Sunday, July 25, 2010

إله السماء وأرباب الأرض


أخطأ الأدباء والمثقفون عندما ظنوا أن تهما مثل الهرطقة والسحر والشعوذة توارت بانتهاء العصور الوسطى وتقلص السلطة الكنسية وصكوك غفرانها التى كانت تمنحها لمن يقدر على دفع المقابل نظير شبر من الملكوت السماوى الذى بات حكرا على فئة بعينها حسبت نفسها سدنة إله السماء فأدخلت فى روع البسطاء أن الطريق إليه-سبحانه- لا يمر إلا من بين أيديهم وحدهم .
لم يكن أحد يتخيل أن الذى تغير هو مجرد التسميات والكلمات فقط ليحل محلها كلمة التكفير . الصغير والكبير ظن نفسه ربا واستباح لنفسه تفسير الكتب والمطبوعات والروايات، بل والأحاديث الجانبية والمناقشات الشفاهية، وفقا لفهمه وذائقته ومرجعيته الفكرية والمذهبية. وليست «أولاد حارتنا» لأديب نوبل الكبير نجيب محفوظ إلا مثالا واحدا تبعته وسبقته امثلة أخرى انتهت بالمحاكمة المضحكة للتراث متمثلا فى «ألف ليلة وليلة» التى هاجمها أصحاب الفضيلة والعفة مستندين إلى ملفات شرطة الآداب فى مملكة شهريار ليثبتوا أن شهرزاد كانت امرأة قليلة الأدب سيئة السمعة، وأنها ربما كانت عميلة فى يد الأعداء الذين لا هم لهم إلا افساد شبابنا الأفاضل وفتياتنا ربات الصون والعفاف.
فى الحقيقة لم تكن حادثة محاكمة «ألف ليلة وليلة «وليدة اليوم أو هذا العصر، بل هو نهج متوارث تشهد عليه وقائع التاريخ التى تضمنت أحكاما لاهوتية أصدرها بعض البشر ممن ظنوا أنهم يحق لهم الحكم على غيرهم من البشر، وكذلك على الكتب التراثية والروايات ومختلف الأعمال الأدبية، بل إن بعضهم بلغ به الشطط أن طالب بتحريم بعض الخضروات على النساء لأن شكلها قد يوحى بأفكار إيروسية خطيرة!

ولم تكن قلة الدين هى التهمة القاتلة الوحيدة، بل كانت زيادة معدل التدين تهمة أيضا!! فإذا كانت تهمة الفيلسوفة السكندرية هيباتيا قلة الدين وأنها وثنية ، فقد كانت تهمة جان دارك الفرنسية زيادة التدين عن المعدل المسموح به فى عرف رجال الغفران. فهيباتيا الفيلسوفة عالمة الرياضيات والمنطق والفلسفة والفلك، ابنة الفيلسوف ثيون، دفعت حياتها نتيجة تميزها الفكرى الذى انجلت له الحقائق فلم تجد أى تعارض بين المعرفة والدين أو بين الفلسفة والدين فكلاهما فى نظرها نوع من التنوير أو الكشف المعرفى: «لله معرفة ونور، وهو إذا كان قد أودع نوره فى قلوب الرسل والأنبياء، فذلك ليقتبس الإنسان النور منهم، ويدرك أن فى وسعه بهذا النور أن يفكر بعقله المستقل، ويتصل بنور الله نفسه. فالفلسفة لا تعترض الدين إذ أن الدين عاطفة وضمير، والفلسفة بحث فى أصل هذه العاطفة وهذا الضمير.. وهذا إعلاء لشأن الإنسان، وتمكينا له من فهم سر وجوده، ومعالجة شئون دنياه، والجميع بين ضميره الدينى وعقله البشرى فى وحدة داعية ورائعة ترمز إلى الوحدة الكاملة الكبيرة التى هى الله».

كانت هيباتيا تتكلم بمنطق يجذب المستمعين، فخشى سدنة المجد السماوى منازعتها لهم الملكوت الأرضى الذى لا يتضمن العدل أو الحرية اللذين كانا مقياس هيباتيا فى الحكم على الدين. تجرأت الفيلسوفة المرأة على الحديث عن الدين فوجدت من يتهمها بالتهمة التى لا نجاة منها؛ الكفر والزندقة والتجديف لأنها تدخلت فى الدين وهى الوثنية التى تتحدث بلسان فلاسفة اليونان..والتنفيذ فورى وبأيدى الغوغاء الذين يفكرون بآذانهم ، يسحلون أعلم من فى عصرها، يمزقونها ، يحرقونها باسم الدين . وتظل التهمة يتوارثها رجال الحسبة ويأتى اليوم من يناشد البابا بنديكتوس أن يخولهم فعل نفس الشئ بيوسف زيدان لأنه كتب كتابا بفعل العقل والمعرفة .

وإذا كانت تهمة هيباتيا وثنيتها ، فتهمة جان دارك على العكس تماما، فتلك الفتاة الصغيرة قادها إيمانها إلى أن تقود جيشا من اثنى عشر ألف جندى باتجاه أورلينز وهى فى الثالثة عشرة من عمرها، بل وتجرأت لتكتب رسالة إلى ملك بريطانيا تهدده: « أرسلنى المتعالى ملك السماوات والأرض لطردك من أراضى فرنسا، التى انتهكتَ سيادتها وعثتَ فيها فساداً... لو أطعتني؛ فسأرحم رجالك وأسمح لهم بالذهاب إلى ديارهم، وستذهب المملكة إلى الملك تشارلز، الأحق بالإرث... وإلا سنشعلها حرباً ضروساً لم ترَ فرنسا مثلها منذ ألف عام». وكان لها ما أرادت وحررت أورلينز. ولم تكتف بذلك، بل واصلت الزحف فى اتجاه باريس، ولكنها سقطت ضحية الخيانة وتم تسليمها إلى الانجليز الذين أدركوا أن أى تهمة أرضية لجان دارك لن تفلح فى التخلص من محبة الناس الذين انساقوا وراء إيمانها العميق بأن لها رسالة على الأرض لابد أن تنجزها.

ولذلك كانت تهمة السحر، وهى التهمة المساوية للكفر، كوسيلة لن تنجو منها الفتاة ، فالتهمة تتضمن طردا من ملكوتهم الأرضى والملكوت السماوى الذى بات مرتهنا بكلمة من مخلوق بشرى سمح لنفسه أن يقنن معايير الإيمان ومقداره وأن ينازع إله السماء فى الحكم على خلقه . وقـُدمت جان إلى محكمة كنسية ، واعتُبرت بموجب قرار المحكمة ملحدة ومرتدة ، والحكم هو الموت حرقا. وأحرقت عذراء أورلينز حية . واستمتع المشاهدون برؤيتها تتعذب مثلما فعلوا بهيباتيا حين تلذذوا بنهشها باسم الدين أيضا. إن اختلف النهاشون فالموضوع مشترك ؛ بشر ينازعون الله الحكم على مخلوقاته وكأنه –سبحانه – لا يملك أن ينتقم من الملحد والمشرك ، أو أنه فوضهم ونصبهم أربابا فى ملكوته ليحكموا بغلظة قلوبهم الطينية المنشأ التى احتفظت بسواد الطين لا نور فيض الخالق على العالم. وتمر السنون وتتحول جان دارك إلى قديسة وتؤلف عنها الكتب وتنسج عنها المعجزات الخارقة .

ولكن ما جدوى أن تتحول إلى قديسة بحكم محكمة قد أصدرت حكم إحراقها من قبل إن لم نؤمن بأن هناك إله سماوى بيده وحده الحكم على الجميع، وبيده وحده حسابهم فى الوقت الذى يريده هو؟

وما جدوى أن تتناولها الأقلام، والأفلام والتى يقال إنها تعدت المائة فيلم إن لم ندرك مغزى الواقعة نفسها فى خطورة أن يتولى البشر مسئولية الآلهة على الأرض؟
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1761

Friday, July 16, 2010

«تتمة وجع» مجموعة قصصية



محمد الفخراني ؛ فنان تشكيلي جاب الوطن العربي يحمل حلم القومية والوطن الأكبر بين جنبيه ليجسده في لوحات ومنحوتات متناثرة ما بين ينبع البحر، وقرة بوللي (ليبيا) ، فاس، تونس، ومصر . أقام المعرض تلو الآخر فإذا اكتمل الحلم ووصل إلى التتمة تحول عن مرسمه المكتظ بالألوان والتماثيل ليمسك بالقلم يرسم به مشكلا لوحات من أحرف لا تقل ابداعا وتجسيدا لتلك المشاعر والخلجات التي خبرها طيلة عقود مارس فيها النحت والتصوير قبل أن يتجه إلى سحر الكلمة التي أدرك أنها كانت البدء في رحلة الخلق والتكوين .
أصدر الفخراني رواية «نشيد الحرمان» ومجموعة قصصية «لمع السراب» ، و رواية «بساط من قلوب وجباه « التي حصد بها لقب أفضل رواية وتم نشرها في مكتبة الأسرة بعد ذلك . مؤخرا أصدر مجموعة قصصية جديدة بعنوان «تتمة وجع» . وكما يبدو من اسم المجموعة الذي يشي بجوها العام فهي تتأرجح ما بين الحياة والموت والرحلة الممتدة بينهما المفعمة بالشجن الناتج عن الفقد الذي يتساوى فيه فقد الأشخاص مع فقد التواصل والتعايش مع الواقع الذي يتنسم الفنان هزائمه أكثر من غيره .
ولعل احساس الفقد جاء بهذا القدر من الشجن الصادق لأن الفنان محمد الفخراني ينتمي إلى جيل عايش زمن الحروب العربية وصعود الرموز وتواريها ، وعاين عن قرب الانكسارات والهزائم و المد القومي الوحدوي وانحساره بعد ذلك . ولذلك جاء كل هذا كخلفية عامة تغلف قصص المجموعة التي تعكس وجوها متعددة لحالات الشجن والحزن والوحدة . تتحدث «تتمة وجع» عن الفرد المأزوم الحالمٍ الذي يجد صعوبة في التواصل مع واقعه فيلجأ إلى الإنفصال عنه كحيلة هروبية وقتية قد تريحه عناء تهافت الأسئلة المدوية في ذهنه .
ولرسم حالة الإنفصال عن الواقع لجأ الفخراني إلى «الرحيل « والحنين إلى الماضي» ليصبغ بهما سلوك شخوصه في تعاطيهم مع الحياة . فالرحيل يحمل المعنى الزمني مثلما يحمل الدلالة المكانية . والحنين ماهو إلا ارتحال عاطفي شعوري أو لا شعوري ، وانتقال من لحظة آنية إلى عوالم ولحظات بعينها نتيجة عدم القدرة على التواصل أو التكيف مع الحاضر الراهن . و الرحيل بمعناه المكاني البديهي يعبر عن مفارقة المكان واستبداله بآخر سواء جاء ذلك طوعا بحثا عن عمل أو قسرا : «أجوب الدنيا من أجل لقمة عصية، ومن أجل أن أتحرر من كبت طال، ووحشة عمر أقطعه من غير تبرم.....» وإلى غير ذلك من الصور والكلمات التي عبر بها الكاتب عن الحركة والانتقال والديناميكية ، بل إنه لجأ إلى أنسنة الجمادات لمواجهة فقدان آدمية البشر وخلع عليها الصفات التي تعكس حالة الحزن أو الفرح وما يعتلج في نفوس شخوصه العديدة .
وقد يكون الرحيل أو الارتحال بمعناه الزماني الموصول بالحنين الذي يشي برغبة الانفصال عن الواقع الحاضر المستعصي فلا يكون هناك من حل إلا العودة إلى زمن معين ؛ غالبا ما يكون زمن الطفولة حيث البراءة ومنابت الأمل ، ويكون المكان الأثير والملاذ الأخير في صدر أمه «صابرة» التي تحولت إلى رمز دائم الحضور في أعماله يجسد بها الوطن وأرضه البكر التي لا تتبدل مثلما تبدلت الشعارات والزعامات ، ويظل صدرها ملاذا أبديا بعيدا عن ترسيم الحدود وتقنين المشاعر بمسميات المنع والحظر .
ويتكرر ظهور واختفاء «صابرة» كأم وكأنها تحولت إلى رمز للتوحد مع المطلق أو للحقيقة التي يصل إليها المبدع وحده لأنه القادر على استنطاق المجهول :» المجهول واللامرئ هو مايراه المبدع بمفرده» كما قالت ناتالي ساروت . وهكذا تأتي «ارتحال إلى صابرة» متماوجة بين ضمير الغائب والمتكلم والمخاطب، مفعمة بالشجن تعطي دلالة الفقد وفي نفس الوقت تجسد العشق والتوحد الذي جعلها رمزا للحياة ذاتها .
ومن اللافت في قصص «تتمة وجع» تجاور الحياة الموت؛ بل إننا نلاحظ احتفاء الكاتب بالموت وكأنه يعتبره شكلا من اشكال الرحيل بصورة معادلة للسفر لبلد آخر مثلا أو كأنه الحقيقة التي لا تقبل الشك» ..لابد أنه أدرك منطق الموت الذي يسكننا ونسكنه ، ويلازمنا ملازمة الظل ونلازمه»
لجأ الفخراني إلى تقنية الاستباق والاسترجاع أو الفلاش باك في معظم القصص مما أضفى حيوية على لغة السرد التي جاءت مشحونة بالعاطفة ، ففي «ذاكرة النخيل» يبدأ السرد من نقطة سابقة للبداية ثم يعود ساردا ومعطيا تفاصيل ماقبل الوصول لتلك النقطة .
وفي «دموع على جدران القلب» يجعل البطل يستخدم الفلاش باك ليتجاوز لحظة موت الأم ولو للحظات بتذكر لحظات له معها ، وهكذا في «دوائر القهر» يرتحل البطل إلى الماضي مسترجعا حماية أبيه الراحل وحضن أمه الدافئ دوما ، وفي «تتمة وجع» يستبق الكاتب الروائي مشهد تكريمه مرتحلا عن لحظة شعوره بالعجز أمام آلام ابنه المريض وهو لا يملك التكاليف اللازمة لإجراء عملية جراحية تنقذ حياته .
و تمضي قصص «تتمة وجع» يتجلى فيها تقنية الفلاش باك لاسترجاع لحظات ماضية ترمم بها أحزان الحاضر ، أو لاستعادة حلم المجد القومي . أما في «البرهان» فقد جاءت تيمة الارتحال ، والانفصال بصورة لا منطقية حيث كان ارتحالا أو فقدانا للعقل . فالشيخ فرهود يمثل عبثية الواقع الذي قد يكون فقدان العقل فيه هو المهرب الوحيد فيفقد الصلة المنطقية بين الانسان ومجتمعه، ففي الوقت الذي يتمتع فيه فرهود بقوته الجسدية وفحولة رجل كامل وهو الفاقد للعقل ، يأتي شيخ الخفر عاجزا عما يستطيعه هذا المجنون الذي أوشك أن يغوي»رضوى» التي لا تجد سوى الأحلام والأخيلة لتجرب مشاعر أمومه بعيدة التحقق . حتى هذا الطفل الذي لم يولد بعد في « ميلاد» يسترجع أبا مفقودا ويستشرف أما على وشك أن يفقدها حينما يولد . وهكذا في «تتمة وجع» يثبت محمد الفخراني أن القلم ماهو إلا امتداد طبيعي لفرشاته وألوانه وأن ما يكتبه ماهو إلا لوحات تحمل كل مقومات الفن والجمال.
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد 1760

