Sunday, November 15, 2009

المثـقــف العربـــى "أيــن "و"مـــاذا"؟

كان من المنطقى أن نتساءل عن دور المثقف العربى فى الحياة الثقافية ونحن نشهد اقامة العديد من المؤتمرات والمهرجانات والمسابقات الأدبية . فمنذ أيام قلائل انتهى ملتقى القصة القصيرة وفاز فيه السورى باسم الشمالى بجائزة يوسف ادريس بينما ذهبت الجائزة الكبرى إلى القاص الكبير السورى «أيضا» زكريا تامر. ومن قبله انتهى المؤتمر الرابع والعشرون لاتحاد الأدباء والكتاب العرب دورة القدس فى الجماهيرية العربية الليبية ، وبعد عدة أيام قادمة ستشهد الأقصر مهرجان طيبة والذى سيحل عليه بابلو كويلهو ضيفا ، وبعده مؤتمر أدباء مصر الذى لم يستقر الرأى بعد على موعده ومكانه . وهكذا هنا وهناك مناسبات أدبية عديدة لم تعد تفرق كثيرا بين جنسية المشاركين فيها ، فقد اكتسب الجميع هوية واحدة وهى هوية الثقافة والأدب . ولذلك وعلى الرغم من الواقع الذى قد يظهر مساحة البون بين البلدان ، إلا أن هناك أقلاماً مازالت تكتب من أجل ترميم هذا الواقع مؤمنة بأن الثقافة من الممكن أن تكون حائط صد فى مواجهة حالة التشظى التى نعانى منها كشعوب ودول عربية وجدت نفسها فجأة وبدون مقدمات فى مواجهة عالم مفتوح على كل المستويات الفكرية والثقافية والاجتماعية.
ومن الأسماء التى آمنت بالامتداد الطبيعى للثقافة على رقعة الوطن العربى والتى سيجرى تكريمها فى مؤتمر أدباء مصر لهذا العام ؛ الروائى والناقد المسرحى ابراهيم جادالله ، الذى عمل كخبير للمسرح بجامعة الدول العربية عامى 82 و 83، ومستشارا للمسرح بمكتب وزير الثقافة اليمنى ،إلى جانب التحكيم فى كثير من التظاهرات الأدبية والثقافية عربيا ومحليا . له العديد من الأعمال الأدبية مابين مجموعات قصصية وروايات ودراسات نقدية جميعها تعكس رؤيته التى لا تعترف بالحدود فيما يتعلق بالثقافة والفن والأدب،بل إنه يؤمن أن فعل الكتابة نفسه «فعل مشاركة حقيقى نوع من أنواع زواج المشاعر والأفكار،ولو مؤقت آنى وسريع بين طرفين مختلفين ومتباعدين «»
فى كتابه «شدو طائر عربي» جمع باقة من الحوارات التى تناولت الكثير من القضايا الفكرية والثقافية والابداعية والفنية من وجهة نظر مجموعة من الأدباء والفنانين العرب مثل الكاتب المغربى محمد شكرى صاحب «الخبز الحافي» والشاعر اليمنى الدكتور عبد العزيز المقالح ، والفنان المسرحى التونسى المنصف السويسى ،والفنان المغاير مارسيل خليفة ، والروائى السعودى عبد الرحمن منيف ، والروائى الجزائرى واسينى الأعرج ، وأيضا الروائى يوسف القعيد الذى يصفه بأنه «من أبرز كتاب جيل الستينات فى مصر والمنطقة العربية ومن أكثرهم وعيا وفهما للواقع العربى وطموحاته ، نهوضه وسقوطه وانكساره وتحدياته «». ويجىء كتاب إبراهيم جاد الله «بيت من زجاج وحجر» ليعكس وبجلاء تلك الرؤية التى تتشبث بحلم القومية ، ولكن ليس بمفهومها العادى المنسحب على الجنس كعرب فقط ، بل يتحدث عن الثقافة الواحدة فى تجذراتها المتشابهة ، وفى ثمارها وتبرعماتها المتنوعة يضم الكتاب مجموعة من المقالات التى تتناول وكما يذكر الكاتب نفسه «»رؤى مغايرة عن أفكار عابرة ، تحاول استباق المألوف أو تجاوزه، وأخرى متجذرة تجذر اليقين».
يتحدث عن الثقافة واشكالياتها وعن المثقف الذى يصفه بأنه «مسكين ويكون أكثر مسكنة إذا كان مبدعا أديبا أو شاعرا او صحافيا» وذلك لأنه»أضعف حلقات السلسلة الثقافية التى تتكون من مبدع وقارئ ووسيلة نقل للإبداع»
وفى مقال بعنوان «سؤال الكتابة وخيارات الكاتب «يطرح الكاتب سؤالاً : « ما الذى نكتبه اليوم؟»مفرقا بينه وبين سؤال آخر لا يقل أهمية «ما الذى نكتب عنه؟» بعد أن حلل اتجاهات الكتابة ومقاصدها منتهيا برأى قد يراه كثيرون منطقيا ، بل ربما يكون هو الحل الوحيد لتقبل الرأى الآخر «ليس المطلوب أن يبحث الكاتب عن قضية كى يعتنقها ، ولكن من الضرورى ألا يتجاهل أو ينكر القضايا القائمة».
يتناول الكاتب أيضا قضية الرقابة على الإبداع والتى لا تقتصر على الرقابة الرسمية التى تمارسها بعض جهات القراءة والنشر بل تمتد إلى الرقابة الذاتية أو «الأهلية أى التقاليد والأعراف الدينية والاجتماعية»، وتناول أيضا ما أسماه «لغة الاحتراب ،والمدارس الأدبية» ليتحدث عن انتهاء عصر المدارس الأدبية المقولبة التى راجت فى الستينات من القرن العشرين وعن محاولة بعض الحداثيين استنساخ اتجاهات جديدة من تلك المدارس التى فقدت بريقها السابق.
لم تقتصر مساهمات الروائى ابراهيم جادالله على الاعمال الفردية أى التى يتصدر اسمه غلافها متفردا ككاتب يمتلك العمل ،بل لقد كان له سبق فتح طاقة العمل المشترك فى عمل واحد ،بل لقد تحدى حدود الجغرافيا التى نشأ رافضا لها منذ تشكل وعيه القومى ليكتب رواية «ايميلات تالى الليل» بالاشتراك مع الأديبة العراقية كلشان البياتى وذلك باستخدام تقنية الايميلات والعمل عن طريق التواصل عبر شبكة الانترنت التى أزالت كل الحواجز لتخرج الرواية المشتركة لافتة فى مضمونها وفى التقنية المكتوبة بها
مجلة اكتوبر العدد1725.

Wednesday, November 11, 2009

" اكتبــي فالكتابة عناقنـــا الأبـــدي!!


