزين ذو رأس شائب وصدر عار ومئزر مبلل يستر نصفه الأسفل) يتحدث مع ناصر الشخصية البشرية ، يشكو البحر ، يعتب على أهل الكويت نسيانهم له وانشغالهم بالنفط والدينار، «هجرني أهل الديرة. أداروا وجوههم عني، خطفهم النفط الأسود، وألهاهم الدينار!» البحر يبكي أيام الصيد ، وعودة الصيادين ، ورائحة الحناء التي تفوح من أجساد النساء المتلهفة لعناق القادمين ، يشكو البحرغابات الخرسانة التي غزت الشاطئ وأخفت وجهه الذي ما عاد باسما كما كان. ويظهر (المحل ) كمكان يلفه صوت مكيف رتيب ، ومانيكان مصقول بملابس عارية ، يفتح آفاقا من الأخيلة الليلية ( مانيكان) ، ويصبح المكان هلاميا لا يفرق بين العالم وواجهة المحل الذي تغادره المانيكان لتتجول بين البشر ، في إشارة ربما لتحول البشر إلى أقنعة ، أو إلى أن الحياة ذاتها تحولت إلى واجهة محل ، تعتمد العلاقات فيها على شاشة وجهاز تحكم عن بعد للتواصل مع الجميع (شاشة) .ويظهر المكان كتميمة يتطهر بها وعندها عثمان الذي تكالبت عليه أمراض الحضارة الحديثة فانهكته جسدا وروحا ، ولم يكن هذا المكان غير البحر رمز التطهر والخلاص ، على شاطئ البحر جاء الاطباء يجرون لعثمان عملية التطهير (علي السيف) ، ويتناهى إلى سمعه هدير الموج مختلطا بصوت البحارة يؤدون (الخطفة) ، والطبيب يستأصل مابدا له من جسد عثمان ، وبالخلفية يتردد صوت المطرب الشعبي عوض دوخي مبتهلا (يالله يا لله يا لله سيدي الكريم ...هولو سيدي) ويقرر (الرفاعي) أن الأحبال الصوتية لا داعي لها مشيرا إلى تقلص مساحة الحرية التي من الممكن أن يتحرك فيها (عثمان) دون أن يصاب بالأذى من أي جهة معنية (لا داعي للكلام هكذا أسلم) ، ويحذف الرفاعي المسافة بين الواقعي والمتخيّل ، فنرى ونسمع تهاويم لا تفرق بين طبيعة المكان الآني ، وما كان عليه سابقا ، ليجعل الواقع متخيّلاً ، والمتخيّل ملموسا في تداخل للزمن والمكان.وتظهر الخيمة كمكان يجمع كل أضاد الحياة ، نقابل فيها الراوي التقليدي للحكايا ، ولكنه في جو من الفانتازيا يستخدم كل معطيات الحضارة من ستالايت وهواتف محمولة ، تحيلنا إلى المنظومة المستحدثة التي إقترن فيها رأس المال بوسائل الإعلام.وربما يكون المكان غرفة ( ليلة باردة) (ليلة أخرى) ، ولكن تلك المساحة المكانية المحدودة حوت بين جنباتها صور لأحداث تفوق هذا الحيز ، مثلما كان في غرفة (فنجان شاي) لنجيب محفوظ ، حيث رأى الرجل القابع على السرير كل أحداث الدنيا تدور في غرفته أمام عينيه. اهتم الرفاعي أيضا بالغربة المكانية وغربة الآخر (تحت الشمس) ، غربة تلفح عمر أبو اسماعيل ليتضور كدا وألما من مغترب مثله ، يتصيد فرصة لطرده من العمل ، ولا يجد أبو اسماعيل غير الموت كمكان افتراضي يتخلص فيه من من حصار رئيسه في العمل .وغربة زياد التي يمتطي فيها ساقية العمل التي لا تترك له فرصة ليجتمع بزوجته (ليلة أخرى) ، وتمضي الليلة تلو الاخرى ، وزياد مابين حاجته لأحضان هناء في نهاية يوم من أيام صراعه مع الحياة ، واستيقاظه في اليوم التالي على صوت المنبه دون أن يتحابا ، ليأخذ دوره مجددا في الحياة التي لا تكف عن دورانها ليوفر احتياجات أسرته التي تغرب من أجل تأمينها .وقد يكون المكان مجرد لوحة فنية تسكنها سمكة سوداء تمل حياة الرتابة فتغادرها ، ترفض الحياة الميكانيكية التي غرق فيها الإنسان الذي نسي بشريته ، ليعتبر يوم عطلته يوم عذاب لا يوم راحة واسترخاء (سمكة سوداء) ، وانحصرت المتعة فيها في سيجارة وعري كامل يمارسه بين جدران شقته كنوع من التغيير والحرية .إصرار الرفاعي على أن يكون البطل هو المكان المتمثل في الكويت ببحرها وحاراتها وشوارعها ، يعطينا انطباعا بأنه يؤسس لنفسه مكانا بجوار ماركيز ، ومحفوظ ، وعبدالرحمن منيف ، وديكنز ، وأمين صالح ، في تركيزهم على محلية الفضاء المكاني الذي تتجول فيه شخوصهم الروائية والقصصية ، وحرصهم على تأصيل بيئتهم المحلية لتكون انطلاقة نحو العالمية ، ولذلك كان من الطبيعي أن نعيش محلية الفضاء المكاني الذي يتحرك فيه طالب الرفاعي ونتنفس معه رائحة البحر
انتصار عبد المنعم
مجـلة نـــزوى العمــــانيـــة العـــدد59