Saturday, July 10, 2010

ساراماجو وشجرة الزيتون



ساراماجو وشجرة الزيتون

مابين القلم والحياة اليومية والمواقف الثابتة مسافة تتسع وتضيق بقدر قد يتوج الكاتب فيجعله نبيا، أو يهوى به إلى صفوف المنافقين الذين يكتبون بلا معرفة ويعيشون ويموتون وهم فى نفس الحيز الضيق لا يتجاوزون شئونهم الصغيرة التى يشاركهم فيها حتى الحيوانات الضالة التى لا هم لها إلا التنافس على ما يحفظ لهم الحياة والنوع . ولكن إن استطعت أن تحتفظ بهذا الطفل داخلك ، وإن نجحت فى أن تتنفس ما تكتب، وتكتب ما تحياه ، وتموت فتكتب موتك زيتونا وفكرا لا يقبل المساومة، أنت إذن ساراماجو!!.
عندما مات جده جيرونيمو، نعاه إلى زيتونة: «ذهب إلى حديقة بيته، هناك بضع الأشجار، أشجار تين وزيتون، ذهب إليها واحدة واحدة واحتضن الأشجار ليقول لها وداعا، لأنه كان يعرف أنه لن يعود، إن رأيت شيئا كهذا وإن عشته ولمْ يترك فيك ندبا إلى آخر العمر، فإنك رجل بلا إحساس».
وعندما مات جوزيه ساراماجو كان قد أوصى بجزء من رماده إلى زيتونة أيضا حيث تضمنت مراسم الجنازة إحراق جثتة فى مقابر لشبونة على أن يمنح نصف الرماد الناتج الى قرية «أزينهاجا» التى عاش فيها طفلا، والنصف الآخر يرش عند جذر شجرة زيتون فى حديقة منزله فى لانزروت التى كانت منفاه طيلة الـ 17 عاما الأخيرة من حياته.
ولد وجوزيه ساراماجو، فى 16 نوفمبر 1922 بمنطقة أريناغا بوسط البرتغال لعائلة من فقراء المزارعين، مارس حرفة الحدادة والميكانيكا فى الصغر، وعمل بالترجمة والنشر، وبدأ حياته كشاعر فأصدر ديوانين شعريين بعنوان «قصائد ممكنة»، و»ربما فرح» ثم اتجه للرواية وكانت البداية بروايته «أرض الخطيئة» والتى نشرها عام 1947، وفى عام 1982 قدم روايته «مذكرة الدير» التى كانت أولى خطواته فى طريق الشهرة ، وكتب أيضا العمى، عام وفاة ريكاردوريس، قصة حصار لشبونة، كل الأسماء، الرجل المنسوخ، انقطاعات الموت ، الطوف الحجرى ، و رحلة الفيلة».
عاش ساراماجو ومات بعقلية الطفل المشاكس الذى يتوق للتمرد والتجريب كارها للظلم رافعا صوته ومشهرا قلمه مناصرا للمقهورين فى كل مكان ، وجاهد ليحتفظ بهذا الطفل داخله : « دائماً حملت فى داخلى الطفل الذى كنت والآن لا يزال لذلك الطفل الأهمية نفسها التى كانت له عندما وجد نفسه وحيداً وسط الريف ناظراً إلى الأشياء ومستكشفاً العالم من حوله « . هذا الطفل هو نفسه الذى جعله دوما ساراماجو الذى عرفناه مشاكسا لا يخاف الكبار فيصف فى كتابه «الدفتر» الرئيس السابق «بوش» براعى البقر الذى ورث العالم وظن مخطئا أنه قطيع من الماشية ، ويتهكم على رئيس الوزراء الإيطالى سيلفيو برلسكونى غير مصدق أنه خرج من نفس البلد التى خرج منها الموسيقار فيردى‏‏.‏ وأكثر من هذا نجده فى «الدفتر» الذى اشتمل على مقالاته وتدويناته التى نشرها على مدونته منفعلا ومتفاعلا مع الأحداث الجارية على مدار عام‏ (‏ منذ ديسمبر‏2008‏ وحتى أغسطس‏2009)‏. بلا تردد لبى دعوة الشاعر الكبير الراحل محمود درويش لزيارة الضفة الغربية وقطاع غزة عام‏2002‏ ضمن وفد اتحاد الكتاب العالمى،‏ ويكتب بعدها رأيه الشجاع الداعم للحق العربى فى التواجد على أرضه ومهاجما كل الاعتداءات اللا إنسانية. ويكتب أيضا مهاجما العدوان على جنوب لبنان في‏2006 ، و قصف غزة في‏2009.
ويتمرد على الأفكار المتوارثة فيكتب مثلا ليبرئ قابيل من قتل أخيه هابيل فى راويته «قابيل»، ويكتب رواية»الإنجيل بحسب يسوع المسيح» مشاغبا ومتحديا للفكر اللاهوتى واضعا بصماته الأدبية والفكرية فيها والتى لاقت هجوما شديدا من الكنيسة الكاثوليكية البرتغالية والفاتيكان فيرحل إلى أسبانيا ويعيش مع زوجته الأسبانية «بيلا ديل ريو» حتى آخر أيامه فى جزيرة «لانزارتو» بجزر الكانارى ويخلق عالما من صنعه بعيدا عن آلهة المنع والمصادرة لأفكاره ومواقفه الصلدة المغايرة لموقف الباقين الخائفين الذين يكتفون بالمراقبة عن بعد . بل يتمرد على الحدود الجغرافية وطبقية التصنيف والمصير الحتمى والأقدار التى نعتقد أننا لا نستطيع تغييرها أو التحكم فيها فيلجأ إلى مزج العبثية والفانتازيا بالواقعية، فيفصل شبه الجزيرة الإيبيرية عن أوروبا ويجعلها تسبح عائمة فى المحيط الأطلسى فى «الطوف الحجرى»، التى نشرت عام 1986، وفى روايتيه «العمى» و«البصيرة» يصاب بلد بأكمله بالعمى، وعبث بفكرة الموت فى «انقطاعات الموت» مفترضا غياب الموت عن مدينة ما، وكيف يكتشف أهلها أهمية الموت فى حياتهم.
عاش ساراماجو ينشد السلام ويطالب به للجميع ولذلك لم يكن غريبا أن يوصى بأن يتوحد مع شجرة زيتون وأن يصبح وقودها يضيىء زيتها . ساراماجو شجرة الزيتون ، أو هذا الرماد وإن مات فقد تحول وأصبح جزءا من الكون السرمدى تستطيع أن تستنشقه وتتنسمه فتخلد معه
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1759 .

Tuesday, July 06, 2010

أنين الجواري

د.سميحة إدريس وأنين الجوارى
إذا كان بلزاك قال: «يعتقد الرجل أنه بلغ غايته إذا استسلمت المرأة له، وتعتقد المرأة أنها لا تبلغ غايتها إلا إذا شعرت أن الرجل قد قدر ما قدمته له» فقد عبرت عن ذلك سميحة إدريس بوضوح عندما استنطقت نساءها المعذبات فى كتابيها « أنين الجوارى وعشقت القمر» ليكشفن أنه وعلى الرغم من الخطوات الحثيثة لتمكين المرأة والتى قد توحى ظاهريا بأن المرأة قد نالت بالفعل كل حقوقها، إلا أن هناك الكثير من المشكلات القابعة تحت هذا المظهر الجميل توشك أن تنفجر، مشكلات حياتية نتجت عن عصور من التفرقة والتمييز، اهتمت بها الكاتبة التى اختلط عندها العمل الصحفى بالحس الأدبى الذى يظهر فى مجموعة المقالات أو المشكلات فى كتاب «أنين الجوارى» أو الأعمال القصصية فى مجموعة «عشقت القمر».
نجد فى «أنين الجوارى»مجموعة من المشكلات تصف ما تعانيه المرأة من شريك الحياة الذى لا يفهم طبيعتها الأنثوية التواقة دوما إلى الحنان والاحترام والتقدير والاحتواء. يحتوى الكتاب على أكثر من عشرين مشكلة تحوم حول الحرمان العاطفى، والبخل فى الإنفاق وفى إظهار المشاعر والتعبير عنها والتى قد يعتبرها الرجل الشرقى بموروثاته الذكورية البائدة انقاصا لهيبته وهيمنته المفترضة والقائمة على سياسة الصوت العالى والعضلات. تتحدث أيضا عن الفتيات اللواتى يلجأن إلى «ظل الرجل» كى يتخلصن من «ظل الحائط» خوفا من شبح العنوسة الذى يهدد الفتيات بعددهن المتزايد .أيضا تسوق الكاتبة نماذجا من الخرس الزوجى وانعدام التواصل بين الأزواج .
وهناك نماذج أخرى واجهت عذابات الفصام بين ما يظهره الرجال من تفتح فى علاقاتهم خارج المنزل، بينما هم داخله يقومون بدور السجان الذى لا هم له إلا وأد صوت شريكته التى ينظر إليها على أنها وسيلة لتفريخ الأولاد فقط، بعد أن قام والدها باستثمارها كأى صفقة يعطيها لمن يدفع أكثر أو لأقرب شخص يخلصه منها ومن مصاريفها: « متى يصل بنا الزمن إلى اعتبار أن المرأة إنسان؟ إنسان له الحق فى الحياة الكريمة ..إنسان له الحق كل الحق فى الاختيار إنسان له عقل وفكر وعلم».
فى كل مشكلات «أنين الجوارى» يعلو صوت المرأة تعرض شكواها من جانب واحد فقط، ومن وجهة نظرها الأنثوية التقليدية الحالمة دوما بالعش الهادئ والغزل على أضواء الشموع، تلقى بالتهمة على الرجل الذى لا يفهمها ويقف فى طريقها ، مع أنها قد تكون الملومة فى بعض المشكلات التى تعترف فيها بأنها تزوجت فقط لتهرب من الفقر أو خوفا من لقب عانس، أو عن اندفاع عاطفى وعلى غير رغبة الأهل والعارفين بشئون الحياة. ولذلك رغم أننا نتعاطف مع أكثر الحالات إلا أننا لا نجد مبررا أحيانا لتبدل الحال من السعادة الغامرة إلى النقيض تماما من تعاسة وعذاب لا ينتهيان . جاءت كل المشكلات بلا حلول، فهى مجموعة من الأنات أو باقة من التباريح ممن ارتضين أن يتبوأن مكانهن فى صفوف الجوارى عندما تنازلن عن حقوقهن البسيطة الواحدة تلو الأخرى حتى تم سلبهن تماما.
وهكذا تمضى د.سميحة إدريس على هذا النهج المهاجم للرجل على طول الخط وعرضه، وهذا غير منطقى فالمتجبر لم يكن ليتجبر لولا أن وجد من يخضع له، ومن يذعن له، ولذلك إن كان الرجل ملوما مرة فالمرأة ملومة مائة مرة . ومن غير المنطقى أن كل النساء مثقفات جميلات من عائلات محترمة عاشقات ومخلصات ولديهن طموح ومستقبل واعد بينما الرجل هو ذاك الأصلع البارد «بكرشه الكبير، ونظارته الكعب كباية» العدو المتحجر القلب الحاقد الحاسد الذى يغار من تفوق زوجته والذى يسعى دوما إلى هدمها كما تم تصويره فى «أنين الجوارى». فى «محاباة الرجال ..للرجال» تتحدث الكاتبة عن مشكلة عايشتها بصفة شخصية وعانت من كونها أنثى فى مجتمع ذكورى لا يعترف بالمرأة ككيان كامل مستقل، ومن كونها باحثة دكتوراه لها بحث مميز استكثره عليها الأكاديميون من الرجال فحاولوا حرمانها من مجهودها ونسبه إلى آخر صديق أكاديمى لولا أن الأستاذة «نوال عمر» وقفت بجانبها وحصلت سميحة إدريس على درجة الدكتوراة ببحثها قبل أن يتقدم به السارق .
وفى النهاية ومن خلال عرضها لمشاكل حواء تحاول الكاتبة افهام الرجل أنها ليست بمعركة ، وليست حربا فهى تتوق إلى حنانه واحترامه، تشتاق إلى كتفه . فالمرأة إن أثبتت وجودها فى مجال العمل أو الدراسة ، لا يعنى ذلك أبدا أنها ليست بحاجة إلى اثبات وجودها الطبيعى والأثير بين ذراعى رجل بعينه تحبه ويحبها ، وكما قال بيرون « الحب جزء من وجود الرجل، ولكنه وجود المرأة بأكمله
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد 1758
.