" اكتبي فالكتابة عناقنا الأبدي!!
"أن تكتب يعني أن تهجر معسكر القتلة " قالها كافكا وعشتها أنا. المدينة مليئة بالقتلة؛ قتلة الأحلام والطموحات، المدينة بلا قلب مثل سمكة قرش تنهش ولا مفر، فمن الشمال البحر ومن الجنوب البحيرة وعلى مد البصر يقف القتلة متحفزين لمن تسول له نفسه الهرب من تيه الأحراش .
كان لابد من الهروب والأبواب كلها موصدة . سجنوا الجسد فانطلقت الأحلام خلف الأسوار مع فعل "إقرأ" وكلما قرأ ازداد الجسد خفة واكتسب كيانا من أثير يعبر به فوق قيده الزماني والمكاني ليتجول في أركان الدنيا ، يبكي لموت ماجدولين وأوفيليا ، يفرح مع كوزيت وماريوس ، يقف خلف المتاريس مع جان فالجان ، يراقب شجرة اللبلاب وغصن الزيتون ،يطرب لعصفور من الشرق ، وهناك في أقصى الشمال يبحث مع فانكا عن قسطنتين مكاريتش ، يجمع مليون وردة حمراء مع آلا بوجاتشوفا ويستنشق عبير الزهور التي لا تنبت في أحراش المدينة المفعمة بالحزن . عندما رأى "حسن "أول قصة وعد بفتح أبواب السجن لأطير بعيدا ولكن حسن كان أول الخونة فقد مات ، وتبعته خيانات الرحيل العديدة لكل الأحبة ، ولكن مع كل رحيل كان هناك سطر ينقشه رسام الحروف في الذاكرة ليتحول بعد عمر إلى قصص وروايات . يعود الجسد إلى فعل "اقرأ واحلم " مرة أخرى، و في كل لحظة حلم ورحلة وعالم حر واسع حتى امتلأ النهر وأوشك على الفيضان ولكن أين عصى موسى لتعطي أمر الفيض بالكتابة ؟
وذات حلم جاء المخلص أخيرا وأشار إلي هامسا " اكتبي ، فالكتابة عناقنا الأبدي!"
فتح لي أبواب فراديس الروح ، أخيرا سيكون بيننا عناق ، أخيرا ستسري في تكويني حرارة كينونته بلا حدود ولا حواجز . توضأت بفيض نوره وامسكت بالقلم ، استعذت من سجن المدينة وبدأت أكتب وأقدم للبحر قرابين من خلجات ورؤى عوالم كانت مخزونة لسنوات عجاف عديدة . وبدأ فعل "اكتب" ينهمر . أكتبني غجرية وجيشا وعقيم وعفريتة ، اكتبني ما أشتهي ، أرسمني شقراء وسمراء وفتفوتة .أكتبه وأرسمه حنونا وقاسيا ، عاشقا وخائنا ،أوبحرا متيما . صرت حرة أخيرا ،أمسك القلم أينما ووقتما أشاء ،أستدعي كل الراحلين ، وأعدل من مصائرهم في مملكة الحروف المقدسة . أدركت حورية البحر أخيرا أن خلودها بين دفتي كتاب ، أن مجدها غزل لخيوط من أحرف . أدركت أنها منذورة للكلمة التي لن تقايض عليها أبدا ، تحجز بها مكانا تحت شمس تاريخ يدونه عجوز خرف معصوب العينين .
تكتب لأنها تدرك أن حروفها ستعانق الغائب جسدا الحاضر روحا وقلبا وبحرا .تكتب وتكتب عله يرى اسمها مكتوبا على غلاف كتاب أو صفحة مجلة فتعانق عيناه حروف اسمها . تكتب لتستوطن كتابا ربما تمسه أنامله يوما أو لربما يضعه على وسادته ليستقبل أنفاسه يمنحها بعضا من عمر فتعرف أنها على قيد الوجود في قلبه مازالت .
انتصار عبد المنعم
مجلة الثقافة الجديدة عدد نوفمبر 2009

Saturday, October 31, 2009

عن البهـجــة والكــآبة

عن البهجة والكآبة
يخطئ من يظن أن العيد يرتبط بالأحياء والحياة فقط ، ويخطئ من يظن أن السعادة لا تأتي إلا بين الأحبة والأصدقاء الأحياء في بيوتهم الفارهة المزينة بالستائر والديكورات ، وأصوات لعب الأطفال وأغاني ليلة العيد.
بل إننا لونظرنا إلى طقوس أعيادنا ، لوجدنا أن مظاهر الفرح والسعادة فيها ترتبط كثيرا بزيارة قبورالراحلين. ومعظم شعوبنا العربية متفقة بصورة أو أخرى على زيارة الموتى قبل الأحياء في صبيحة أول أيام العيد . تلتقي العائلات حول قبرالعزيزالراحل يؤدون طقوسا متشابهة تقريبا تلتقي جميعها في أنها تعبرعن تذكرهم للراحل وأنه ما زال بينهم . وفي أحيان كثيرة تكون زيارة القبور فرصة للتخلص من الكثير من الهموم يعود بعدها الزائرون وقد استراحوا وكأنهم وضعوا أحمالهم وراءهم تحت الأرض بصحبة ذويهم. وقد تكون الزيارة سببا في المزيد من الهم والحزن تضيع معها فرحة العيد المفترضة . فشكل القبر في حد ذاته قد يكون كئيبا قابضا للنفس لا يدل إلا على الفناء والعدم ، وقد يكون شكله مبهجا وكأنه جزء من حديقة عامة . وإذا تجاوزنا مقابر مثل الأهرامات، و توت عنخ آمون وحور محب وغيرهم ونظرنا نظرة سريعة إلى شكل المقابر والاهتمام بها ، لوجدنا أن هناك صلة وثيقة بين الثقافة السائدة في أي مجتمع، ومدى اهتمامه بالمقابر كمنزلة أخيرة ومنزل دائم للمنتقل من عالم إلى آخر .
فثقافة الصحراء التي تهيمن على الجزيرة العربية مثلا تعتبر القبرمجرد وسيلة للتخلص من جثة قابلة للتحلل والتعفن، ويبدو ذلك بصورة واضحة في مقابر مثل مقابر العود ، والنسيم في مدينة الرياض ، حيث لا يتعدى القبر كونه شق أو حفرة في أرض قاسية يلقى فيها المتوفي ، لا يميز واحد عن آخر ولا بلوحة عليها اسمه . حتى مقابر المصري المعاصر وعلى النقيض تماما من مقابرأسلافه الفراعنة الذين كانوا يهتمون بزخرفة مقابرهم والاعتناء بها ، أصبح الآن مجرد بناء أصم يعلو الأرض قليلا ، أو حفرة في أرض رملية وبعض نباتات الصبار التي تزيد من جو القتامة والكآبة ، أوغرف تختلف وضعية الراحلين فيها وتبقى الكآبة والقتامة ونباتات الصبار كعوامل مشتركة . وعلى الرغم من أن الموت واحد ، إلا أن هناك مقابر تبعث البهجة في نفوس زوارها عندما يرون الزهور والورود وشواهد البيوت الأرضية البيضاء منقوشا عليها أسماء الأحباء مثل مقابر الشاطبي بالأسكندرية ،حتى يخيل إليك أن أشخاصها يبادلونك الحديث من خلف الرخام الأنيق
وفي أمريكا والدول الأوروبية تبدو مناطق المقابر وكأنها متنزهات بكل الزهور والورود المزدانة بها حيث تختلف النظرة إلى القبر ليكون مكان إقامة ترتاح فيه أجساد الأحبة بعد عناء الحياة . ومن أشهر تلك المقابر مقبرة كنيسة الثالوث بنيويورك المدرجة ضمن المناطق المسجلة كأماكن تاريخية، حيث توجد جثامين أشهر الشخصيات التاريخية وسط بساط من الحشائش والزهور والأشجار . وفي مقابر العلمين حيث دفن جنود الكومونولث والألمان والإيطاليين نجد التباين أيضا . فما إن تدخل المبنى الخاص بمقابر الألمان ، حتى تشعر بالقشعريرة عندما ترى التوابيت الحجرية ذات الألوان القاتمة المائلة إلى الأسود أو البني الداكن ، فلا أثر للجمال هناك ، المشهد جامد خال من أي مظهر للجمال ، حتى في حجرة العبادة الصغيرة الملحقة لإيقاد الشموع وتقديم الهدايا الرمزية . ولكن الأمر على العكس تماما في مقابر الإيطاليين المشيدة على هيئة مبنى عال طولي ، يقود إليه ممر طويل محاط بسياج من الزهور والأشجار. وفي داخل المبنى الرخامي الأبيض تصطف رفات الجنود فوق بعضها خلف الحائط الرخامي ، لكل جندي قطعة خاصة به عليها اسمه وبياناته . وعندما توقع اسمك في سجل الزيارات الضخم ، تشعر وكأنك تكتب اهداءا لصديق على قيد الحياة يقف بالقرب منك ، لا ميت ساقه حظه لكي يموت ويدفن في صحراء بعيدة عن الوطن ويصبح ذكرى في كتاب تاريخ . ومن أجمل المقابر التي تبعث على البهجة في النفوس وتذكر بالوفاء والحب ، ضريح تاج محل الذي بناه الامبراطور المغولي شاه جيهان تخليدا وحبا لزوجته ممتاز محل ، والمحاط بالحدائق وأحواض المياه والممرات الخلابة المنظر التي تبعث البهجة والسعادة . وقد وصف الإمبراطور شاه جيهان نفسه هذا الضريح بقوله:
("إذا لجأ إلى هذا المكان شخص مثقل بالذنوب، فسيتطهر من ذنوبه، كالمغفورة له خطاياه. وإذا لجأ الآثم إلى هذا القصر، فستنمحي جميع خطاياه السابقة.") .
ومن المقابر التي تبعث نوعا من الراحة والهدوء والسكون في نفوس زائريها ، "مقابر البقيع" حيث يوجد خيرة صحابة رسول الله وبعض أزواجه رغم أنها مقابربسيطة جدا وخالية من أي زخرفة أو أي شئ دنيوي.
وتعد مقابر الأرقام من أكثر المقابركآبة وأقدرها على بث الحزن ، والتي أطلق عليها هذا الاسم لأنها تتخذ الأرقام بديلاً لأسماء الشهداء المقبورين فيها . وهي عبارة عن مدافن بسيطة محاطة بحجارة صغيرة الحجم وبدون شواهد، ومثبت فوق كل قبر لوحة معدنية تحمل رقماً معيناً، ولكل رقم ملف خاص محفوظ لدى الجهة الأمنية المسؤولة ويشمل المعلومات والبيانات الخاصة بكل شهيد و حياته مع السلطات الإسرائيلية التي لا تسمح بالزيارة ولا معرفة أصحاب الأرقام .
وتعتبر سياحة المقابر من أحدث الصيحات في عالم السياحة والتي بدأتها سان سالفادور بتنظيم رحلات منتظمة للقبور والأضرحة وخاصة في مدفن لوس ايلوستريس الشهير الذي يضم رفات العديد من الشخصيات السياسية ، والأثرياء ، والأدباء أمثال ارتورو امبروجي والشاعر البرتو ماسفيرير . وإن كانت القبور مكان سياحة من نوع جديد في سان سالفادور، فهي مكان إقامة دائمة ، ليس للميت فقط ، بل للأحياء أيضا ، حيث يشارك نصف مليون مصري من الأحياء موتاهم مكان اقامتهم الأبدية تخلصا من أزمة السكن التي جعلتهم يحبون ويتزوجون وينجبون ويحتفلون بأعيادهم وسط شواهد الأضرحة ، وعلى أصوات حفر القبور لا قرع الطبول.
مجلة أكتوبر العدد1723

Saturday, October 24, 2009

نحن أولاد الغجر!