Sunday, June 27, 2010

يوميات شاب مهزوم


عندما تحولت بعض المدونات على شبكة الإنترنت إلى كتب ورقية، هاجمها البعض وامتدحها البعض الآخر. تركز الهجوم على اعتمادها اللغة العامية فى التدوين وما يستلزمه من عدم التقيد بالقواعد اللغوية والنحوية والتركيزعلى المفردات المستحدثة والمنحوتة التى تميز اللغة العفوية التى تقوم عليها تدوينات الشباب فى مدوناتهم الإلكترونية. وجاء المديح بالطبع من جهة الشباب المتحمسين لأصدقائهم مبررين أنهم يكتبون ما يشعرون وما يعانون دون أن يشغلهم هم التنميق اللغوى. ومن بين المدونات والتدوينات التى صدرت مؤخرا فى طبعة ورقية «يوميات شاب مهزوم» للشاب سيد عادل. جاء العنوان مراوغا فلا توجد روح للانهزامية فى الكتاب على الاطلاق ولا أثر لليأس الذى يستوجبه الشعور بالهزيمة. فكما هو معلوم تاريخيا أن المنتصر يفرض شروطه على المهزوم ويمحو ذكره تماما ليسجل انتصاراته هو، ولكن مع «يوميات شاب مهزوم» وعلى عكس طبائع المهزوم الذى لا يسجل هزائمه، سجل «سيد عادل» يومياته لتكون نصرا له على احباطات الحياة وضغوطاتها المستمرة. كتب عن فكرة الكتابة نفسها وكيف لجأ إليها كمحاولة للانطلاق وكسر حاجز الصمت، فجاء فعل الكتابة مبارزة شجاعة لكل الهزائم المفترضة. وإن كان الكاتب اعترف فى المقدمة بأنه ليس موهوبا وليس أديبا، فقد كان هذا الاعتراف مراوغا هو الآخر، فقد ظهر من أسلوب كتابته وتناوله للموضوعات المستهدفة وبالمقارنة بمثيلاتها من الكتابات الحديثة التى تندرج تحت مسمى الكتابة الساخرة، ظهر جادا فى لغته الملتزمة التى لا تعتمد على توثيق المحكى من المفردات، بل تستعين بها وتوظفها بمهارة تنم عن موهبة تكمن فى البعد عن فجاجة البوح أو التصوير المباشر وكأنه أراد أن يقوم بعملية «كى وعى القارئ» بإيهامه بأنه مثله يتعرض للهزائم مما يمهد طريقا طبيعيا للتلقى والتفاعل بين قرائه الذين يماثلونه فى العمر والضغوطات. ضم الكتاب مجموعة من المقالات تحمل صبغة السخرية وبلغة متوازنة تجمع بين العامية والفصحى، بل من الممكن أن نطلق عليها أنها «عامية فصحى» حيث إن الكاتب لم ينزلق تماما إلى اللغة العامية، وفى نفس الوقت لم يكتبها بالعربية الفصحى الخالصة. وبتتبع موضوعات المقالات، سنجد روح السخرية البناءة الناقدة لبعض المظاهر الحياتية والسلوكية التى يراها كشاب له رؤية وله حق التعبير عنها، لا يفرضها فرضا على القارئ، فهو كغيره من الشباب الذين يتمسكون بحقهم فى الاعتراض حين يواجهون الزيف والخداع الذى تحمله بعض اعلانات الوظائف والمسابقات والخطوط المجانية التى تبيع وهم الكسب السريع للشباب. ومن خلال مقالات الكتاب نجد ملمحا ذا نزعة أخلاقية ناقدة لما يراه فى غرف الشات وملابس الفتيات»فوائد البنطلون الضيق» وبعض الأفلام المعروضة التى لا تراعى خصائص مرحلة الفوران التى يمر بهاالشباب دون بارقة أمل فى اشباعها على المدى القريب، وكيف أن على الشاب مقاومة إغراء الفاتنات اللواتى يملأن الطرقات أينما نظر أو ذهب. تناول أيضا صرعة الفتاوى الجاهزة والتفصيل وفقا لأهواء ونزعات البعض «فتاوى الزعفرانى». وفى «حكايات جحا» يطل أسلوب «كليلة ودمنة» لتجنب الحديث السياسى المباشر الذى أصبح عمل من لا عمل له فى سبيل الحصول على لقب «ناشط حقوقى» يتيح له مغازلة بعض الاتجاهات على أمل الحصول على وظيفة أو عروسة تبحث عن فارس يهتف فى المظاهرات ثم يعود وينام ملء جفنيه. فى مقال له يهاجم ظاهرة «أنت ماتعرفش أنا مين» التى يتيه بها المنتفشون الجدد على خلق الله من أجل الإيهام بالأهمية الزائفة التى تنبع من شعور دفين بالنقص، ويتناو ل أيضا الواسطة فى المصالح الحكومية والمستشفيات. بل إنه يبث الروح فى أبى الهول «جاللى فى الحلم» لينتقد من خلاله اهمال الزراعة والاهتمام المبالغ فيه بكرة القدم . وفى «دراسة فلسفية» تظهر موهبته فى تحليل اتجاهات الشباب المتعصبين لمطرب دون غيره وارجاعها إلى مشكلة الثنائية أو الوله بالتفرقة بين المجموع وفقا للجنس أو الدين أو المذهب والذى امتد إلى المطرب المفضل الذى حاز أكبر عدد من المعجبين والمعجبات لصفاته الجسدية، لا موهبته الفنية كما هو مفترض. هناك أيضا حديث عن التدين الظاهرى الذى لا يواكبه سلوك سوى وممارسات راقية للتعامل مع الآخر، وكيف أن هناك ميلا لفعل كل ما هو مكتوب عليه «ممنوع» من مبدأ مخالفة الأوامر والتعليمات وكأن الممنوعات مكتوبة لكى نخرقها. وفى «تلكس إلى» يوجه برقيات سريعة تكشف الخط القيمى الأخلاقى الذى بنى عليه كتابه دون أن يصرح أو يعترف بذلك. كان من الجميل أن يتحدث شاب فى مثل سن الكاتب عن السلبية التى تقف على قمة الاتهامات الموجهة من الكبار إلى جيل «سيدعادل» فكتب «امش جنب الحيط.. للجبناء فقط» يهاجمم السلبية التى تولدت نتيجة القهر والخوف المتوارث منذ أجيال. يتمنى الكاتب أن يكون الرجل العادى، الأب الذى يعمل من أجل أطفاله هو النجم الذى تسعى إليه البرامج، ليس هذا التركى المستورد فى المسلسلات المدبلجة التى تشبه المسلسلات التى يتم انتاجها فى الغرب لتسلية العجزة وكبار السن فى دور المسنين .كتاب «يوميات شاب مهزوم» لسيد عادل ملئ بالأفكار التى تستحق التوقف عندها وتشجيعها لصدورها عن شاب لم يتجاوزالخامسة والعشرين من عمره، ويتمتع بوعى كبير يشير إلى أن هناك الكثير من الشباب على طريق الصحوة وإعمال العقل المفكر الناقد كمحاولة لتجاوز الحاضر بهزائمه إلى مستقبل لن يصنعه غيرهم
مجلة أكتوبر العدد1757
انتصار عبد المنعم.

Monday, June 21, 2010

قالوا عن رواية لم تذكرهم نشرة الأخبار/وقائع سنوات التيه



مقتطفات من الدراسة التي كتبها الشاعر والناقد أحمد فضل شبلول تحت عنوان "رواية الإسكندرية بين التجلي والخفاء" والتي تضمنها كتاب مؤتمر اليوم الأدبي الواحد الذي أقيم تحت عنوان (تطور الرواية السكندرية في الربع الأخير من القرن العشرين والذي أقيم في يوم 13يونيو بالأسكندرية

وقائع سنوات التيه في رواية انتصار عبد المنعم
مابين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي تتردد رواية انتصار عبد المنعم لتؤكد لنا أن الكاتبة على وعي عميق بكل المتغيرات التي تمر في بلادها سواء على الصعيد المحلي أو العربي خلال الثلاثين عاما الأخيرة
******
ولأن مقدمات الواقع نفسه لم تقد إلى نتائج منطقية ، جاءت الرواية على هذا النحو، فمن يتوقع أن أولاد عبد الحميد الشرقاوي ابن الحكومة الذي يعمل بالداخلية ويُحسب له ألف حساب ، تصل الأمور بابنته نادية إلى هذا الحد، ويهاجر ابنه الوحيد ماجد إلى اسرائيل مع راقصة بلشوي معتزلة، ليبدأ حياته هناك بعد أن تلطم كثيرا في حياته بعد تخرجه ، وقبض عليه بالخطأ، لأنه كان يسير بجوار مظاهرة يشارك فيها بعض الشباب من الجماعات الإسلامية،ولأنه لم يحلق ذقنه منذ عدة أيام بسبب قرفه وزهقه وبحثه عن عمل ، فظن أفراد الشرطة أنه من هلاء الشباب المنتمين للجماعات الإسلامية
******

عندما عرضت عليه نتاشا الذهاب معها إلى اسرائيل وأقنعته بأن هناك معاهدة سلام بين البلدين، لم يجد ماجد من فكر يحميه أو من وازع وطني يشده للبقاء في مصر. وعلى الرغم من الكاتبة لم تهدف من روايتها إلى التحذير المباشر من أن سوء معاملة الشباب ، وعدم توفير فرص العمل الشريف لهم ، سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص ،تكون مغبته وعواقبه أكثر بكثير مما يظنه البعض ، فإن ملامستها لهذه القضية الخطيرة ، ملامسة فنية عابرة ،قد فجر الكثير من علامات الاستفهام ، واوضح الكثير مما هو مسكوت عنه بهذه القضية التي يحاول الإعلام أن يدير ظهره لها ، ولكن تفضحها الكاتبة بمقدمات مقنعة تقود إلى نتئج محسوبة وخطط لها سلفا على الجانب الآخر
**
وعلى الرغم من أن هذه الرواية الأولى للكاتبة انتصار عبد المنعم ، سبقتها مجموعة قصصية بعنوان "عندما تستيقظ الأنثى" إلا أنها تعتمد على خبرة حياتية كبيرة ، ووعي حاد بالوجود من حولها ، فضلا عن امتلاكها لنفس طويل في الكتابة ، أتاح لها التأمل رغم سرعة الأحداث واختصارها أو اختزالها في فصول معينة ، بما يشي بإجادة الكاتبة لبلاغة الاختزال ، أو بلاغة الحذف ، فلا مجال للثرثرة والحكي الزائد أو السرد الذي يدخل بنا في مناطق مترهلة كان يمكن أن تطول بها عن234صفحة ، هي عدد صفحات الرواية .

Monday, June 14, 2010

مناقشة "وقائع سنوات التيه" فى اتحاد الكتاب




http://youm7.com/News.asp?NewsID=240312&SecID=94&IssueID=0

****
تقيم شعبة القصة والرواية باتحاد الكتاب ندوة لمناقشة رواية "لم تذكرهم نشرة الأخبار وقائع سنوات التيه" للكاتبة انتصار عبد المنعم في السابعة من مساء يوم الأحد الموافق 20 يونيو
.يناقش الرواية الدكتور جمال التلاوى، والناقد محمد الفخرانى، والشاعر الكبير والناقد أحمد مبارك وتديرها القاصة هالة فهمى رئيسة شعبة القصة والرواية باتحاد الكتاب.

والكاتبة انتصار عبد المنعم قاصة مصرية لها إصدارات فى مجال أدب الطفل، ومجموعة قصصية " عندما تستيقظ الأنثى" عن المركز الدولي للتنمية الثقافية بالقاهرة "نون" و "لم تذكرهم نشرة الأخبار" هى روايتها الأولى..

*******
من خلال أسرة مصرية عادية تطرح الكاتبة بعض المشاكل الخطيرة التي تضيق على الجميع حيواتهم مثل بعض التجاوزات الأمنية من رجال الشرطة ، وبيع وخصخصة شواطئ الإسكندرية وانعدام فرص العمل ، فيلجأون إلى حلول يائسة لتعويض مرارة التيه الذي يعايشونه في وطنهم بالفرار منه . يختار البعض الهجرة في مراكب متهالكة فيفقدون حياتهم ، و"ماجد" يجد نفسه بلا أرضية ثابتة تربطه بوطنه فيقع تحت تأثير راقصة البلشوي المعتزلة نتاشا اليهودية ويبدأ رحلة التيه في اسرائيل مستغلا حادثة انهيار الحاجز في رفح للتسلل إلى اسرائيل ، وطارق يجد مهربا في الرحيل إلى دولة خليجية ليعيش رحلة التيه في جدة ، ونادية تتخلى عن مبادئها وتتزوج زيجة عادية قائمة على المال والسلطة لتنهي احلامها مابين مستشفى الامراض النفسية وبيت والدها بلا أمل في مستقبل يجمعها مع رفيق صباها "طارق" فيقودها خيالها ومتأثرة بخللها النفسي الذي دفعها إلى محاولة الانتحار، يقودها وكمحاولة للتغلب على مرارة الواقع إلى العودة بخيالها وأحلامها إلى الماضي تسترجع ماضيا جميلا ..

Wednesday, June 02, 2010

"مؤتمر أدباء مصر

"مؤتمر أدباء مصر" كل شئ يبدأ بحلم صغير

خمسة وعشرون عاما ، وأربعة وعشرون دورة لمؤتمر أدباء مصر ومازالت الرؤى يسودها الضباب من تحديد الهدف منه ، أو من جدوى انعقاده كل عام دون مراعاة توسيع قاعدة المشاركة فيه لينطلق نحو العالمية . والمقصود بالعالمية هنا ليس ما يتم تأويله دوما بدعوة كبار الأسماء الأدبية من خارج مصر . ولكن المقصود بالعالمية هو أن يكون موضع اهتمام ومتابعة من كل الوسائل الاعلامية المحلية والدولية ، وهذا لن يتأتى إلا بعد أن يثبت مقدرته على استيعاب القضايا العامة والاهتمامات المشتركة على الساحة الثقافية والفكرية . وهذا أيضا لن يتم إلا بالتغيير والاستفادة من أخطاء السنوات السابقة والمتعلقة بجوانب كثيرة ومنها :

أولا : المشاركة في المؤتمر

حيث يتجاوز عدد المشاركين فيه 300 فرد مابين موظف إداري وإعلامي وأعضاء نوادي أدب وشخصيات عامة . وإذا ما نظرنا إلى المشاركين من نوادي الأدب على سبيل المثال ، نجد أن المشاركة في المؤتمر تحكمها آلية واحدة تصب في صالح ذوي النفوذ القادرين على فرض تواجدهم ، والذين وفي أحيان كثيرة لا تكون لهم أعمال أدبية ذات قيمة حقيقية ، ولكنه واقع نوادي الأدب المليئة بالمشاكل والتربيطات والشللية والنتيجة ألا تتاح الفرصة لذوي المواهب الحقيقية للمشاركة في المؤتمر . ولذلك أعتقد أن من أول خطوات التطوير هو أن يتم وضع شروط معينة تتجاوز عدد مرات المشاركة إلى الاضطلاع على أعمال المرشحين ، ثم يتم تكليف لجنة خاصة من أعضاء الأمانة العامة لتقييم المرشحين وفق أعمالهم الأدبية المنشورة ، ومساهماتهم المتوقعة ومدى اثرائهم لمحور المؤتمر . على أن يتم في نهاية المؤتمر تقييم اسهامات الأعضاء المشاركين لمعرفة مدى جدية اختيارهم وهل كانوا فعلا أهلا للمشاركة أم لا . بل من الجيد أيضا أن يتقدم كل ناد أدبي بورقة عمل في نفس سياق المؤتمر ، ومن المفترض أن يتم الاستفادة بخبرات الشخصيات العامة التي تحضر المؤتمر ، ومن المفترض أن يعد ممثلو الاعلام المشاركين في المؤتمر خطة للتعاطي مع المؤتمر كحدث مميز يستوجب الاهتمام في نقل فعالياته والترويج له قبل انعقاده وفي أثناء انعقاده مما يكسبه رواجا على المستوى المحلي والدولي .

ولكن الحال الآن أن المؤتمر ينعقد ،ويوضع له برنامج محدد للجلسات والنقاشات ولا تجد في الحضور نصف العدد من الأدباء المشاركين في المؤتمر . والسؤال هو لماذا أتوا من الأساس؟ البعض يعتبرها مناسبة سنوية جيدة لتوسيع دائرة المعارف داخل الوسط الأدبي والصحفي المتواجد، والبعض يعتبرها فرصة لتغيير الجو ورؤية مدن جديدة والتمتع بالخدمة الفندقية المجانية . فماجدوى كل هذا ؟ وما مردوده على المشهد الثقافي؟ . ولماذا يتم انفاق آلاف الجنيهات على خدمات الإعاشة والتنقلات في الوقت الذي لا يجد فيه الأديب تكلفة علاجه حين يمرض ويجد نفسه في موقف المتسول لحق أصيل من حقوقه ؟. المؤتمر ببعض اللمسات التنظيمية من الممكن أن يتجاوز الفكرة السائدة أنه احتفالية سنوية ومهرجان ترفيهي بعد عام من العمل والركض هنا وهناك وراء نشر عمل أدبي أو ملاحقة مسئولي السلاسل الأدبية أملا في تجاوز طابور الانتظار الذي يطول لسنوات وسنوات .

ثانيا : بالنسبة للأبحاث ينبغي أن تتاح الفرصة أمام الجميع للمشاركة بأبحاث في المحور المقترح للمؤتمر ، وأن تشكل لجنة لاختيار أفضل البحوث من حيث ارتباطها بموضوع المؤتمر وجدية الباحث وجودة البحث نفسه ثم يتم بعد ذلك نشرها في كتب أبحاث المؤتمر . وهذا غير ما يحدث الآن ، فهناك مجموعة باحثين بعينهم يقع عليهم الاختيار لاعداد البحوث والدراسات والشهادات التي يتم طبعها في الكتب التوثيقية للمؤتمر . وفي أحيان كثيرة تأتي البحوث بعيدة عن موضوع المؤتمر كأنها لم تكتب خصيصاً له أو أنها تحصيل حاصل .

ثالثا : بالنسبة لمطبوعات المؤتمر ،التي يحصل عليها الأدباء في أول أيام المؤتمر متضمنة أبحاث المؤتمر

والتي لا يجد الأدباء فرصة للقراءة والإضطلاع عليها إلا بعد عودتهم إلى مدنهم ليجدوا فيها ما يستحق النقاش والتساؤل ، وهذا ما كان يجب أن يتم في أثناء المؤتمرالمجدول البرامج لا بعد تمامه وانعدام فرص التواصل مع نفس الجمع الذي احتشد من أجل شأن لا يحيطون بعلمه كما يجب . ولذلك فمن يحضر منهم حلقة نقاشية يأخذ طابع المتلقي السلبي الذي يكتفي بالانصات لبرهة ثم يأخذ نفسه وينصرف ليلتقط بعض الصور التي تخلد الذكرى السنوية .

من المفترض أن تكون لدى الأدباء الذين يحضرون رؤية وقضية واضخة للعرض والنقاش داخل فعاليات المؤتمر ، ولكي يكون لهم رؤية واضحة يستلزم أن يكونوا على دراية بما ستتم مناقشته في الموائد المستديرة والندوات وكل فعاليات المؤتمر . أليس من الأفضل أن تكون مطبوعات المؤتمر في يد المشاركين قبل انعقاده بفترة تكفي للقراءة ولو على سبيل الاستكشاف لتكون هناك خلفية وأرضية لنقاشات مثمرة داخل المؤتمر نفسه؟

رابعا : وهو شأن يتعلق بالأدباء أنفسهم الذين يحصرون أنفسهم داخل حدودهم الضيقة التي لا تتجاوز الحيز الجغرافي المقيمين فيه في القرية أو المدينة التي أتوا منها، لا يهمهم غير عرض مشكلة ما في نادي أدبي أو بيت ثقافة ولا شيء غير ذلك . يأتون بمشكلة فرعية محلية تظل تشغل فكرهم لا يتجاوزونها . ومن الغريب أن تعلو الأصوات المستنكرة لمسمى أدباء الأقاليم وهم أنفسهم يسجنون أفكارهم وطموحاتهم بحيث لا تتجاوز أنوفهم على الرغم من الانفتاح المعلوماتي المتاح على شبكة الانترنت الذي ألغى الحدود الجغرافية ، وذوب الفواصل الزمنية فلم يعد هناك أي معنى للشكوى المكرورة من مسمى يستهجنونه قولا ويتشبثون به فعلا وواقعا ملموسا .

وأعتقد أن المؤتمر لكي يتحول إلى برلمان أدبي سنوي لابد من اتخاذ بعض الخطوات الطموحة والتي قد يعتبرها البعض خيالا أو أحلاما ، ولكن كل شئ يبدأ بحلم صغير ثم يتحقق :

أولا : تحديد الهدف من انعقاده في الأساس ، والهدف من اجتماع 300 أديب في مكان واحد .

ثانيا: امكانية عقد فعاليات المؤتمر في محافظتين أو ثلاث مثلما يحدث في كأس العالم فيكون حدثا جماهيريا لا شأنا خاصا يتعلق بشريحة معينة .

ثالثا : امكانية التحضير له في كل قصور الثقافة ونوادي الأدب على مدار العام ببحث قضايا محددة ينتج عنها أوراق عمل يتم نقاشها في أثناء انعقاده .

رابعا : امكانية تحول المؤتمر إلى هيئة لديها صلاحيات وامكانيات موسعة مثل مهرجان القاهرة السينمائي مثلا، وما يستلزمه من جديه واستقلالية وهذا في حد ذاته ليس بالمعجزة مع وجود ميزانية مستقلة له تجاوزت هذا العام على سبيل المثال 600 ألف جنيه لم تسهم المحافظة المستضيفة بأكثر من 10بالمائة منها.

يحتاج المؤتمر لرجال مخلصين ، وبعض الجدية ، وروح شابة من داخل وخارج أروقة الوظيفة الروتينية ليتحول المؤتمر من كونه رحلة ترفيهية إلى حدث ثقافي مستقل يهتم به الجميع .

انتصار عبد المنعم

مجلة الثقافة الجديدة العدد233فبراير2010

Tuesday, May 25, 2010

الأدب الـســاخـــر



رحل ثانى اثنين اعتبرهما الأديب الكبير يحيى حقى حملة لواء الأدب الساخر فى مصر فأهداهما كتابه « فكرة فابتسامة»: (إلى محمد عفيفى ومحمود السعدنى، لأنهما يحملان لواء الفكاهة فى بلدنا، ويشيعان الفرح فى قلوب أهله). رحل محمد عفيفى عام 1981بعد رحلة ممتدة أنتج فيها أدبا مائزا يهدف إلى التحايل على تأزمات الحياة بالسخرية منها والضحك منها وعليها، إلى الحد الذى جعله يأبى أن يكون خبر نعيه مؤلما أو مسببا للحزن لمحبيه، فكتب نعيه قبل موته بنفس طريقته ليسخر من الموت ويرسم ابتسامة نادرة التواجد على وجه قارئ لصفحة الوفيات:(عزيزى القارئ: يؤسفنى أن أخطرك بشىء قد يحزنك بعض الشىء وذلك بأننى قد توفيت، وأنا طبعا لا أكتب هذه الكلمة بعد الوفاة (دى صعبة شوية) وإنما اكتبها قبل ذلك، وأوصيت بأن تنشر بعد وفاتى، وذلك لاعتقادى بأن الموت شىء خاص لا يستدعى ازعاج الآخرين بإرسال التلغرافات والتزاحم حول مسجد عمر مكرم حيث تقام عادة ليالى العزاء. وإذا أحزنتك هذه الكلمات، فلا مانع من أن تحزن بعض الشىء، ولكن أرجو ألا تحزن كثيرا».
هكذا كان أسلوب عفيفى خفيفا محببا للنفس يعتمد على اللغة الأنيقة والتعبير البسيط لتجتمع فى أعماله سمات الأدب والفكاهة التى تعتمد على اللعب بالكلمات العادية لتعطى مدلولات غير عادية وغير متوقعة على الإطلاق، ثم جاء رحيل الولد الشقى محمود السعدنى ليثير تساؤلا مهما عن حال الأدب الساخر الذى برع فيه هو الآخر بحيث صارت له بصمة واضحة تدل على كتاباته خفيفة الظل فائقة الجودة ولو تم اخفاء اسمه من عليها. والسؤال هو هل يمكن أن نعتبر ما يصدره الظرفاء والمستظرفون من خفيفى الظل هذه الأيام – وهم كثرة - أدبا ساخرا ؟ أم أنها مجرد قفشات الغرض منها استلاب الضحكات عنوة من الأصدقاء والمعارف ومن يسعدهم الحظ بنسخة مجانية من الكتاب؟
وهل كان هدف محمود السعدنى ومن قبله محمد عفيفى استلاب ضحكات القراء؟ هل كانت الكتابة الساخرة بالنسبة لهما نوعا من النكات أو الحكايات الطريفة التى من الممكن أن يتسلى بها رواد مقهى أو جلسة سمر على شاطئ النيل مثلا؟.
من الملاحظ كثرة الإصدارات التى يصنفها أصحابها تحت مسمى أدب ساخر، ووفقا لهذا التصنيف يتوقع القارئ أن يجد عملا تتوافر فيه شروط الكتابة الأدبية ومقومات العمل الساخر من حيث الفكرة وأسلوب التناول الذى يجعله جديرا بأن يضمه كتاب منشور. وبما أن الكتابة شكل من أشكال الإبداع الذى يعرفه الدكتور مراد وهبة بأنه:«قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع» فقد اشتمل هذا التعريف على عنصرين، الأول هو تكوين علاقات جديدة، والثانى تغيير الواقع. وإذا استثنينا الجزء الخاص بتغيير الواقع لصعوبة هذا التصور أو مثاليته، وأيضا كمبرر لالتماس بعض المميزات لهذا النوع الجديد من الكتابة، لوجدنا أنه لا يندرج تحت مسمى «ابداع» فلا فكر فيه ولا مضمون ولا وجود للعقل فى أغلب الأعمال المتواجدة الآن، بل إن تغييب العقل والإعلاء من شأن القهقهات هى الرسالة المتفق عليها، فتظهر «المسخرة» فى أوضح صورها حيث تقتصر على توثيق لغة الشوارع والمقاهى كما هى دون أى تصرف أو مجهود من الكاتب المزعوم. وعلى العكس لم يكن هدف عفيفى والسعدنى الاضحاك أو المؤانسة فى ليل السامر، كتب عفيفى «تائه فى لندن»، وكتب السعدنى «حمار من الشرق» ليجمعا بين أدب الرحلات والسرد الخفيف والروح المرحة الشفيفة دون ابتذال المباشرة والنقل التوثيقى للأحداث. وفى أكثر كتب السعدنى الساخرة جدية «الولد الشقى فى السجن» يقص حكايا مأساوية لخارجين عن القانون ويوضح الجانب الخفى من حيواتهم التى لا تخلو من بعض شهامة ومروءة بخفة روح يرسم بها ضحكة غير مفتعلة، وفى ذات الوقت يثير دمعة أسى على حال بعضهم مثل سيد الحليوة، أو البحار اليابانى صديق اليانكى وغيرهما. وفى كتاب عفيفى «للكبار فقط» والذى قد يوحى عنوانه للبعض أخيلة تتجاوز حاجز الملابس، فقد ضم مجموعة كاملة من الحكم والأقوال المأثورة ترسم بسمة تنطلق من فكرة ناقدة لواقع ومشكلة حياتية بأقل الكلمات وأكثرها دلالة وأبسطها ليخاطب بها الرجل العادى والمثقف فى نفس الوقت.
قيل إن السعدنى دخل السجن بعد أن أطلق مزحة «نكتة» معينة، ولكن حتى هذه النكتة كانت راقية اللغة محكمة الكلمات لا توجد بها كلمة نابية واحدة أو سباب لأى فرد ينتقده فيها. وهذا عكس الكتابات الحالية التى تشبه الفقاقيع كمحاولات فاشلة لخلق نوع من المتعة المفتعلة ينتهى أثرها بغلق الكتاب ثم التخلص منه عن طريق بائع الروبابيكيا ولكن هل منا من تخلص من كتب السعدنى أو عفيفى؟ كانت كتابة عفيفى والسعدنى محاولة للتقليل من وقع ضائقة أو التحايل والالتفاف على واقع متأزم مع مواصلة العمل بالكتابة الناقدة للواقع، و لم تكن نوعا من التهافت على اصدار الكتب بغرض الحصول على لقب كاتب ساخر. وللحق فإن تدهور حال الكتابة الساخرة فى مصر تشبه تماما تدهور حال الأفلام الكوميدية التى أصبحت هى الأخرى تعتمد على فجاجة البطل المعتوه الذى يتحدث بطريقة غريبة ليسرق ضحكة من جيب دافعى تذاكر السينما. وكما أن هناك فى السيرك المهرج، ظهرت مجموعة من مهرجى الكتابة يعتبرون أن الضحك صناعة وليس فنا ولا أدبا على شاكلة «المهنة مزة والدلع سنكوح» وهؤلاء يخاطبهم محمد عفيفى قائلا» يا أيها الصارخون فى مكبرات الصوت، آه لو تعلمون كم تحتاج أصواتكم إلى مصغرات
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1752

Monday, May 17, 2010

إطلالة) شباب الأدب السكندرى


فى الوقت الذى انشغل فيه كبار الأدباء بمتابعة شئونهم الخاصة كتابة ونشرا ومؤتمرات، أدركت مجموعة من شباب الأدباء فى الإسكندرية قيمة العمل الجماعى، وأهمية أن يكون لهم كيان واحد، وطموح مشترك يهدف إلى أن يجتاز صوتهم حاجز الاهتمام بالذات، والحدود الإقليمية التى وجدوا أنفسهم فيها رغما عنهم. أراد شباب إطلالة الخروج إلى فضاء الأدب الرحب الذى لا ينبغى له أن يتقوقع داخل العاصمة. وعلى الرغم من وعيهم التام بأن عملية الابداع هى عملية فردية بالأساس وأن لكل أديب سماته التى يتفرد بها عن غيره، إلا أنهم آمنوا أن هذا الأديب أو المثقف على العموم له دور كبير فى تنشيط المشهد الثقافى العام وخلق حالة من الحراك الفعال المبنى على رؤى واعية ومدركة لأبعاد الوضع الراهن المتأزم الذى اكتفى غيرهم بنقده دون تقديم حلول أو اقتراحات.