نحن أولاد الغجر

اهتم الأدب والفن بفئات وطوائف من البشر همشتهم ظروف عديدة، منها ماهو متعلق بالتوزيع الجغرافي مابين جنوب وشمال أو مدن وقرى، ومنها ماهو متعلق بالأعراق والأجناس والطبقات. وغيرها من عوامل عديدة منعتهم من المشاركة الفعالة والتواجد الطبيعي في الحياة كغيرهم. بل إن الأمر -وفي كثيرمن الأحيان- تعدى حد الاهتمام ليتحول إلى اعجاب وافتتان بعوالم هؤلاء المهمشين كنوع من الإنصاف أو حتى التناول المحايد الذي يصورويبرز قضاياهم دون أخذ موقف محدد، ليجد القارئ أو المشاهد نفسه في موقف المشارك في العمل، لأن عليه هو نفسه تبني وجهة نظر خاصة به وحده دون تدخل الكاتب أو المخرج .من بين تلك الفئات، عالم الغجر الساحر المليء بالقصص والحكايات والأخيلة نتيجة جهلنا بخبايا عوالمهم ونشأتهم. فهم يعيشون دوما حياتهم الخاصة الغامضة على هوامش المدن في كل أنحاء الأرض كأبناء للتشرد وأولاد للرياح . وطنهم لا يتعدى خيمة ينصبونها في مكان ما لفترة يرتحلون بعدها إلى مكان آخر. يقاومون الحزن والفناء بالرقص والغناء كخبز يومي على موائد تخصهم وحدهم، فلا نصيب لهم على موائدنا، ولا يطمعون في موائد مَنٍ وسلوى سماوية تتنزل عليهم ، فسماؤهم مروج خضراء ممتدة، وجنتهم لا تتجاوز نعيم يوم ينقضي بلا جوع أو ملاحقة. الغجر أو النـَوَر هم أبناء الطبيعة والترحال الذين وعلى الرغم من النظرة السلبية التي ينتظرها الجميع إليهم ، فقد كانوا على الدوام مصدرا للإلهام والابداع للأدباء والفنانين الذين رأوا فيهم حبا للحرية والتوحد مع الطبيعة البكر بعيدا عن الجدران والقلاع متخلصين من سيطرة القوانين الأرضية والسماوية التى تفرض صور التعامل والعيش وشكل الزى على الجميع. فالغجر هم أنبياء أنفسهم وأرباب عوالمهم. ونحن نعترف لهم بهذا كله حينما نسلم أكفنا لضاربة ودع، عساها تخبرنا شيئا عن مستقبلنا المجهول. رأى الأدباء في حياة الغجر تحررا وحرية اختيار لا يملكونها، فإن جذبتهم حياة الغجر ليستمتعوا بها يوما أو يومين، فمن منهم لديه قوة الاختيار ليتخلى عن مجد الصالونات والبيوت المزخرفة ليعيش حياته بعيدا عن زخارف المدن الموشاة بالقوانين وافعل ولا تفعل، البس ولا تلبس، حرام وحلال، يجوز ولا يجوز، يمين ويسار، جنة ونار؟ . فالغجر هم أحفاد الانسان الأول الذي كان يجوب الأرض بفطرته السابقة للأديان والقوانين، والذى كان يعبر بجسده عن كل شئ عن السعادة والحزن، عن النصر والهزيمة. هكذا الغجرية ترقص إن فرحت وإن حزنت، ترقص إن أحبت أو إن أرادت انتقاما، ترقص لتخرج من حدود المكان والزمان تحتفى بالحياة، تعبر بجسدها وحده بلا خجل، فجسدها هو ريشتها وقلمها ، والرقص هو اللغة الوحيدة التى تجيدها. ومن هذا ارتبط تسمية أشهر فنون الرقص في أسبانيا بالغجر، وهو الفلامنكو الذى يحتوى على الغناء والرقص والعزف على الجيتار بالإضافة الى التصفيق الجماعي أو الفردى. وسواء كان الغجر هم من يرفضون الاندماج أو أن مجتمعاتهم ترفضهم وتلفظهم خارجها وتنظر لهم على أنهم مشردون ولصوص وخارجون عن القانون، فقد ولع الأدباء بعوالمهم، واقتربوا منهم تجذبهم الغجرية التي رأوا فيها عالما سحريا ذا نكهة ايروتيكية بجسدها الذى لم تروضه عادات وتقاليد الحضارة. وتبقى «كارمن» الغجرية خالدة فى رواية الروائي الفرنسي بروسبير ميرميه، ويبقى صوتها مغردا: أنا حبى كولد غجرى/ إن لم تحبنى فسوف أحبك/ وإن أحببتني فاحترس، بعد ان تحولت على يد الموسيقار الفرنسي جورج بيزيه إلى واحدة من أشهر الأوبرات العالمية. أما عشق الشاعر الإسباني فديريكو غارثيا لوركا للغجر فهو الأعظم ، فلم يسبق لشاعر عالمي أن أحبَّ الغجر وشغف بهم كلوركا .الذى عشقهم وأدمن أغانيهم و استوحى من إيقاع رقصهم ، إيقاعا داخليا للكثير من قصائده حتى ظنه بعض دارسيه أنه غجرى!. وبالنسبة لكتابنا العرب يجيء الكاتب أنيس منصور في مقدمة المهتمين بعالم الغجر بمقولته الشهيرة «لو لم أكن غجريا لوددت أن أكون غجريا». ويكتب «نحن أولاد الغجر»، ويحكى مرارا قصة فراره صغيرا من عقاب أمه ليعيش بين الغجر، ويحكى قصة حضوره جنازة ملكة الغجر الرومانية الأصل فى ايطاليا.ويكتب الراحل عبد الرحمن درويش ،الأديب السكندري عن الغجر في روايته «الإبحار فوق نهر جاف» ويذكر:(بنات الغجر لسن جميلات كما يشاع عنهن وإنما هن شهيات يتفجرن أنوثة رغم الشراسة التي تكسو ملامحهن». ومن الشعراء يجىء الشاعر الأردنى مصطفى وهبى التل المعروف بعرارالذى أغرم بالراقصة الغجرية سلمى، ولذلك كان من أشهر مَن وصف حياة الغجر .وفى السينما لا يبقى في الذاكرة غير «تمر حنة» الغجرية، الغزية الراقصة نعيمة عاكف عام «1957» بصورتها الحلوة الخفيفة لتعدل قليلا من صورة الغجر المحصورة في الحواة والقراداتية والسارقين وضاربات الودع والتي تناولتها أفلام تالية ظهر الغجري فيها دائما موضع شبهات وموضع اتهام إلى أن يثبت أحدهم العكس ، وهذا ما تعرضت له الغجرية ازميرالدا عندما اتهمت بممارسة السحر وكادت أن تشنق لولا الأحدب كازيمودو في «أحدب نوتردام»، وأيضا لا ننسى أبدا «ألان ديلون» فى فيلم «الغجرى» وهو يتعرض للمطاردات والملاحقات. ولكن ليس كل الغجر تمرحنة أوكارمن، وليس كل الأدباء لوركا. ويبقى الغجر فى عوالمهم، وتبقى الغجرية مثل حلم، مرتحلة فى البرارى وعلى الهامش، تكمل الجزء المفقود فى مخيلة الأدباء بما تثيره من دهشة متجددة لا تخضع للترويض

Tuesday, October 06, 2009

خبر في "اليوم" السعودية

اليوم الثقافي
العدد 13262 السنة الأربعون /الثلاثاء 1430-10-17هـ الموافق 2009-10-06م
انطلاقة فاعلة لانتصار عبد المنعم
عن دار نون للنشر والتوزيع صدر للقاصة انتصار عبدالمنعم مجموعة قصصية بعنوان « عندما تستيقظ الأنثي».المجموعة تعد الأولي للقاصة وتتضمن 28 قصة تتفاوت في الطول والتناول الابداعي وطرق السرد وتحمل عناوين مختلفة منها:«جروح الملح» «غجرية» «وثائق» «قرار» «حدث في رحم ما» «عفريته» «قل لي يا احمد» «خمس دقائق» «علي الرمال» «فتفوته» «هزيمة» «مريم وسيف» «طائرة ورق».القاصة نشرت العديد من أعمالها في الصحف والمجلات المصرية والعربية ولها رواية تحت الطبع
.
http://www.alyaum.com/issue/article.php?IN=13262&I=706454&G=1

دار اليوم للصحافة والطباعة والنشر/السعودية

Saturday, September 26, 2009

سأحـــدثـكم عـن نـــــدا

سأحدثكم عن نــدا!
مثل قطرات الندى صباح يوم صاف؛ هذه هي ندا. في العشرينيات من عمرها ، شقراء، رشيقة وتكتب القصة والخاطرة والشعر. لو توقفت عند هذه النقطة فلا جديد ، فهناك الكثيرات ممن يشاركنها نفس الصفات ولذلك لابد لي أن أكمل مستدركة ولكنها تمتاز عن باقي الشقراوات بميزة تخصها وحدها . فكل البشرعلى نفس الهيئة من أطراف وأعضاء ، أما ندا فقد خصها الله بساقين وذراعين مثل أجنحة عصفور قصيرة ، وأصابع صغيرة مثل براعم الزهور قبل تفتحها . جاءت ندا مميزة في وسط اجتماعي رغم ثرائه المادي إلا إنه لا يتحدث لغة الزهور ولا ينصت إلى تغريد الطيور . ولذلك عانت كل توابع اختلافها . عاشت ندا الحياة تفلح حينا وتخفق أحيانا كثيرة في تحمل قسوة النظرات ، وصعوبة التنقل من مكان لآخر وهي ترى النظرات تتابعها . وتسمع مصمصة الشفاة ، وتعليقات الناظرين المتابعين لكل حركة منها وهي تدبر أمرها دون معونة من أحد . وتمر السنوات ، وفي كل يوم يختصر الجميع وجود ندا في أطرافها المختلفة فقط . لم يفكر أحدهم يوما أن هناك عقل ومواهب وملكات تميز هذا العصفور الوحيد . حتى عندما ظهرت ندا ضيفة في أحد البرامج الشهيرة ، أعطاها مقدم البرنامج اللامع هديته الذهبية وهو يظن أنها تتوق إليها ، لا يعلم أن المال لم يكن يوما مشكلة لها ولا لأسرتها ، لا يعلم أن ندا تستمتع بشراء الهدايا لمن حولها وتمنح كل شئ عن طيب خاطر . اعتقد مقدم البرنامج أن مهمته انتهت فقد جعلها مادة ناجحه لبرنامجه ، وانتهى الأمر لتعود ندا إلى حياتها السابقة بأتراحها ، ولكنها الآن أصبحت أتراحا مغلفة بطبقة كلسية من خيبة الأمل في أن تحصل على اسلوب تعايش طبيعي مع من حولها الذين لا يستطيعون تجاوز نقطة اختلافها التي تجعلهم لا يرون فيها غير أطرافها الأجنحة .
تحاول ندا انهاء حياتها ثلاث مرات ، ولكنها في كل مرة تفاجأ بأن الحياة تتمسك بها . قضت عامين في دراستها الجامعية ، ثم توقفت فلم تعد تتحمل عذابات التنقل مشيعة بالتعليقات السخيفة . سجنت نفسها بين جدران منزلها . وتمر أربع سنوات عجاف على انقطاعها عن الدراسة . وفي يوم تلجأ إليها واحدة من قريباتها لتساعد ابنتها طالبة المرحلة الإعدادية التي لا تعرف القراءة والكتابة . فتبدأ معها ندا بإسلوب تعليمي فرضته عليها ظروفها المعيقة التي لا تمكنها من الكتابة على سبورة عادية مرتفعة . لم تدرك ندا وقتها أن الإسلوب التلقائي الذي اتبعته في تدريسها يعتبر من أحدث الاتجاهات التعليمية القائمة على ما يُـسمى بالتعلم النشط الذي يكون محوره الطالب الذي يقوم بنفسه باستخراج المعلومة وتحليلها واستخدامها وتدويرها في سياقات مختلفة . وهكذا نجحت ندا مع أول طالبة لتكرر التجربة وترى نجاحها يتكرر. ولكن الأمر ليس فيلما عربيا لينتهي عند هذا الحد بابتسامة يضعها المخرج على وجه الجميع . فندا تتعرض للإستغلال مثل غيرها ممن لهم ظروف مشابهة . فعندما تقرر الاهتمام بالجانب الأدبي لموهبتها وتذهب لصحيفة ما تُفاجأ بأن الصحفي يعرض عليها عمل تحقيق مصور عنها وعن حياتها اليومية وتنقلاتها متجاهلا أنها جاءت تتحدث بعقلها عما يدور داخله ، في حين أنه لا يرى فيها غير جسد مختلف يصلح ليكون مادة تحقيق ملئ بصور ندا عارضا إياها للفرجة في صحيفته ليحصل على موضوع يتيه به على زملائه . ويتكرر العرض عليها عندما تتواصل مع بعض البرامج الحوارية فيكون اللقاء المصورهو العرض المشترك والمتفق عليه بين الجميع ،فالجميع يريدون صورا للعرض.
المشكلة ليست مشكلة خاصة و الموضوع ليس موضوع ندا وحدها ، المشكلة تتعلق بكيفية التعاطي مع انسان له ظروف معيقة لم يكن له دخل فيها ولا مجال أمامه لتغيير قدره هذا. وفي نفس الوقت له مشاعر وأحاسيس تتعرض للخدش في كل لحظة ليقع تحت عبء اختلافه وعبء نظرات الإستهجان المصوبة عليه في كل لحظة. بعد لقائي بندا أدركت أن المشكلة تكمن في ثقافتنا الضحلة والمخزية في التعامل مع الآخر المختلف عنا في أي شئ سواء في الدين أو اللون أو الشكل الخارجي ، هو إرث ثقافة رجل الغاب الذي إن رأى عصفورا زاهي الألوان فلابد من وضعه في قفص للفرجة ؛ هذا إن لم يقتله . فعلى الرغم من المستوى الثقافي والمعرفي لأغلب من تحدثت معهم ندا إلا أنهم وللأسف لم يتجاوزا في تفكيرهم نقطة التعامل مع المظهر الخارجي لها . بل لو نظرنا نظرة سريعة إلى البرامج التليفزيونية ، سنجد أنها الآن تتبع اسلوب الإثارة والفرقعة في التعامل مع المشاهير.، أما فيما يتعلق بالبسطاء ، فهي تتبع إسلوب الابتزاز العاطفي للجمهور والتشهير بالضيف الذي يظهر وكأنه طفل الغاب ماوكلي العائد من الأدغال وهو تحت الأضواء التي يصر المخرج على تسليطها عليه وقت دخوله ومصافحته لمقدم البرنامج ، تغلبه مشاعر الدونيه والخوف ، ثم يسلطها عليه مرة أخرى أو بالأحرى يسلطها على عينيه التي يكتم فيهما دموع "الفضح" أمام خلق الله في حين أنهم يحسبونها دموع "الفرح "بهدية البرنامج الذي عرضه للفرجة على الناس في قفص ملون له صوت وأزرار وريموت .
أليس من حق ندا وغيرها ممن لهم مواهب وملكات في شتى المجالات أن نتجاوزنقطة اختلافهم المتعلقة بالجسد لنتعامل معهم بما يليق بجوانب تميزهم؟ أم سنظل ننظر إلى بقعة واحدة سوداء متجاهلين باقي لوحة أبدعها مبدع له في خلقه شؤون؟
تُرى ماذا كان وضع هيلين كيلر لو نظر لها مجتمعها على أنها الصماء البكماء العمياء فقط؟؟ من المؤكد أنها لو كانت لدينا في مجتمعاتنا العربية لكان مصيرها عتبة مسجد تتسول عليها
مجلة أكتوبر العدد1718 !!