فى شهر أكتوبر عام 2002 وبعدد لا يتجاوز السبعة أفراد بدأ الحلم يتحقق، لم يتركوا مهمة التعريف بهم لغيرهم، ولم يسمحوا لأحد بأن يتحدث بالنيابة عنهم.
منذ البداية اتفق شباب إطلالة على استقلالية منتداهم وانفتاحه، واعتمادهم على جهودهم الفردية: «تجمع إطلالة السكندرى» هو تجمع أدبى غير رسمى لا يخضع لأى جهة أو مؤسسة ولا يعبر عن اتجاه فكرى بعينه، بل يشمل كل الآراء والأفكار فى إطار فضفاض لا يقيد ويمنع، يديره الأعضاء بأنفسهم بهدف إبراز المواهب الأدبية ونشرها فى المجتمع الثقافى لإحداث حراك ثقافى فاعل». ولم تقف الأحلام عند هذا التعريف بل اشتمل على ميثاق ركز على العمل الجماعى، والتنوع، وتقبل الآخر، وحرية الإبداع، والتواصل بين الأجيال. ثم جاءت مجموعة الأهداف لتعبر عن آمالهم القريبة والبعيدة المدى مثل تنشيط وتطوير الحركة الثقافية، وتفعيل دور شباب الأدباء، والاحتكاك الثقافى والتبادل الفكرى، واكتشاف ودعم المواهب الأدبية الجديدة ومحاولة خلق وعى وتواصل مع المجتمع. أما عن رؤيتهم لمفهوم العمل الجماعى الذى قامت عليه مبادئ منتدى إطلالة فقد جاء فى الكلمة التى تصدرت مقدمة الكتاب الثانى الذى أصدره المنتدى:«العمل الجماعى والتعاون منبت النجاح الحقيقى، صدق مع الذات وتلاحم مع الواقع.. مصاعب وإخفاقات لم تفت فى عضدنا بل نحتت ملامح التحدى فينا.. تنمو النبتة، تكتشف ذاتها، تمتد جذورها أكثر عمقا فى التربة الأدبية وتبدأ فى الإثمار.
ويزداد عدد الشباب وتتوالى الإصدارات وفى كل إصدار تتجاور ألوان الأدب قصص قصيرة وأشعار، مقال ونقد وقراءات وعروض لكتب متنوعة، وبمصاحبة رؤى نقدية للأعمال يكتبها كبار الأدباء الذين جذبهم طموح شباب إطلالة وسعيهم الجاد نحو إثبات ذاتهم وتجويد موهبتهم، وهذا ما ظهر فى إصدارهم الخامس الذى شاركهم فيه اثنان من أعلام المشهد الثقافى لتتجاور الأصالة والمعاصرة ويهبط الجدار الفاصل بين الأجيال الذى يعبر عنه شباب إطلالة خير تعبير فى كلمتهم التى بقدر ما تحمل عرفانا، تحمل فى نفس الوقت نبرات النصر لأنهم أدركوا أن جهودهم أثمرت بعد طول انتظار ومعاناة:«كتابنا الخامس نثبت فيه واقع التواصل بين الأجيال، وأن الفجوة المزعومة محض وهم. اسمان يتمتعان فى خلفيتنا الثقافية بمعنى أعمق من مجرد المصداقية، لهما قلمان قلّما يجود بهما الزمن. جمال الغيطانى ومحمد إبراهيم أبو سنة هما معنا بإبداعهما شعرًا وقصةً يقدمان لجيلنا ومن يليه درسًا فى معنى الأستاذية ويضعون بمشاركتهم تلك على صدورنا أعظم أوسمة الأدب. كتابنا الخامس ندق به مسمارًا فى نعش المركزية الثقافية. نشرك فيه مبدعين شبابًا من خارج الإسكندرية، وننادى به كل الواثقين بالمجموع أن ينضموا لمسعانا. ليكون الدفقة الأولى فى تيارٍ عارمٍ من أجيال كُتاب يحتويهم نسيج واحد، وأمل...». وإن كان شباب إطلالة فى كتابهم الخامس حققوا كل ما حلموا به من تواصل بين الأجيال والخروج من حيز المركزية، فهناك الكثير مما يستحق أن يُذكر عنهم بعد أن خصصت لهم مكتبة الإسكندرية العريقة قاعة من قاعاتها لعقد ندواتهم الإسبوعية، فقد زاد عدد الأعضاء، وبلغ عدد الندوات التى قاموا بتنظيمها حتى الآن 345 ندوة أسبوعية وأقاموا خمسة مهرجانات تضمنت مسابقات فى القصة والشعر العامى والفصحى. وهناك الكثير مما حققه شباب إطلالة وما يطمحون إلى تحقيقه تحت مسمى واحد يجمعهم هو اسم «إطلالة» الذى يتم توجيه الدعوات إليه ككيان متفرد لحضور المؤتمرات الأدبية لا باسم وسيم المغربى أو باسم عصام، مصطفى زكى، سامح بسيونى، جيلان الشمسى، حاتم عرفة، محمد العبادى، سمر مصطفى، محمد عمر، حسن معروف، إيمان السباعى، أو عمرو عبد الهادى، فكلهم صغار طير أرادوا التحليق فخضعت لهم السحب، تحملهم إلى براح الفكر ملبين نداء كونفشيوس:«حتى صغار الطير يمكنها أن تطير لو أرادت، فليس فى الوجود مستحيل أمام الإرادة التى لا تـُقهر
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد 1751

Sunday, May 02, 2010

المناهج الدراسية والمواطنة

لا يخلو مجتمع من المجتمعات من تنوع يشمل لونه وجذوره وخلفياته الثقافية ودياناته ومعتقداته. وتعتمد قوة أى مجتمع أو دولة على مقدار ما تحققه من تجانس بين كل هذه التنويعات ضمن نسيج واحد تجتمع فيه كل الأطياف تحت لواء فكرة واحدة كبرى وهى «المواطنة» أى الانتماء لهذا الكيان الأكبر أو الدولة التى ينتسبون إليها، وهذا ما أدركه الغرب جيدا فنشأت اتحادات لدويلات أو ولايات أصبحت كيانات سياسية أو اقتصادية عظمى متجاوزة نقاط الاختلاف ومجتمعة تحت لواء هدف عام يسعى إليه الجميع وهم يدركون جيدا حقوقهم وواجباتهم. وعلى المستوى العربى فقد كان من حظ بلداننا العربية أنها فى فترة من الفترات تم احتلالها وتقسيمها بين دول عظمى تتحدث الانجليزية والفرنسية والايطالية والتركية، ولذلك عاشت فترات طويلة تواجه عدوا خارجيا بروح واحدة تنبع من فكرة «القومية» وظهرت أسماء لأبطال ورموز مثل عبد القادر الجزائرى وعمر المختار وجميلة بوحيرد وجمال عبد الناصر وجول جمال. ولم يكن أحد يقف ليسأل هل هذا البطل مصرى أم سورى، ليبى أم جزائرى؟ وفى داخل الدول نفسها لم يكن أحد يسأل رفيقه فى الهم هل هو صعيدى أم قاهرى، دمشقى أم حلبى، حوطى أم نجدى، بربرى أم مغاربى؟ الجميع كانوا يواجهون خطرا واحدا خارجيا، وكانت المناهج الدراسية فى خدمة فكرة القومية والمصير المشترك. وعندما انتهت الحركات التحررية وتحررت الأرض، كانت الكارثة أن حل الفراغ نتيجة تخلخل الفضاء من حول الجميع الذين اكتشفوا أنهم قد أفرغوا ما لديهم فبدأوا يتقهقرون داخل الحدود الضيقة للدول التى بدأت ترسم هويتها المستقلة ليس عن المستعمر وحسب، بل المستقل بعيدا عن رفقاء الأمس وتغيرت المناهج الدراسية بدورها لتركز على فكرة الفردية وتُقصى مبدأ المصير المشترك لمصلحة النعرات القبلية ولم يقتصر الأمر على المستوى العام بين الدول، بل بدأ الأفراد داخل المجتمع الواحد يلتفتون حولهم ليكتشفوا أن لون بشرة هذا الجار تختلف عن لونهم، وأن ذاك لا يذهب لنفس دار العبادة، وهذا يتحدث بلهجة مختلفة. ويكتشف الجميع أنهم يجهلون بعضهم البعض. ونتيجة الجهل بالآخر ظهرت محاولات عديدة لادعاء المعرفة أو للقفز على فكرة جهل الآخر بادعاء الأفضلية للذات والنقصان للغير، أو اطلاق النكات على بعض الجماعات تقليلا من شأنهم مثل الصعايدة والحوطيين والبرابرة والغجر وغيرهم. بدأ الجميع يمارسون نفس سياسات القهر والاقصاء التى كان يمارسها الأجنبى ضدهم، الجميع يريدون فرض السيطرة والرأى الواحد ووجهة النظر الواحدة. وكان من الطبيعى أن تظهر المشكلات العرقية والطائفية داخل مجتمعاتنا العربية، بل تعدى الأمر إلى أن يلجأ البعض إلى التنصل من هويته التى تنسبه للأرض التى ينتمى إليها كوطن ليتبنى فكرا أو معتقدا مستوردا يظن أنه طريقه إلى الخلاص والفوز، وفى نفس الوقت يمارس الحجر على فكر الآخرين حد الحكم عليهم بالكفر أو الالحاد أو الزندقة وغيرها من مسميات لا تدخل تحت حكم البشر ولا إدراكهم لصيرورة الأحداث الغيبية. وجاءت المناهج المدرسية أيضا لتعزز الانفصال بين أفراد المجتمع، فنظم التعليم تقوم على المنافسة والحفظ والتلقين وأن الجميع فى حالة منافسة فردية دائمة من أجل تحقيق انجاز فردى مما عمق من مفهوم الانفصال والتباعد بين أطياف المجتمع. بل إن المناهج نفسها لا تقدم مادة تتناول مفهوم «المواطنة» للطلاب لتزرع فيهم فكرة الانتماء لهذا الوطن الذى يعيشون فيه. حتى عندما كان فى مادة اسمها «تربية وطنية» جاءت كالمسخ فى السياق التعليمى كحصة من الممكن أن يستعيرها مدرس الرياضيات لإكمال منهجه الدراسى. ويزداد الداء فيتم فصل البنات عن البنين وهم فى أولى مراحل التعليم دون داع، وتزداد الهوة فى حصص التربية الدينية التى يتم فيها فصل الطلاب المسلمين عن زملائهم المسيحيين ليأخذ كل فريق المنهج الخاص به لتعزز مرة أخرى فكرة الاختلاف والفصل بين الجميع. وتظهر مسميات فرعية ليشير الرفاق إلى رفقائهم بمسمى «أنتم لديكم...» «ونحن لدينا...». ثم يستفحل الجهل بين الجميع فتستشرى حالة العداء التى أصبحت خير وسيلة لمن يريد إشعال نار الفتنة بين أفراد أى مجتمع، لتعلوا إدعاءات التفرقة والاضطهاد وغيرهما. والسؤال الآن ما هو الحل وقد بدا أن كل اتجاه يتحفز لغيره، وأن كل مذهب يكّفر غيره، وكل لون يشمئز من مغايره! بلا شك أن الحل هو بث فكرة المواطنة فى عقل الجيل الجديد مرة أخرى منذ الصغر أن يتعلم الطالب أنه مواطن وأن زميله مواطن مثله ولا يتحتم عليه أن يكون صورة طبق الأصل منه لا فى اللون ولا العقيدة ولا فى التوجه الفكرى. يجب أن يدرك الجميع أن ما يضمن استمرارية الحياة والوجود فى أى مجتمع هى فكرة الاختلاف التى تعنى التكامل والتعاون ضمن إطار فكرة الدولة الأم التى تستطيع أن تستعيد كل أبنائها ببعض الاهتمام بالمناهج الدراسية، واستغلالها فى تنشئة جيل له ذاكرة تستوعب تاريخه القديم كهوية ثابتة تحميه من الانجذاب أو الوقوع تحت تأثير التيارات التغريبية
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1749.


Saturday, April 24, 2010

القمة الثقافية وثقافة الاتكالية

ما إن يطل أحد المثقفين علينا من خلال برنامج تليفزيونى أو مقال صحفى حتى تعلو نبرة النقد للحال المتردى للثقافة وما آل إليه حال الثقافة والأدب والأدباء فى العالم العربى. الكبارالذين يعتبرون أنفسهم الممثل الوحيد المعبر عن الأصالة يهاجمون الشباب، والشباب الذين يظنون أنهم يمثلون حركة التجديد والتطور، يتهمون الكباربمحاولة النيل منهم والتقليل من شأنهم، أنصار القصة ينتصرون لها فى مواجهة الرواية، والروائيون يتهمونهم بقصر النفس وانعدام الخبرات الحياتية التى يقوم عليها عصب الكتابة الروائية. فريق يعلن انتهاء زمن القصة والآخر ينتحب على زمن الرواية، شعراء يتغزلون فى قصيدة النثر وآخرون يستجيرون بالمتنبى والفرزدق. وفى المجمل تحول الأمر إلى ما يشبه الظاهرة، فالجميع ينتقد ويهاجم الوضع الراهن. الجميع قد تلبس دور المثقف الحقيقى، وتقلد دور المصلح والمرشد، وتخيل أنه الوحيد الذى يفهم، ووحده القادر على اقتراح الحلول، وعلى الجميع الامتثال لتعاليمه المقدسة. والسؤال الذى يطرح نفسه ما السبب أو الأسباب التى أدت إلى تدهور المشهد الثقافى العربى بصورة عامة؟ وإذا كان الجميع ينتقدون الحال فمن المخطئ إذن؟ أليس المشهد الثقافى هو مجموع كل هؤلاء الذين ينتقلون من برنامج إلى آخر، ومن فضائية إلى أخرى بنفس البكائية على أطلال ثقافة ساهموا هم أنفسهم فى تدهورها عندما تركوا الشأن العام والقضايا الكبرى، وانشغلوا بجوائز ومناصب ساهمت فى تقوقعهم داخل دائرة ضيقة بعيدة عن الواقع الثقافى؟ ليتفاجأوا بعد ذلك مثل غيرهم بأن هناك من ظهر وكبر كنبات الهالوك دون وجه حق ودون موهبة حقيقية، فقط لأن كل مميزاته أنه من ذوى الحناجر الصلدة التى لا تكل ولا تمل الحديث، ويدركوا متأخرا أن هناك العديد من الروافد المستحدثة للثقافة قد تم استنساخها فجاءت كالمسخ لا تعبر عن فكرة ولا عن مضمون ولا ذوق، ولا تحتاج إلى جهد أو معرفه ولذلك من الممكن أن نطلق عليها ثقافة البيض المسلوق أو التيك أوى. ومؤخرا ظن بعض المثقفين الذين ضاقوا بالوضع الراهن أن إصلاح الشأن الثقافى يكمن فى عقد قمة ثقافية لبحث الحالة المتردية التى وصلت اليها الثقافة العربية، ومن أجل البحث والتنقيب عن وسائل وحلول سريعة للحفاظ على الخصوصية الثقافية للدول العربية وثقافتها المحلية فى مواجهة شبح العولمة. وكل هذا بالطبع أهداف نبيلة وعناوين براقة تصلح كمانشيتات دعائية لا يختلف عليها أحد، ولكن ماذا بعد انتهاء القمة؟ ومن بيده فى الواقع وقف شبح اندثار القيم والثقافة العربية الأصيلة؟ وهل لو اجتمع كل الكبار من ساسة وزعماء ورموز ثقافية، هل بيدهم أن يقولوا للمستحيل أن كن فيكون؟ والغريب فى الأمر أنه فى الوقت الذى ينادى فيه الجميع بحرية الرأى والتعبير والنشر والتخلص من الرقابة والمركزية، تخرج نفس الأصوات تهلل وتبارك و تروج لحتمية عقد قمة ثقافية يضعون فيها الشأن الثقافى بجوارغيره من المسئوليات التى تضطلع بها الحكومات، وتمتلئ بها أجندات الرؤساء ورؤساء الوزارات المكتظة بالعديد من المسئوليات والتى طالما تعرضوا للانتقاد بسببها. والمدهش بالفعل أن يعتبر بعض المثقفين أن هناك أملاً كبيراً - إن لم يكن الوحيد – فى نتائج القمة،هذا فى الوقت الذى يعلو فيه صوت العديد من الأدباء مختلفين فى جدوى وأهمية انعقاد مؤتمر واحد سنوى يحضره المثقفون فى مصر، هذا إن تجاوزنا حال المؤتمرات الإقليمية وأفرع الهيئات الثقافية التى تعقد هنا وهناك بلا جدوى فى إحداث حالة من الحراك الاصلاحى فى المشهد الثقافى الذى ينتقده الجميع. من الواضح أن هناك اتجاهاً يتنامى فى الخفاء يهدف إلى التنصل من المسئولية بإلقائها على مائدة رؤساء الدول أو الوزراء. وهذا فى حد ذاته اعتراف ضمنى، بل اعتراف فج بعدم جدوى كل ما تم من مؤتمرات وندوات وتظاهرات أدبية وثقافية فى كل الدول العربية أى أنه إعلان أخير، ورفع راية بيضاء من الأدباء والمثقفين المتحمسين للقمة اقرارا بعجزهم أمام الجميع. وسواء أدرك هؤلاء دورهم أم لا فمن البديهى والمؤكد أن شأن الثقافة هو شأن خاص بالمثقفين أنفسهم، وعليهم الاعتراف بأنهم جزء من المشكلة التى طالما برعوا فى انكار وجودها، وحاولوا دوما إلقاء اللوم على غيرهم. عليهم أيضا أن يؤمنوا بأن الحل بيدهم هم، لا بيد قمة ولا مؤتمر يتم عقده فى أيام معدودات ثم ينتهى بمجموعة توصيات فى كتاب أنيق يوضع على الرف وينتهى الشو الإعلامى الذى سبق وصاحب حضور وغياب أسماء بعينها. وإذا تجاوزنا اشكالية الاتكال على عقد القمة العربية الثقافية كحل أخير للأزمة، ونظرنا إلى الأهداف المراد العمل عليها فى القمة ومنها الدفاع عن الخصوصية الثقافية للدول العربية فى مواجهة العولمة ولتدعيم عناصر الثقافة العربية فى مواجهة الطوفان الاعلامى والثقافى القادم من الخارج نجد أن هذا الهدف تأخر كثيرا جدا، فقد تلاشى مسمى الخصوصية فى الثقافة أو الأدب أوالفكر بعد أن أصبح فضاء الانترنت مفتوحا أمام الجميع للقراءة والاضطلاع والبحث، وتجاوز مفهوم الثقافة الممقصور على الآداب والفنون لتشمل كل نواحى سلوك وعادات الانسان العربى الذى وجد نفسه فى مهب الريح الفضائى والنتى وما خلفاه من تغيرات فى الموروث القيمى والثقافى، ثم جاء الأدباء والمثقفون ليعززوا هذا التغيير بنوعية الكتابة التى اصطلح على تسميتها أدب الهامش، أو أدب المسكوت عنه خاصة فيما يتعلق بالتابوهات الثلاثة، واللجوء إلى ما شذ عن العرف العام كنوع من التجريب والتجديد. وفى النهاية ننادى بقمة ثقافية لحل الأزمة، فقط لنجد ما ننتقده بعد ذلك ولتعمل الفضائيات وتعلو الانتقادات من جديد
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1748.

Friday, April 16, 2010

(انتصار عبد المنعم تخترع أسطورتها ) عندما تستيقظ الأنثى .. ومشهدية البوح .



نتصار عبد المنعم تخترع أسطورتها ) عندما تستيقظ الأنثى .. ومشهدية البوح . إبراهيم محمد حمزة/المساء
" إذا صاحت الدجاجة صياح الديكة وجب قتلها " هذا التعبير القاسى أورده الميدانى فى " مجمع الأمثال " لم يعد له مكانه القديم ، فقد صاحت الدجاجات ، وفاضت ببوحها ، وبالغت أحيانا ، وجأرت بالشكوى منذ اقتنصت شيئا من حريتها ، طارحة نفسها ثائرة على كافة مواضعات مجتمعها تجاهها ، ولم تخرج " انتصار عبد المنعم " عن السياق العام للأديبات المنشغلات بالذات ومنغصاتها ، وقدمت عبر مجموعتها " عندما تستيقظ الأنثى " الصادرة عن دار نون للنشر والتوزيع بالقاهرة ، قدمت سيمفونية أنثوية خالصة ، مهما تنافرت أنغامها ، ورغم غلبة " المهادنة " فى طرح علاقة الذكر بالأنثى ، لكنها قدمت عبر ما يقارب أربعين نصا قصصيا ، أسىً كثيرا وسط بسمات نادرة لامرأة تعيش بين رجال . ــ لغة الأنثى : "إلى البحر الهادر " تهدى الكاتبة مجموعتها ، مؤكدة أنها من اجله وله ولأجله فقط ستكتب . وعبر هذه العتبة الهامة تؤكد انتصار انحيازها للحرية بقوة ، لتقدم ذاتها على طبق من ورق مظهرة آلام الوجد الناتج من وجود رجل فى حياة امرأة : ( لم يسألكِ يوما عن نوع الجرح الذى تفضلين ، خبير هو فى اقتراف كل أنواع الجروح الممزوجة بملح البحر ) ها هو البحر يطل على استحياء ممزوجا بمرارة الجرح ، فى قصتها الأولى فى المجموعة (جروح الملح ) لتقدم صورة لامتلاك الرجل لروح المرأة ، فى حين أنها بالنسبة له مجرد محطة انتظار ، وبين هذا العشق من جانبها ، والإهمال من جانبه تبقى هى ( راهبة فى محراب ذراعيه ، تتبتلين على شفتيه ، ترتلينه حرفا حرفا ، جوقة الأيدى تردد معك مزامير الشوق ) هكذا يتحول المعشوق إلى معبود ، ينكر عابديه ، من خلال لغة بها خصوصية وشاعرية ، غير أنها ملتبسة بسخرية مبطنة خبيئة .. ( كريم هو فى وعوده التى لا تتجاوز اللحظة التى يطلقها فيها ) ثم تضفر السخرية ببلاغتها الخاصة ( لا يعلم أنك تنسجين منها ثوبا يستر ضياعك ) ثم تصل إلى أشد حالات الشوق الشبق ( تتأهبين لمواقعة ذكراه الباقية ) وحتى هذه تفشل فيها وتنتهى القصة بـ ( تضلين الطريق لغرفة نومكما ) هذه صورة من صور شديدة التعدد فى المجموعة ، لعلاقة الذكر بالأنثى ، عبر أنماط المرأة التى رصدتها المجموعة ، سنجد المرأة المشتاقة فى قصص ( قل لى أوحشتنى ـ خمس دقائق ـ عشرون خريفا ) ونجد صورة المرأة المعطاء فى ( غجرية ـ عفريتة ) وصورة المرأة المقهورة فى ( الشيخ الولى ) والمرأة الشاهدة لكل حالات العشق فى قصص ( ذات صباح فى جروبى ـ انتحار ) وصورة بهية للمرأة المحبة فى قصص ( فتفوتة ـ قل لى يا أحمد ـ رسائل غير منطوقة ) والمرأة المقاومة للحب الرخيص فى ( خمس دقائق ـ على الرمال ) وكذلك صور للمرأة المخدوعة والمرأة الأسطورية والمرأة المتسلعة الغبية فى قصة مثل ( أنف وفم ) فضلا عن قصص قليلة جدا خارجة عن الإطار العام للمجموعة مثل ( وللبحر شئون ـ نصف جنيه وقطعة حشيش ) ولكن هناك نموذج مغاير ، لأنه يصور المرأة فى حالة اشتهاء ، وقد نجت الكاتبة فى هذا النموذج من الوقوع فى شرك الشبق اللغوى ، فجاء الحدث دالا وموحيا ، فى قصتها التى منحت عنوانها للمجموعة "عندما تستيقظ الأنثى " لم تستخدم الكاتبة ضمير الأنا ، إنما استخدمت فى سردها الشخص الثالث (الهو ) تبدأ بقولها ( وقفت تتامل واجهات المحلات المخضبة باللون الأحمر ) لاحظ دلالة اللون الأحمر وتكراره ( دببة حمراء ـ ساحة موسكو الحمراء ـ قميص نوم أحمر ـ حمرة الخجل ـ تلال الأحمر ... ) هذا الاحمرار المتوهج ينتقل للساردة وهى تنتقل بين واجهات المحلات ، لترى الملابس النسائية المثيرة المدهشة ، ثم يدور صراع فى نفسها بين الأنثى والإنسانة ، حين ( تقع عيناها على قميص نوم حريرى مكون من قطعتين ، تشعر بالحرج ، ترقص المرأة التى بداخلها كى تشتريه ) تتذكر كلام خطيبها حول عدم أهمية الملابس لأنه ( سينزعها فى النهاية ) . قادت الكاتبة الصراع داخل المراة ببساطة وبراعة صراع الخجل والاشتهاء ، بين انوثة مؤجلة وأنوثة قادمة منتظرة ، تهاجمها بضراوة حين يبدأ ( دبيب النمل يسرى فى سائر جسدها ، يشعرها ببرد الرغبة المقبورة ......... يشتد دبيب النمل ......... تنزع القميص الأحمر .. ترتدى ملابسها الشتوية مرة أخرى ) تبدو رهافة اللغة دالة وهامة فى بنائية هذه القصة ، عبر بناء صراعات متوازية دقيقة بين الذات والأخر ، وبين الرغبة والواقع ، وربما هذا ما دفعها لتجعل الرغبة موازية للأنوثة فى معادلة غير متكافئة ( تحتاج دبا لتضمه إليها ، لتقاوم زحف جيوش النمل ) . ــ بين المشهد والبوح : تدور كثير من السرديات القصيرة بين رحى التقاط مشهد والبوح من خلاله أو البوح المجرد . واللجوء للمشهدية يكون ترسيخا لسلطان الحكاية ، بينما البوح يكون تكريسا لسلطان الفكر ووجهة النظر point of view وهذه المجموعة قليلا ما تلجأ للمشهدية ، ولا تتكأ عليها الكاتبة أسلوبا لتصوير معاناتها كأنثى فى هذه الحياة ، إنما تأتى المشهدية هنا خادمة لفكرة البوح ، فى قصة " غجرية " يترنح المشهد بين الواقعى والخيالى ، عارضا أنثى غجرية ترقص رقصة عنيفة ، امام حبيب أحبها ، وتزوج غيرها ، ويظل الاقتراب والبعد حتى ( ينهض ثائرا ، يدب الأرض معها يدور حولها ممسكا بخصرها ، يرتفع الضجيج ، تجذبه صاحبة الخاتم ، يدور حولها ) هنا صراع أنثوى على ذكر يرتفع الصراع ويشتد يحمل معنى النبل والعطاء حين ( يقع قلبه على الأرض ، تركع ، ترفع قلبه ، تضمه إلى صدرها بشوق ، تخرج قلبها ، تخيطهما معا ، تنسج منهما وشاحا ، تعطيه لصاحبة الخاتم ) القصة حدثية تعتمد لغة لاهثة ، [ حوالى 210 كلمة بها 56 فعل مضارع ، وفعلان ماضيان ] وذلك رغم الإطار المشهدى للقصة ، من خلال السرد المتسارع لحدث بدأ طبيعيا ، ثم تنحو به الكاتبة نحو الأسطورة بهدوء خادع ، إلا أن البوح كامن داخل إطار المشهد القصصى فى عناق سرمدى بين" الفكرى " و" الحدثى " لتمريرإحساس أنثوى بالغ وبليغ . إبراهيم محمد حمزة