Sunday, September 13, 2009

"فـــي انتظــــار القــادم" وتيمــة الرحيــل


"في انتظار القادم" ؛مجموعة قصصية ، جاءت كل قصة فيها كجرعة مكثفة،أوكدفقة شعورية مركزة و متماسكة تتمثل فيها مقولة يوسف ادريس "إن القصة القصيرة مثل الرصاصة تنطلق نحو هدفها مباشرة " فلا كلمة زائدة أو بلا عمل، فمن أول استهلال مع أول كلمة تظهر معالم اسلوب "محمد عطية محمود" السردي البعيد عن الحشو والترهل . فهو لا يقدم القصة الحدوتة، بل القصة الرمز، ولكن الرمز في قصصه ليس من النوع الذي يحيل إلى عالم الماورائيات المستحيل ، بل إلى عالم التوحد مع الذات أو الحنين إلى روح الأصالة المفتقدة لتأتي قصصه مثل نفحات روحية وجدانية ، وكأنما تفوح منها رائحة البخور الذي يعيد الانسان إلى عبق ذكرياته البعيدة التي تحدد هويته.
يقدم "محمد عطية محمود" في مجموعته القصصية لقطات لأوجه الحياة التي لا تستقر ، يبرز فيها لحظات حياتية بعينها تعكس فكرته أو تيمته الأساسية وهي أننا كلنا على سفر، ومن على سفرفهو كالغريب وإن طال مقامه فهو عائد إلى مكان اقامته الدائمة حيث تنجلي كل الأحزان. ولذلك لا توجد قصة واحدة يسودها استقرار بيت هادئ أو أسرة وعائلة مكتملة . بل جاء الفضاء المكاني الذي تدورعليه احداث قصص المجموعة ليشير إلى فكرة السفر أو الرحيل وعدم الاستقرار مثل ( شرفة ،باب، مقهى ، عيادة طبيب، درجات السلم ، غرفة العناية المركزة، شركة توظيف ،حوض السفن، القبور، الطريق العام، طريق ليلي،طوار المحطة ، عربة أجرة ،الترام ، ظهر دولاب ، حديقة عامة، سلم البيت ، رصيف ، مكتب مدير العمل ،ميدان محطة الرمل ،أو حتى لا مكان كما في القصة الأخيرة ). أما السفر فقد جاء أولا : بمعناه المعتاد كانتقال مكاني ، أو المغادرة من مكان إلى آخر في قصص مثل (شنطة حليمة ،صباح قباري المنور، مخيلة البهجة ،اختراق ،هوية ، وردية ،المروحة، توحد ،نصف حلم نصف روح ، تجليات الخفة ،هيستريا ،نظرتان ،مغادرة ) . وثانيا :هناك بعض القصص التي تتناول تيمة السفر كرحيل أخير عن العالم وتشير إلى شخوصها الذين على وشك عبور حاجز العتمة (غيبوبة ، فواصل ضيقة ،افاقة). وثالثا :هناك السفر الداخلي أو التوحد مع الذات عن طريق حلم ، أو استرجاع ذكريات بعيدة تحضن حنينا لعوالم دفء فائتة (شرفة ،غصة ، اشتهاء ،طقوس للرؤية ،العام الثاني والعشرون).
وعلى التوازي هناك الشخصيات التي تستعد للسفر والرحيل والذي يجمع بينهم صفة مشتركة ؛ أنهم من الصف الثاني من البشر.فالمجموعة تتحدث عن حيوات الشخصيات السنيدة أو الكومبارس الذين لا أمل أمامهم في تقلد سيف البطولة، فقد همشتهم الحياة وأصدرت حكمها عليهم بالاقصاء كأمر واقع ، ذلك في الوقت الذي لا تستقيم فيه الحياة بدونهم فأبطال المجموعة على شاكلة (رجل مسن ،حليمة العجوز، قباري الحمال أو العتال، فني الغلايات الذي يعمل تمرجيا ، صاحبة القطط الوحيدة ، باحث عن وظيفة ، أب مقهور ماديا ،عامل الوردية الليلية ، امراة عجوز، راكبي الترام من مراهقين ومشاغبين، بائعة الحلوى ، لاعب مضطهد ،رجل بلا مأوى ...) وغيرهم . وما يجمع كل شخوص المجموعة أيضا ، أنهم جميعا في حالة ترقب ، في حالة انتظار للقادم ، الكل ينتظر تبدل الحال وانفراج الأزمة وهذا ما يشي به عنوان المجموعة نفسها .
وفي تقديمه لشخوص مجموعته، يهتم القاص بتقديم الشخصيات تقديما كاملا متناولا البعد الجسدي لكل شخصية واصفا التكوين الجسماني والطريقة التي يتحركون بها، بل لم يترك تعريجة على يد، أو بسمة أو تقطيبة على وجه إلا ووصفها بدقة .اهتم أيضا بالسمت الاجتماعي للشخصية واصفا العمل الذي تمتهنه وظروفها الاجتماعية التي تعايشها لتتمثل مقولة هنري جيمس "تنجلي الشخصية في تلك الأشياء التي يختارها أو ينبذها المرء". ثم يمتد اهتمامه إلى البعد النفسي لكل شخصية يرسم ما تعانيه من طموحات وآمال واصفا ما تسببه حالة الانتظار والترقب من توترات أومن خيبات للأمل أو من تداع للذكريات. وإذا نظرنا إلى اختيار أسماء شخوص المجموعة كطريقة لرسم الشخصية ، سنجد أن القاص لم يهتم في أغلب القصص بالأسماء لأن الحدث هو المهم وهو البطل ، ولكن في بعض القصص جاء استخدامه للأسماء ذا دلالة فمثلا "شنطة حليمة" جاء اسم حليمة المشتق من الحلم ليعبر عن حال حليمة الصابرة والمسامحة والجلدة ولربما الحالمة أيضا بتغير الحال .
بل إنه في وصفه يسقط على الجماد الصفات البشرية يخلق به تناغما بين الجماد والانسان في علاقة غير منفصلة ، ففي حالة الحنين يتفاعل الجماد مع الانسان و تتداخل ماهيات الأشياء "يستفيق الترام من سبات قصير...تتثاءب عجلاته ..".(نصف حلم ..نصف روح)
وعندما يصف الكاتب كل هذه الشخصيات والبيئة المحيطة بها، فهو يبدو وكأن ملامحهم قد حُفرت في ذهنه أوكأنه يضعهم أمامه يرسمهم بفرشاته الملونة المحبة لكل شخصية ، فهو يكتب كما قال هيمنجواي "أكتب عما تعرفه". ولذلك جاءت شخصياته حقيقية وبالتالي فما يحدث لها ومنها واقعي وحقيقي أيضا ، مما يؤدي إلى التأثير في القارئ الذي يستجيب متعاطفا مع الشخصية أو كارها لها .
ومن النظر إلى لغة القص في المجموعة نجدها فنية حيوية تحمل دلالات واضحة لترسم الموقف بجانبيه الخارجي والداخلي في نظرة استبطانية عميقة. بل يبدو وبوضوح تعاطف القاص مع شخصياته بل منخرطا معهم . ويتضح ذلك في حرصه على تنوع مستويات السرد في المجموعة بل وفي القصة الواحدة ، فهو تارة يبدأ بضمير الغائب ثم يلجأ إلى ضمير المخاطب في تنقلات غير مقحمة تزيد من حميمية العلاقة بين الكاتب وشخوصه ، في حين جاء استخدامه لضمير المتكلم قليلا بالمقارنة بين ضميري الغائب والمخاطب .
بقيت الإشارة إلى قصتين "تسلل" و "العام الثاني والعشرون" ففي "تسلل"تتجلى مقدرة القاص الفائقة في رسم الشخصية دون التصريح بلفظ واحد صريح ،ومن خلال الحدث الصغير تنجلي القصة الكبيرة للمؤامرة التاريخية. وتأتي "العام الثاني والعشرون" بضمير المتكلم ذاتية الجرح والحنين للغائب بجسده الحاضر بروحه لتغلق دفتر الحنين الذي فتحه محمد عطية محمود ب"شرفة" وأغلقه ب"العام الثاني والعشرون".
مجلة أكتوبر العدد1716