Monday, April 12, 2010

كفافيس عاشق الإسكندرية


«
يا جميلة الأوليمب لا تتركى الإسكندرية» جملة بسيطة قالها كفافيس لكريستين فى «إيليت» كانت كافية لتقرر الصغيرة قضاء حياتها كلها - والتى قاربت التسعين عاما - فى الإسكندرية، وتشترى من أجله «إيليت»، وتجعله مذبحا مقدسا لكفافيس، تزينه بأقانيمه وصوره الخاصة على أمل استدعاء روحه فى أرجاء المقهى اليونانى الذى شهد أوج أيام الإسكندرية الكوزموبولتيانية التى صهرت كفافيس اليونانى الأصل، الإنجليزى الجنسية، المصرى الصميم فى روح واحدة لشاعر فريد رأى فى الإسكندرية «إيثاكا» خاصة به، فهى المنتهى والسدرة التى كلما رحل عنها نادته ليلبى النداء حتى النهاية لأنها كانت قوت الأمل الذى لولاه ما استطاع التغلب على رحلة التيه عودة إلى الإسكندرية الجميلة التى نالها الخراب:
(أنتَ لن تجدَ أرضاً جديدة.. ولا بحراً جديداً ستلاحقكَ هذه المدينة دوماً ستسكنُ فى نفس الشوارع..يشيب شعر رأسِك فى نفسِ المنازل سوف تنتهى هنا دائماً إنس أى مكان آخر. فأنتَ لا تملك سفينة ولا طريق وكمّا خرّبت حياتك هنا.. فى هذا الركن فهى خرابٌ أينما ذهبت.
وتصبح الإسكندرية مرادفا لاسم قسطنطين كفافيس الذى ولد فى 29 أبريل 1863 ورحل أيضا فى 29 أبريل من عام 1933، لتلتقى ذكرى مولده مع ذكرى وفاته، تماما مثلما اتحدت الآلهة مع البشر فى أشعاره. مولد وموت فى ذات الشهر وفى نفس اليوم -كما ذكر بعض أصدقائه - وكأنه دخل وخرج من نفس الباب فى نفس اليوم وكأنها إشارة إلى أن الحياة قصيرة وأن الانسان فيها تائه لا يتجاوز الفكرة التى عبر عنها كفافيس قبيل وفاته حين فقد القدرة على النطق فرسم دائرة وفى منتصفها نقطة على ورقة بيضاء. عشق كفافى الاسكندرية فلم يطق رؤيتها بعد وصول البرابرة عام 1882وتعرضها للقصف الذى شوه صورة الجميلة فرحل إلى القسطنطينية، ويبقى ثلاث سنوات تتبلور فيها ثقافته وشخصيته ليعود إلى الإسكندرية التى طالتها يد الدمار والإهمال. لم يطق أن يصور هذا التشوه فى أشعاره كما فعل لورانس داريل فى رباعية الإسكندرية والتى تجلت فيها الكثير من المشاهد تصف الحالة المزرية للشوارع والأحياء السكندرية. أما كفافيس وإن كانت الإسكندرية أيضا هى محور أشعاره فقد حاول الهرب من مشاهد الخراب. جاءت أعمال كفافيس تستدعى الأساطير والآلهة التى كانت لا تكتفى بمكانها العلوى، بل كانت تنزل، تتجول وتمرح مع البشر لتمتزج الطبيعتان معا، فتجىء فى قصائده الحكمة والعبث والرغبة والشبق متجاورات بلا تنافر:(وعلى مدى الزمن، ولكثرة ما لعبت دور ناركيسوس وهرميس، نضبت الدماء فى عروقى، وأصابنى الدمار.يا أيها المسافر، إذا كنت سكندريا فلن تلومنى. أنت تعرف حمية حياتنا هنا وما بها من عواطف متأججة وشبق بهيج. لم يكن كفافيس ملاكا ولكنه كان بشرا ينظر من نافذة بيته ويقول «أى مكان أجمل من هذا يمكن أن أستقر فيه؟ مكان للهو، وكنيسة للغفران، ومستشفى يموت فيه «وكل هذا وجده فى الإسكندرية وحدها حيث إلتقت فى نظره كل متع الدنيا وخلاص الآخرة على مرمى بصره. عاش كفافيس حياته ومات مستوحشا كل المدن، تائقا فى الوصول إلى المدينة المثل إلى «إيثاكا» البعيدة التى تهب روعة الترقب، وتمنح لذة المعرفة والاكتشاف لأشياء جديدة وخبرات متنوعة. كتب كفافيس عن الإسكندرية التى احتفلت به فى ربيع الشعراء، فكيف يكون هناك ربيع بلا شعر؟ وكيف يكون هناك شعر فى الإسكندرية بلا كفافيس؟ فى مكتبة الإسكندرية، جلس الجميع كلوحة من فسيفساء المكعبات التى كانت الإسكندرية أول مكان تنشأ فيه قبل أن تنتقل منها إلى باقى العالم الهلينستى لتشير إلى طبيعة الإسكندرية كمدينة متفردة قادرة على احتواء كل الأطياف والجنسيات، لا تصهرهم، بل تجعلهم يقفون معا، يشِّكلون لوحة واحدة متناسقة، وفى نفس الوقت تعترف بحق كل فرد فى أن يحتفظ بخصائصه التى يتفرد بها عن غيره. كان الجميع ينصتون لأشعار كفافيس، وأشعار أخرى بالعربية واليونانية، وفى كل مرة تنتهى قصيدة، تعلو الأكف بالتصفيق. رفيقتى اليونانية لم تكن تفهم العربية ولكنها طربت وهى تستمع إلى الشاعر الكبير عبد المعطى حجازى وهو ينشد شعرا عن أمه، فصفقت وهى تخبرنى أنها لا تفهم الكلمات ولكنها تشعر بالموسيقى الكامنة التى تتجاوز قيود الحروف. لم يكن مستغربا أن يلقى الشاعر الشاب عمر حاذق قصيدة يستدعى بها المتنبى بعربيته الفصحى بين جموع جاءت تتحدث لغة الشعر، اللغة الكونية الموحدة التى يفهمها الجميع، لغة كفافيس السكندرى الهوى والهوية
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1746.

Sunday, April 04, 2010

القراءة والكتاب المدرسى

القراءة والكتاب المدرسى
منذ زمن ليس بالبعيد كان الكتاب قبلة ومنارة لمن يريد المعرفة، وكان الحصول على كتاب يفوق أهمية الحصول على وجبة تسد جوع معدة لا تكف عن الطحن، وكانت القراءة هى الهواية التى إن سألت أحدهم عنها لأجابك بتلقائية:«هوايتى القراءة والرسم وكتابة الشعر والقصة». وتمر الأيام سريعا ويزيح التليفزيون الكتاب عن عرشه، وتنتشر الفضائيات كالسرطان لتجذب القراء الذين يستغنون عن كل حواسهم من أجل حاسة جديدة لذيذة ومريحة اسمها «موش هاتقدر تغمض عنيك». وتسأل نفس السؤال عن الهواية وتكون الإجابة هذه المرة «مشاهدة التليفزيون». ويتوارى الكتاب وتهدأ المطابع وترتد إلى عصر ما قبل محمد على ومطبعة بولاق. ومع ضياع قيمة الكتاب والقراءة ضاعت الكثير من القيم وتشتت معها الموروث القيمى الذى توارى خلف أفلام العنف والجنس المستوردة. وبالتدريج وبهدوء الثعابين ظهرت مجموعة من السلوكيات الطارئة لم تلبث كثيرا حتى تحولت إلى ظواهر مثل التحرش الجنسى والتطرف الدينى. وعلى التوازى تفشى نوع جديد من القراءة يمكن أن نطلق عليه «قراءة هروبية ارتدادية» أو «قراءة العدم» كتوصيف دقيق لحالة التملص من كل ما يتعلق بالحياة وشئونها، وارتباطها بالماورائيات أو الغيب كعذاب القبر أو المعجزات والكرامات للأولياء والقديسين كنوع من الهروب من المتناقضات المعاشة نتيجة انفتاح تام ومفاجئ على العالم دون أن يقابله انفتاح فكرى يمكن الإنسان من استقبال ثقافة الغير المختلفة بروح محايدة، فينتقى منها ما يتواءم مع بيئته ويترك ما لا يناسبه. لم يجد الشاب العربى من يأخذ بيده ليعلمه سياسة الانتقاء ويدربه على أن يكون مستوعبا لا مقلدا، منتجا لا مستهلكا، بل وجد نفسه فى موقف المتهم إن أخذ موقف المقلد لأشياء سطحية لم تتعد تسريحة شعر أو ارتداء ملابس الهيبز وغيرها مما هو بعيد تماما عن العلم والمعرفة والانتاج والتصنيع. وفى النهاية وقف الشاب صريع تطلعه إلى هذا العالم البراق وهو عار من موروثه وتاريخه وقيمه وفضائله، وبهت داخله مفهوم الخطيئة المزروع فى ضميره الفطرى. ومع تكرار حوادث العنف والتحرش ينبغى أن يكون هناك من يشغله شأن الشباب وهم شعلة المستقبل، ومن الأفضل أن تتولى وزارة التربية والتعليم هذا الدور فبيدها الآن بناء الوطن من جديد والعبور بأبنائه إلى شاطئ الأمان مثلما عبر آباؤهم قناة السويس وصنعوا تاريخ مصر الحديث فى 1973. من الممكن جدا بل من المنطقى أن تبدأ رحلة العودة نحو استعادة هوية شبابنا من أولى مراحل التعليم ومن خلال الكتاب المدرسى نفسه الذى جاء فى مقدمة الكتب التى يقرأها المصريون. فقد أشارت الإحصاءات الواردة فى التقرير:«ماذا يقرأ المصريون؟ «الصادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى، إلى أن حوالى 88% من الأسر المصرية لا يقوم أى من أفرادها بقراءة أى نوع من أنواع الكتب بخلاف الكتب المدرسية، وترتفع هذه النسبة فى الريف مقارنة بالحضر، أما الشباب الذين يقرأون فتستحوذ الكتب الدينية على النصيب الأكبر من اهتمامهم وذلك بنسبة 64.7%، تليها الكتب العلمية والتاريخية بنسب متقاربة 35.5% و34.2% ثم تأتى الكتب الرومانسية والقصص والشعر بنسبة 31.8% و30.7% لكل منهما بينما بلغت نسبة الكتب الدراسية 26.4%. والقراءة الإيجابية لما جاء فى التقرير، تأتى فى صالح الكتاب المدرسى وسكان الريف. فارتفاع نسبة القراءة بين سكان الريف ربما نفسرها بأن الكتاب ولو كان مدرسيا يمثل نقلة كبيرة وخطوة نحو الانتقال إلى حياة المدن البراقة التى يشاهدونها على شاشات التليفزيون وما تتيحه من خيارات نظيفة فى الملبس والمشرب ونوع التعليم. إذا فارتفاع نسبة القراءة فى الريف تأتى نتيجة رغبة عارمة نحو مستقبل أفضل مفتاحه الحصول على شهادة تلو شهادة، أملا فى الحصول على مؤهل جامعى كمسوغ للتعيين فى وظيفة بعيدا عن الأرض الزراعية وروث بهائمها، وكل هذا مرتهن بالكتاب المدرسى لا القراءة الحرة، وليس بحثا عن الثقافة فى حد ذاتها فما جدوى الثقافة وتنويرالعقل لو وجد الإنسان نفسه محاصرا فى الريف بالمرض والتلوث والعزلة؟ وخاصة بعد أن أصبح مفهوم الثقافة نفسها مبهماً غامضاً ومقصورا على ما تقدمه الفضائيات من قشور زائفة من المعارف من خلال برامج الصوت العالى والصراخ الذى بات سمة جاذبة للمشاهدين والمتابعين والمعلنين من أصحاب السلع الاستهلاكية. والسؤال المهم الذى يجب أن يثيره فعلا المهتمون بشأن بناء الإنسان المصرى خاصة والعربى عامة هو كيف يمكن استغلال الكتاب المدرسى لبناء الإنسان الجديد المستقبلى المتشبع بقيم مجتمعه؟ كيف نستثمر الكتاب المدرسى لننتج جيلا جديدا من المتعلمين المتشربين بقيم واحدة تصب فى خانة الوطن والمواطنة لا الطائفة والطائفية؟. كيف نُعلى من قيمة الكتاب المدرسى إلى الحد الذى يجعل الطالب يحتفظ به على أرفف مكتبته لا أن يمزقه ويدهسه بقدمه انتقاما بعد انتهاء الامتحانات؟. من المؤكد أن كل الإجابات ستدورحول الاهتمام بالمحتوى الدراسى وكيفية تقديمه، لا بكمية المعلومات التى يتم تكديسها تكديسا فى الكتاب الذى أصبح فى مفعوله ووقعه على نفسية الطالب مثل آلة التعذيب فى حجمه وطلاسمه التى لا تتماشى مع البيئة التى يعيش فيها الطالب، ولا مع خصائص المرحلة العمرية التى يمر بها، ولا مع كثافة الفصول الحالية. يجب أن تكون هناك أهداف واضحة ومحددة وثابتة ولسنوات قادمة للتعليم، توضع على ضوئها المناهج الدراسية مراعية الكيف لا الكم من أجل بناء توجه وفكر معين لدى المتعلم وهو المنتج النهائى، أوالمخـرَج المستهدف من عملية متكاملة لها مدخلات يجب الاهتمام بجودتها من أجل هذا المنتَج الفريد من نوعه، كمنتج من لحم ودم وفكر ومشاعر اسمه الإنسان.
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1745