انتصار عبد المنعم

Sunday, September 06, 2009

القصة والرواية ..حديث لا ينتهي

القصة والرواية ..حديث لا ينتهي
اهتم كتابنا الكبار بكتابة الرواية كجنس أدبي وجدوا أنه الأنسب كوعاء لأفكار وأحداث كثيرة لا تتحملها القصة القصيرة ، وامتلأت الساحة بالروايات التي تلقفتها وسائل الاعلام محتفية ومروجة . ثم جاء حجب جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة لعام 2007. ،وتم منح جائزة يوسف ادريس في القصة القصيرة للقاص العماني سليمان المعمري ، ليعتبره البعض أنه خير برهان على وفاة القصة القصيرة ،وأن مصر أصابها العقم لتنجب قاصا واحدا. وخرج علينا بعض المتطوعين ليعلنوا موت القصة القصيرة وأن زمنها قد ولى وراح مستشهدين بكتاب الدكتور جابر عصفور "زمن الرواية".
ومؤخرا ، عاد بعض الروائيين الكبارلكتابة واصدار مجموعات قصصية ،خاصة هؤلاء الذين ارتبطت أسماؤهم بجوائز كبرى مثل بوكر ، فالروائي مكاوي سعيد صاحب "تغريدة البجعة" التي وصلت إلى القائمة القصيرة ، أتبع روايته بمجموعة قصص قصيرة "سري الصغير" ،والروائي بهاء طاهر صاحب "واحة الغروب "التي نال عنها الجائزة أصدر أيضا مجموعة قصصية بعنوان" لم أكن أعرف أن الطواويس تطير" وغيرهما من أصحاب الأقلام المميزة .
وللعجب أننا نجد فجأة من يتحدث متحمسا معلنا عن عصر البعث والنشور للقصة المقبورة . ومع خالص احترامنا لكل كتابنا الذين تعلمنا منهم وتتلمذنا في مدارسهم ، فإنه من الغبن والظلم أن يقوم تاريخ القصة على أسماء بعينها ، إن هجروها فهي متروكة مقبورة ،وإن كتبوها فهي حية ترزق، ليصبح تاريخ القصة مرتهنا بما يكتب هؤلاء العظام المستأثرين بالاهتمام الاعلامي منذ شروعهم في كتابة أول سطر في الرواية وحتى انتهائهم من الكتابة لتبدأ مرحلة أخرى من الاهتمام على يد مجموعة النقاد التي لا تضيع تلك الفرصة في الكتابة عن الروائي المعروف أملا في بقعة ضوء تـُُسلط على أسمائهم هم . فأي مكسب سيجنيه الناقد من وراء اضاعة الوقت في القراءة و الكتابة عن قاص مغمور لم يعرف طريقه إلى زمرة المروجين للأصحاب والزملاء بنظام "واحدة عندك وواحدة عندي"؟
هل ضياع الاهتمام الاعلامي بالقصة القصيرة يـُعد مسوغا لإعلان الوفاة؟ وماذا عن كتاب القصة القصيرة من خارج دائرة الضوء القاهري القهري البارعين والذين تمسكوا بها على الرغم من كل المعوقات ،هل نستخرج لهم شهادات وفاة رسمية أيضا؟؟ فكتاب مثل محمد عطية محمود ويحيى فضل سليم وصلاح بكر اخلصوا للقصة القصيرة التي اتخذت شكلها المميز من البحر والساحل والميناء والرمال فكانوا مثل البحارة الذين لم يتخلوا عن سفنهم حتى وإن قال لهم القائلون أنها تغرق.وهل من الممكن أن يموت جنس أدبي استخدمه محمد حافظ رجب ويوسف ادريس؟؟
القصة القصيرة كانت متواجدة دوما ولكن في دائرة التهميش والاقصاء ،فالاهتمام بالرواية والذي تصاعد خاصة بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988، جاء على حساب القصة القصيرة التي لم تجد لها مكانا ولا جوائز مميزة ترصد لها ،في الوقت الذي ظهرت فيه النسخة العربية لجائزة بوكر في الرواية والتي أصبحت مطمح كل الآمال وقبلة الأبصار كل عام ،حتى بات جليا أن البعض يكتب روايته وعينه على بوكر بعد أن أصبحت نوبل بعيدة المنال ،والتي هي الأخرى انحازت إلى الرواية فلا يوجد- على حد علمي -من بين الحاصلين على جائزة نوبل واحد من كتاب القصة القصيرة ..
ولأن الرواية أصبحت الجنس الرابح خاصة لو تضمن قصة فضائحية أو بعض السباب أو بعض الخلافات العقائدية فقد تسابق الجيل الجديد من الأدباء تتوالد من بين أيديهم الروايات كالأرانب والفئران، لتظهر ظاهرة رواية لكل مواطن ، وشعار أفضل المبيعات للرواية التي لم يتجاوزعدد نسخة الطبعة فيها المائتي نسخة تم توزيعها على النقاد من المعارف ، والأصدقاء العاملين في مجال الصحافة الأدبية ليقوموا بدورهم في الترويج للإخوة الزملاء . فأصبحت الأضواء مسلطة على فئة معينة خدمها التوزيع الجغرافي ليكونوا في بؤرة الاهتمام القاهرية حيث تتواجد مقرات الصحف والمجلات وجلسات المعارف التي يتم فيها تحديد الأدوار وتوزيعها على الأصدقاء الذين بيدهم نشر قصة هذا أو الترويج لرواية يفكر فيها هذا الألمعي ، أو رحلة هذا الصديق إلى بلاد السند فاتحا ؛من أجل الصداقة والأمسيات المميزة التي تجمع المقربين فقط وتكون كفيلة بتعويض الناقص في الموهبة ذاتها ببعض الترويج الذي يرمم الجوانب المتهالكة في أي عمل أدبي كتبه شخص سعيد الحظ والطالع . وفي ذات الوقت ينصرف الاهتمام بعيدا عن الأدباء الذين ساقهم حظهم العثر والتوزيع الجغرافي الذي اصطلح على تسميته "الأقاليم" فحلت عليهم لعنات وتنزلت عليهم أوبئة التهميش ونظرات الاستعلاء حين يرسلون بأعمالهم إلى القائمين على الصفحات الأدبية في الصحف أوالمجلات الأدبية المتخصصة .بل ومما زاد من سوء طالع هؤلاء أن يتحالف ضدهم التوزيع الجغرافي مرة أخرى وهم يشاهدون كيف أن صحفهم تفتح صفحاتها للأصدقاء من قاطني بلدان بعيدة لا تتحدث العربية ليصبح لهم مكان مميز جاهز لنشر أعمالهم فور شروقها على صفحات البريد الالكتروني للصديق المسئول ؛فقط لأنهم يكتبون اسماءهم العربية القحة مذيلة بهذا النيشان "مقيم في ميونخ أو السويد" مثلا.
كنا نتندر يوما على هذا الأمر فجاء اقتراح وجيه على لسان صديق من"عزبة البرج" بأنه سيتلاعب ببعض الأحرف في اسم مدينته ليكتب أسفل اسمه "بطرسبرج"تلك المدينة الواقعة فى شمال غرب روسيا، حيث يتلاقى نهر نيفا مع خليج فنلندا على بحر البلطيق، بدلا من "عزبة البرج" الواقعة شمال دمياط على الضفة الشرقية لنهر النيل التعيس ،كحل أخير لمسألة عقدة الخواجة في ساحة النشر في الصحيفة ذائعة الصيت والسطوة ،ثم أخرج لنا من جيبه خريطة يوضح عليها أوجه التشابه بين جغرافيا بطرسبرج وعزبة البرج ، متعمدا لفظ اسم مدينته على وزن كلمة المدينة الأوروبية ، ونحن نضحك على طريقته وعلى فكرته الجديدة ، نكتم في قلوبنا دمعة متحجرة على واقعنا الثقافي المتأزم .
انتصار عبد المنعم
مجلة أكتوبر عدد
/5/9/2009/1715

Sunday, August 30, 2009

مقامـــات العشـــق في ديوان


مقامات العشق في ديوان
أجمل الشعر ما ارتبط بالوجدان ،ولا أبلغ من الشعر المستلهم من الحس الصوفي في التعبير والكتابة حيث تتماهى كل المعاني في مفهوم العشق كطريق يعبر به المريد ويرتقي من مقام إلى آخر أملا في الوصول إلى سدرة منتهاه وكل مشتهاه. وتتجلى تلك المعاني بوضوح في ديوان"ألم المسيح ردائي" للشاعرة فواغي القاسمي ،وهي شاعرة إماراتية تكتب القصيدة العمودية والتفعيلة والشعر الحر، لها مسرحيتان شعريتان"ملحمة عين اليقين" و"الأخطبوط "، و"أي ظل يتبعني" مختارات شعرية،و (موائد الحنين) ديوان . وتم عرض أعمالها المسرحية على مسرح دار الأوبرا المصرية .
تناولت في ديوانها ( ألم المسيح ردائي ) كل صنوف العشق بمفهومه الصوفي الذي يهدف إلى التغلب على الغربة التي يعانيها المريد منذ غربته الأولى عند خروجه من الجنة والنزول إلى الأرض،تلك الغربة التي أشار إليها ابن عربي بقوله :"إن أول غربة اغتربناها وجودا حسيا عن وطننا، غربتنا عن وطن القبضة عند الإشهاد بالربوبية لله علينا، ثم عمرنا بطون الأمهات فكانت الأرحام وطننا فاغتربنا عنها بالولادة"
في الديوان تتجلى نظرة الشاعرة للحب على أنه انعتاق الروح لتتحد مع المعشوق سواء كان رب العالمين الذي يمثل لها الحب اليقين وهو مهربها حين تشتد عليها الخطوب ، أو مع الوطن الذي تخبئه في حنايا روحها ، أو هذا المكان الذي مرت به وتركت به جزءا من ذكرياتها ، أو ذاك الرجل الذي أودعته قلبها العاشق الأنثوي، فثورة القلب حين يحب أليفه هي تماما ثورته من أجل حرية وطنه حين تُسلب منه قطعة لتصبح جرحا لا يندمل أبدا. جاء مفهوم العشق في الديوان كشئ أزلي يلف الواجد والموجود، فلا حواجز ولامكان ولا زمان، بل مقامات تتجاوزها أملا في الوصول . بدأت الشاعرة بالحب الأبدي السرمدي الذي يربط النقطة بالمحيط ، الذي يعيد الروح لتستقر عند منبع تكوينها ، الذي يعيد شعاع النور لمركز النور فيفيض ويشرق على الكون ، هذا هو الحب اليقين الذي تلوذ به في بداية ديوانها تطلب السلام " تسابيح القرب" ( أنت سبحانك لا تحصى بأعداد هباتك/ اجعل الكون سلاما لعباد هم تقاتك). وعندما يفيض عليها وعلى الكون سلاما تمسك قيثارة العشق والجوى تعزف أولى قصائد الحب الأزلي" ترنيمة عشق إلهية" (إلهي لقربك تشتاق نفسي / فقربك وصل ووصلك أنسي/ونورك وهج يضيء دروبي / يبدد خوفي وحزني ويأسي) .بل أنها تعاتب العلماء الذين يتدخلون في علاقة المريد بربه فجعلوا أنفسهم رقباء حتى على دعوات المحب لحبيبه في خلوته السرمدية حين لا يعي اللسان ما يلهج به؛
(علماؤنا يفتون بالتكفير/والتجريم.. والتحريم/ديدنهم ، كما دوما هم/سرد المآثم والوعيد/وكل ألوان العذاب/ويقينهم حتى الدعاء لبعضنا/بالنصر في ردع الأعادي/عن حياض ديارنا/كفر بدين محمد/يا للعجاب!!)
و تتناول الوطن وعلاقتها الوشيجة به خاصة عندما تتحدث عن جزء محتل "جف اليراع" و"طنب الجريحة" بل يتجلى الحس القومي عندما تتحدث عن فرقة الأمة العربية "قمم الضجيج".
و تظهر فيها حواء الرمز ، تظهر فيها المرأة العاشقة لآدم الرجل، تعشق كأنثى تهفو لصدر حبيب تأوي إليه روحها المشبعة بذرات الحب ، فتأتني بعض القصائد التي تشير لأدم الرجل في خفر العذارى، وبعضها تشير إلى المعشوق في المطلق دون افصاح جلي مثل "يا عذابي من غرامي"، و"شوق ولهيب"، و"غرام وشجون"، و"ما على الدهر ملام"، و"أرق الزمان لصبوتي"، و"محاكاة"، و"سلام سلام"، و"كم ليل العاشق ممتد!"، و"نجم العشاق.. حنانيك بمهجتي"، و"أعد لي قلبي يا سارقه"، و"عهود الغرام"، و"دع انعكاسك في ذاتي"، و"لا تسلني من أكون"، و"خلب الغرام جنانا"، و"زائري في ليلة صيف".
وتمضي فواغي عشقا و يقترن حبها لكل ما في الكون بألم يلفها روحا وجسدا ، هذا الألم الذي يغلفها كرداء لا تستطع الفكاك منه ( ألم المسيح ردائي) ، و تتقلب في الألم وهي ترى شماتة الفرحين بعذاباتها ، وتجور عليها نائبات الزمان فتستشعرها غصة في حلقها ؛ ( شيئان لا يقوى العزيزعليهما ...ظلم القريب وغربة الأوطان ِ/ما بال هذا الدهـر يثقل كاهلي... بكليهما و بقسـوة البهتانِ)
وتكثر المحن وتحيط بها ولكنها لا تستسلم بل تقاوم وإن كانت تلك المقاومة هي تلبس للعذاب :(فصنعت من جور الزمان قلادتي/ونسجت من ألم المسيح ردائي).
يظهر في الديوان التجانس بين المفردات المستخدمة والإيقاع السائد في القصائد ، نستشعر ذلك في التناغم الذي يتجلى كعزف سينفونية واحدة تعلو حينا وتهدأ حينا آخر ، فهي تسير ناعمة في حالة الوجد الصوفي ثم تثور وهي تتحدث عن الوطن السليب، وبين هذا وذاك ايقاع مختلط يتناسب مع موضوع كل قصيدة .
ربما نبع هذا التناغم من تنوع الأوزان التي استخدمتها الشاعرة التي تنقلت بين الرمل والكامل والمتقارب والبسيط والمتدارك والوافر ، وأيضا اسلوبها البسيط غير المتكلف في التعبير ونحت صورها الشعرية الخاصة بها والتي تسير على نفس النهج الروحي الصوفي من أجل الترقي إلى حيث مصدر النور السرمدي
مجلة أكتوبر العدد1714

Thursday, August 27, 2009

"ســري الصغيــر" محاولة لاستعادة العمر المسروق.