Sunday, March 21, 2010

أديب الحى لا يُـقرأ

جاء فوز رواية «ترمى بشرر» للروائى السعودى «عبده خال» بجائزة البوكر العربية فى دورتها الثالثة خير برهان على أنه كما أن «زامر الحى لا يطرب»، فأديب الحى أيضا لا يجوز أن يقرأ له أحد من بنى وطنه، حتى لو اعترف العالم كله به ولو حاز جوائز الأرض كلها، ولا يجوز له أن يقوم بطبع أعماله داخل وطنه بل عليه اللجوء إلى دار «الكفر» لتقوم بالمهمة غير المقدسة، وذلك حفاظا على طهارة عقول العباد من دنس الفكر والمعرفة، ولكن يجوز القراءة من وراء ساتر مثل شبكة الانترنت بتحميل الإصدارات الكترونيا لتجنب ملامسة الكتب الورقية الناقضة للوضوء!
لم يكن «عبده خال» أول كاتب يتم منع أعماله فى بلده، ولن يكون آخرهم طالما بقى الأديب تحت رحمة رجال الحسبة الذى يخضعون الأعمال الأدبية لأحكام لاهوتية من تفسيرهم واجتهادهم هم أنفسهم، وتبعا لأفقهم الذى لا يتجاوز موضع أنوفهم. فالشاعر الدكتور «غازى القصيبى» لم يشفع له منصبه كوزير ليمرر قصائده دون تعرضها لقرون استشعار تلتقط النوايا والمخبوء فى الصدور، ولم تشفع له قصيدة «تذكرى» التى لو توقف عندها لكفته:
( تذكرى..أن الجرح عندما يتعب من البكاء /يبدأ فى الغناء/تذكرى..أن الذى يحب الله لا يمكن أن يكره البشر).
عبده خال وغازى القصيبى وعبد الرحمن منيف وطالب الرفاعى، جميعهم كتبوا عكس الاتجاه السائد ليخضعوا جميعا تحت طائلة «قضاء الحسبة» وبصورة مشابهة لما تعرض له الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى الذى تم الحجز على أثاث بيته لصالح من ادعى عليه بسبب ما كتبه قلمه، ومؤخرا الروائية «سهير المصادفة» التى وبعد أكثر من خمسة أعوام على صدور روايتها «لهو الأبالسة» اكتشف فجأة أحدهم أنها رواية «قليلة الأدب» لتقع الكاتبة تحت سيف شخص يحتاج خمسة أعوام كاملة كى يفهم ويدرك قبل أن يعبر عن رأيه وعلى طريقة «المغامرون الخمسة» الباحثون عن الشهرة بكشف اللغز أو الكنز المخبوء.
ومن عجائب الشرق، أن رئيس لجنة تحكيم هذه الدورة؛ القاص والروائى الكويتى «طالب الرفاعى» خضعت أعماله أيضا للمنع والمصادرة فى بلده، حتى العدد 59 من مجلة نزوى العمانية التى نشرت قراءة فى مجموعته «شمس» تم منعه أيضا من التداول وتمت مصادرته. ولذلك كان «الرفاعى» صادقا جدا فى الحيثيات التى أعلنها بصفته رئيس لجنة تحكيم هذه الدورة عن سبب فوز رواية «ترمى بشرر» بالجائزة بأنها: «استكشاف رائع للعلاقة بين الشخص والدولة»، وأنها « تعطى للقاريء من خلال عيون بطلها صورة حية عن الحقيقة المروعة لعالم القصر المفرط فى كل شيء»، وأنها «ساخرة فاجعة تصور فظاعة تدمير البيئة وتدمير النفوس بالمتعة المطلقة بالسلطة والمتعة المطلقة بالثراء، وتقدم البوح الملتاع لمن أغوتهم أنوار القصر الفاحشة فاستسلموا إلى عبودية مختارة من النوع الحديث.» تأتى هذه الكلمات على لسان طالب الرفاعى بالذات لا لتصف رواية «خال» وحده بل لتصف أعماله هو أيضا، وتنسحب على أعمال عبد الرحمن منيف الذى تعد روايته «مدن الملح» خير تجسيد لكل ما تحدث عنه «عبده خال» فى مجمل رواياته بما فيها روايته الفائزة. «مدن الملح» تلك الرواية المميزة وبمقاييس عالمية، لم تأخذ نصف حظ رواية «بنات الرياض» من الاهتمام المبالغ فيه من وسائل الإعلام العالمية والذى جاء بفضل تغير خانة النوع للكاتب من «ذكر» إلى «أنثى». إذن هو التوقيت الذى لم يكن فى صالح عبد الرحمن منيف ولا فى صالح طالب الرفاعى. وجاء أخيرا «عبده خال» ليغرد فى نفس السرب الذى نادى بإصلاح الأحوال ومواجهة العيوب بالتحدث عنها وإظهارها لا بإخفائها والتستر عليها، هذا السرب الذى مهد له منذ أعوام عديدة الشاعر والناقد والمفكر «محمد حسن عواد» المولود فى الحجاز عام 1906، عندما أصدر كتاب» خواطر مصرحة» عام 1927 تضمن عدة مقالات انتقد فيها الواقع الأدبى والاجتماعى وحال الوطن فى دعوة صريحة وجريئة للتغيير البناء من خلال الإبداع وتجلى هذا فى قصيدته «جنون الناقدين»: «وطنى أجهل أم سبات/ أم غباء ما اعتراك؟ لا حس عندك، لا حفيظة، لا تحرك لا عراك/ تجرى الحوادث فى رباك/ وأنت كالجسر الطريح/ ويهزك المتشردون فلا تضج ولا تصيح/ انهض بأهلك والبنين». وتمر السنون وينهض البنون ويأتى «عبده خال» من أقصى الجنوب الغربى للمملكة السعودية ومن منطقة جازان، ويبدأ النشر عام 1984بمجموعة قصصية (حوار على بوابة الأرض) الصادرة عن نادى جازان الأدبى، ثم مجموعتيه (لا أحد) و(ليس هناك ما يبهج) عن مركز الحضارة العربية فى القاهرة عامى86 ــ 1988. ثم تواصلت اصداراته الإبداعية متجها إلى الرواية بدءا برواية (الموت يمر من هنا) ثم (مدن تأكل العشب)، فرواية (الطين)، ثم (الأيام لا تخبئ أحدا)، و(نباح)، و(فسوق) وأخيرا روايته الفائزة بالبوكر (ترمى بشرر). ولكن خال اشتهر كروائى وليس كقاص، وبرواياته «فسوق» و»مدن تأكل العشب» و»الموت يمر من هنا» و» ترمى بشرر» التى واجهت بعض النقد وقت صدورها لتكرار أو تشابه المواضيع والعوالم فى رواياته، وبعدها عن الهم الذاتى المباشر وانشغالها بالحديث عن طبقة معينة بغرض جذب الانتباه. ورغم الجائزة التى حازها «خال» ورغم عمله كصحفى، إلا أن كل ماكتبه مازال ممنوعا، فهو يكتب فى وطنه وينشر خارجه ليعرف عنه العالم ويجهله من يقف على بابه، وإذا عرفه أشار إليه ناعتا إياه بصفات تنصب كلها فى أنه يشوه صورة «الوطن» بكتاباته التى خلع عنها برقع الحياء ليظهر عيوبا برع الجميع لأجيال فى إنكارها، ثم لم يجدهم الإنكار نفعا، لتتفاقم الصغائر وتتحول إلى كبائر توشك أن تتحول إلى كوارث على شاكلة «بحيرة المسك
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1743».

Thursday, March 18, 2010

الأدب واشكالية الآخر

تميز الأدب عن غيره من المجالات بمقدرته غير العادية على احتواء وتناول جميع المشكلات دون ازعاج البحث عن حلول لها. بل جاءت بعض الأعمال الأدبية لتتنبأ بأحداث اعتبرناها وقت ظهورها نوعا من الخيال الفائق، ثم ثبت بعد ذلك أنها كانت قراءات مستقبلية لما شهدنا حدوثه بالفعل، مثلما حدث مع جورج أورويل فى «مزرعة الحيوان» وإسقاطاتها وتنبؤاتها المتعلقة بالثورة البلشفية، وفريد معوض فى «أيام فى الأعظمية» واستشرافه لاحتلال العراق. والدوس هيكسلى فى روايته «عالم جديد شجاع» وبوادر تحقق نبوءته الخاصة بميكنة كل شىء، وطغيان المادة، وضياع قيمة الفرد والأسرة وانعدام الاختيارات فى انعدام تام لإمكانية أخذ قرار يخالف النهج الواحد المتتالى والمتشابه حتى فى شكل الوجه والجسم.
وكان من المفترض أن يكون الأدب مجالا تتساوى فيه كل الأجناس وكل الألوان، مادام أنه مجال لا يتعدى حدود الورق. ولكن من الملاحظ أن الأدب فى الكثير من أشكاله أصبح انعكاسا للعنصرية والتمييز فى صورها العديدة. وجاءت النظرة العنصرية من حقيقة الجهل بالآخر الذى ندرك جيدا أننا نجهله، ولا نجد أمامنا إلا اختلاق الصور والأخيلة التى تتناوله بمفهومنا وثقافتنا وأيدولوجياتنا المتنوعة والمختلفة والمغايرة لحقيقة هذا الآخر. بل لقد انساق المثقفون أنفسهم وتداولوا مسميات تصنيفية تُعد فى حد ذاتها تمييزا مثل مسميات الأدب الأنثوى، أدب الزنوج، أو أدباء الجنوب، أو الأقاليم على سبيل المثال لا الحصر. وداخل الأعمال الأدبية نفسها ظهرت شوفينية الأفكار والتوجهات. وكان الحال بالنسبة لصورة الشرقى أو العربى فى الأدب والفن أشد مأساوية حيث تم رسم صورة له من خلال أساطير وحكايا متخيلة على أنه الجشع، البدوى، زير النساء، راعى الجمال فى الصحراء. وتتجسد مقولة أفلاطون فى جمهوريته «أولئك الذين يروون القصص، هم من يحكمون المجتمع» لتتوالى الأعمال الأدبية تعكس النظرة الدونية للآخر «العربى» لتصوره على أنه الوثنى الهمجى فى الكثير من الأعمال مثل قصيدة «أغنية رولاند» وقصيدة «الخطايا السبع القاتلة) للشاعر (وليم دنبر)، و(كريستوفر مارلو) فى مسرحيّته الشهيرة (تيمورلنك العظيم ). ثم بعد أحداث 11سبتمبر أضاف الإعلام صفة جديدة ملصقاً به تهمة الإرهاب وتنعكس. بالتالى على الأدب والفن والفكر الغربى عامة، وعلى ألسنة كبار الرموز مثل توم كروز وأرنولد شوارزينيجر وريتشارد جير. ولكن الأدباء والمثقفين ممن كان لهم معرفة بالآخر العربى، لم يقعوا فى شرك ما تردده صحافة لا تعرف عن الشرق سوى ما تسمعه من جانب واحد ومعاد له . فالكاتب البرازيلى «باولو كويلو» عايش الشرق وخبره عن قرب فى زيارته للمغرب واقترابه من الثقافة العربية فعلا وقولا، ولذلك لم يستق معلوماته من الأفلام ونشرات الأخبار الغربية التى صورت الشرق على أنه «شرق الرعب»، بل قال متباهيا بتأثره بالشرق «ومن لا يحب الشرق يعنى أنه بلا قلب». وهذه المقولة تعبر عن الفارق الكبير بين من عايش ثم تحدث وهذا الآخر الذى يكتفى بتصور الآخر وفق ظروفه وأحواله.
وإن كانت هذه صورة العربى فى العيون الغربية البعيدة جغرافيا وثقافيا والتى لم يحدث بينها وبين المشرق العربى التحام حقيقى عن قرب، كان من المفترض أن تكون صورته فى الأدب الفارسى أو الإيرانى حقيقية أو على أقل تقدير واقعية بمميزاتها وعيوبها بفضل القرب الجغرافى والاختلاط التاريخى على مر العصور منذ الغزو العربى لفارس فى القرن السابع الميلادى, ولكن من الملاحظ أن الأدب الفارسى دأب على تصوير العرب على أنهم «البدو المتوحشين» الذين دمّروا حضارة ايران الساسانية. أو هم مجرد «حفنة من آكلى السحالى، الحفاة العراة الذين يقطنون الصحراء..» كما كتب ميرزا آغاخان كرمانى. وصادق هدايت، أشهر كتاب إيران المعاصرين يصف العرب بـ «المتوحشين» والقساة والمتعطشين للدماء والموبوئين والقذرين والبشعين وأصحاب «الجلود السوداء والمتخلفين». والروائى محمد على جمال زاده يصف العرب بـ «المتخلفين والقساة»، وسخر من شخصية العربى فى كتابه «الفارسية سكر» واصفاً إياه بـ « قطة بيضاء تقعد ملتوية على كيس من غبار الفحم». و تندر مستحقرا الجنس العربى قائلا: «العربى فى الصحراء يأكل الجراد مثلما يشرب كلب اصفهان المياه المثلجة».
والروائى صادق جوباك يرى العربى منافقاً ودميماً ومتوحشاً، ففى روايته «المصباح الأخير» يسخر من البصرة وسكانها العرب قائلا: «عليك أن تحترس فى البصرة وتحرص على أغراضك هناك. فحالما تدير وجهك يسرقك العرب، ليس هناك من لصوص أسوأ من العرب». والأمثلة كثيرة والنظرة الدونية العنصرية واحدة لدى الشعراء والروائيين الايرانيين والتى قد تبلغ من الحدة حد التطرف لتشمل الهجوم على اللغة العربية والدين المشترك والنظرة إلى العرب على أنهم الوحوش الغرباء المتطفلين الذين دمروا حضارة فارس .
وإن كانت صورة «الآخر» العربى فى الأدب الفارسى بمثل هذا المسخ والزيف، فمن غير المنطقى أن ننتظر من الأدب العبرى أن ينقل صورة براقة لنفس «الآخر» الذى لا يشترك معه فى لغة ولا دين ولا ثقافة. ولذلك جاءت صورة «الآخر» فى الأدب انعكاسا وامتدادا لحالة الاحتقان التى لم تنفرج منذ حرب 48 مرورا بنكسة 67. وكان من المنطقى أيضا أن يرى كل جانب فى هذا «الآخر» عدواً وقاتلاً محتملا، وجاء الأدب ليعكس أيضا كل هذا فى ما بات يعرف بأدب الحرب أو أدب المقاومة الذى ينطلق من خبرات شخصية حقيقية أو سرد تم نسجه على معطيات الصراع الدائر بين الجانبين
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر العدد1742.

Monday, March 15, 2010

صدور رواية “لم تذكرهم نشرة الأخبار/وقائع سنوات التيه” ل انتصار عبد المنعم





عن دار العصر الجديد بالقاهرة صدر للروائية المصرية انتصار عبد المنعم رواية جديدة بعنوان

“لم تذكرهم نشرة الأخبار- وقائع سنوات التيه”..قال عنها الناقد الأستاذ أحمد سماحة :الرواية تتبع مصائر أفراد أسرة مصرية من ملايين الأسر المهشمة

التي لا يتذكرهم أحد ،

فهم ليسوا لاعبو كرة أو ساسة أو أثرياء أو أصحاب نفوذ..

ولا حتي مجرمين لذا قبعوا في طي النسيان يحفرون مصائرهم بأيديهم

وغالبا ما يفشلون أو تتقطع بهم السبل..

وقائع وتفاصيل من سنوات التيه لأسره الشرقاوي

في فضاء مكاني امتد الي الإسكندرية والغردقة ، وجدة

رصدتها الروائيه بعمق ورؤيه ناضجة ووعي بفنية الرواية

وسرد يتسم بالسلاسة والشاعرية..

ورغم أن الروايه تعد الأولي للكاتبة التي أصدرت منذ عام مجموعتها القصصية

“عندما تستيقظ الأنثى”

إلا أن البناء الفني جاء متماسكا

ومدركا لأبعاد المكان والزمان ومصائر الشخصيات.


http://www.alyaum.com/issue/article.php?IN=13388&I=736217&G=1