بعد أن أصدر مجموعته القصصية الأخيرة " سري الصغير" قال الروائي مكاوي سعيد أنه كتب قصصها في فترات متقطعة تخللت كتابته لرواية "تغريدة البجعة" .
ولذلك جاءت قصص المجموعة كفترات استراحة يمنحها لنفسه كي يلتقط أنفاسه مسترجعا و مستوحيا فيها مرحلة الطفولة ليخلق نوعا من التوازن يواجه به هذا العالم المكتظ بالمشاكل والذي تناوله في روايته الأخيرة .
وإن كانت المجموعة تحمل اسم "سري الصغير" ، إلا أنها لم تتضمن سرا واحدا صغيرا ،بل جاءت تحمل أسرارا متفاوتة ومتنوعة لشخصيات لاذ بها السارد كي يقاوم استلاب مرحلة الطفولة الحافلة بأحداث وأشخاص يتحدث عنهم بحنين يرمم به الفجوة الفاصلة بين مرحلة الكهولة والشيخوخة ، حين لا يجد الانسان أمامه غير الارتداد إلى مرحلة بعيدة تصرف ذهنه عن حقيقة العمر المسلوب . أراد الكاتب العودة إلى المرحلة التي من الممكن أن يبدأ منها أي انسان بداية جديدة ولا يشعر معها "أن العمر سرقني"كما قال مكاوي نفسه .اختار الكاتب الشكل القصصي البسيط لسرد حكاياه في اسلوب سلس يتماشى مع عمر السارد. وجاءت أغلب قصص المجموعة بضمير المتكلم على لسان السارد في مرحلة الطفولة و مرحلة المراهقة لتتداعى ذكريات مرحلة الطفولة بأحلامها الصغيرة ورؤيتها الخاصة لأمور قد يراها الكبار تافهة لا تستحق التوقف أو الإلتفات إليها .
في كل قصة سر من نوع ما ، ولكن من الممكن وضع كل الأسرار ضمن قائمتين ، واحدة خاصة بأسرار الصغار وأخرى بأسرار الكبار . جاءت أسرار الطفولة بسيطة بريئة مسالمة لا تتجاوز خطابا عاطفيا لابنة الجيران ، أو رغبة صبيانية لمراقبة راقصة ، أو مراقبة فتاة من نافذة .
وعلى النقيض نجد أسرار الكبار بعقدها وتأزماتها والتي تكشف زيف الكبار واجادتهم فن اخفاء عيوب الداخل أو الجوهر ببريق المظهر كما في قصص"السني ،و غرفة لم يدخلها رجل" .
وفي قصة "المهرج " كان السر مرض مميت لا تعلمه المريضة ، وفي " يوم فاصل في حياة فخري كامل، و "انشراح" تتجلى أسرار الكبار المترعة بالظلم والزيف والألم .
ومن اللافت في قصص "أخت حبيبتي"و"تلصص " أنه يسرد فيهما عمرا كاملا مرعلى الجميع ، يحكي السارد بلسان مراهق في السادسة عشر ،حبيبته كبرت وتزوجت وأخت حبيبته ماتت ، ولكنه لا يعترف بالعمر الذي مر عليه هو نفسه ،يتمسك بمراقبة عوالم الآخرين راصدا ما فيها بعين الطفل الذي لا يكبر في الوقت الذي تكبر فيه كل شخوصه وتأخذ خطها المرسوم في الحياة.
وفي "الشال الأبيض الحرير والشال الأسود الصوف" سيرة حياة كاملة مابين بياض الطفولة وارتباطها في ذهنه ببعض الأحداث والتي انتهت مع دفن أخيه الطفل في الشال الأبيض لتبدأ رحلة المعاناة في المدرسة والحياة .الشال الأبيض الحريري المزخرف الذي كفن فيه الأب طفله الذي لم يتجاوز العام من عمره ، يليق برحلة الموت البيضاء بعيدا عن هموم الحياة وأرقها ، يدفن الشال الأبيض فيتعرى عنق الأب يتلقى عليه صفعات الخطوب التالية والتي ستورثه شالا من الصوف الأسود يليق بسحب المعاناة والقهر التي ستغيم علي حياتهم فيما بعد . وعندما مرض الطفل السارد،أحاطه الأب بالشال الأسود الذي تفوح منه رائحة عرقه ؛ قمة التراجيديا ، يكفن الميت في الحرير الأبيض ، والطفل الحي يكفن في الأسود لتعود إليه الحياة ،وقد عادت بالفعل لتكون المكافأة ثمرة من فاكهة القشطة التي ترمز في تكوينها إلى تعانق الموت والحياة ، بياض شاهق يضم سواد قاتما . فما يؤكل منها فصوصها البيضاء الشهية ،ولكن عليك التخلص من البذور السوداء المختبئة في رحم تلك الفصوص أولا . رحلة حياة كاملة لم يتخل فيها السارد عن مفرداته البسيطة التي وإن كان يستدعي تلك الذكريات بعد أن تقدم في العمر ، إلا أنه يصر على تقديمها من خلال نظرة هذا الطفل أو المراهق الذي لا يفهم ما يجري حوله من طقوس للموت أو للحياة . لا يعترف أن استلاب العمر شيء قاس لا يمكن تداركه إلا بتلك الطريقة المراوغة التي اتبعها الكاتب عندما أخذ قرارا مصيريا بأن يقاوم كل هذا الاستلاب باستدعاء تلك المرحلة على الورق .
وفي قصة " عم حسن الذي لا يبيع ولا يشتري" يظهر السارد أكبر سنا من خلال الوصف الدقيق للفضاء المكاني الذي تمر عليه أحداث القصة ليتجلى مكاوي سعيد كاتب السيناريو. في هذه القصة سيناريو كامل للمشهد وكل ركن فيه ، يصف بالتفصيل المكان والشخصيات الرئيسية . ويهتم اهتماما كليا بالخلفية المصاحبة من أصوات وصور ، يصف طريقة سير الرجل العجوز ونظارته وتعبيرات وجهه ، يصف الشارع والتغييرات التي طرأت عليه ، يعطي وصفا تفصيليا للمحل وخطوط العنكبوت به والتليفون العتيق وعلب اللبن الفارغة والأرغفة السوداء، يصف الأولاد بصخبهم عند الإنصراف من المدرسة وكيفية انتظامهم في صفوف من أجل اغاظة العم حسن العجوز، ويحدد طريقة دخولهم إلى فضاء القصة المكاني والزماني وترتيب دخولهم وخروجهم ، ولا ينسى حركة السيارات في الشارع والأصوات الصاخبة .
وتأتي قصة "عالمي وعالمها " لتغلق دائرة تداعي الذكريات والحنين إلى الماضي ، هنا كبر السارد رغما عنه واستسلم لحقيقة استلاب العمر عندما واجه الحاضر الذي لا يعترف إلا بشهادة الميلاد الرسمية لا تلك المجمدة في أذهاننا عند لحظة فائتة .فلا مجال لتقابل عالمين مختلفين تماما مثلما لا مجال الآن لسيارة الفولكس العتيقة أمام الرولزرويس.
ورغم كل الاسرار التي أفشاها مكاوي سعيد في مجموعته هذه إلا أنه تركنا أمام السر الأكبر ؛وأقصد هذا الإهداء الذي جعله اعترافا بحبه لرفيقة دربه الطويل !!!
مجلة أكتوبر العدد1711

Saturday, August 22, 2009

علاء الأسواني ودوق داركور!!


علاء الأسواني ودوق داركور!!

تُرى ما أهمية التنويه عن المقدمة الجديدة على غلاف تلك الطبعة من كتاب علاء الأسواني"نيران صديقة" والذي ضم رواية قصيرة ومجموعة قصص؟هل ستمثل المقدمة عاملا اضافياً لرواج الكتاب الذي يتصدره اسم علاء الأسواني الغني عن الدعاية والتعريف؟
هل أُريد من التنويه عن المقدمة الجديدة أن تكون حافزا للقارئ كي يقرأ ويكتشف ما الذي دفع الكاتب ليفصل ماذكره مجملا في المقدمة السابقة والمدرجة أيضا في نفس الطبعة؟.
جاءت المقدمة الجديدة في ثلاثة أجزاء بدأها علاء الأسواني تماما كما بدأ رواية شكاجو من قبل، فهو بدأ شيكاجو بمقدمه سردية تاريخية عن أصل كلمة شيكاجو وذكر شيئا عن تاريخ المدينة كتوطئة للفضاء المكاني الذي ستدور عليه روايته . وفي مجموعته "نيران صديقة"بدأ بتاريخ وملابسات أول عرض سينيمائي في العالم وفي مصر ليوضح كيف مر وقت ليس بالقصير ليدرك المشاهد أن ما يراه أمامه معروضا لا يتعدى كونه صورة معكوسة على شاشة من قماش ، ليربط بين محاولة الالتباس التي كانت في ذهن المشاهد وقتها ، وحالة الالتباس التي تتولد في ذهن القارئ للأعمال الأدبية حين يسقط أحداثها على الكاتب نفسه وهذا ما أوضحه الأسواني بقوله "..لكن بعض قراء الأدب لا زالوا بكل أسف ،حتى اليوم ،يمارسون نفس الخلط بين الخيال والواقع ...هذه المشكلة عانيت منها كما عانى روائيون كثيرون.."
اشتمل الجزء الثاني والثالث من المقدمة على تاريخ شخصي لفترة من حياة الكاتب بعد عودته من بعثتة الدراسية في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينات وبعض اللقطات من حياته كطبيب للأسنان نهارا ، ومن حياته الليلية كأديب أو ما أطلق عليها ""حياة الأديب الحرة المتخلصة تماما من كل القيود الاجتماعية والأحكام المسبقة ".
يعرفنا على محمود تريبل ؛الشخصية الحقيقية لبطل روايته "أوراق عصام عبد العاطي" ثم معاناته مع موظف لجنة القراءة الذي طلب منه كتابة استنكار للأفكار الواردة في روايته، والآخر الذي طلب حذف فصلين من الرواية .وفي نهاية المقدمة المفصلة والتوضيحية يقول الأسواني :
"هذا تاريخ الرواية التي بين يديك ،أحببت أن تعرفه قبل أن تبدأ القراءة ، وأنا واثق أن معظم القراء سيتفهمون أن الشخصيات الأدبية تمتلك وجودا مستقلا عن المؤلف ..أما الذين سيحاسبونني على آراء البطل ويعتبرونني مسئولا عنها ..فسوف أكرر عليهم باحترام ماقاله صاحب السينما الايطالي ديللو استرولو جويوما للمشاهدين :هذه الشاشة ليست سوى قطعة من القماش تنعكس عليها الصور......"
بعد مقدمة كتلك يحق لنا أن نسأل عما أضافته لنا كقراء وهل أثرت الطبعة الجديدة بالفعل؟
فعلاء الأسواني الذي يسخر من كتابته لاستنكار تلبية لطلب موظف لجنة القراءة في الماضي ، يعود اليوم وبكامل ارادته ليكتب صيغة بالغة الأناقة يتبرأ فيها من أفكار عصام عبد العاطي ،آخذا دور الأستاذ المعلم في توجيه القارئ الغبي الذي يمارس حقه الطبيعي في التوهم والتخيل والاسقاط لأي عمل أدبي .وبهذه المقدمة التعليمية الارشادية ، قطع علينا الكاتب متعة التخيل التي يعطيها الأدب بمحاكته للواقع مازجا إياه بالخيال ، لقد حرم القارئ فرصة التوهم اللذيذ الذي أشار إليه نفسه بقوله في المقدمة" إن جزءا كبيرا من متعة الأدب يرجع إلى أنه يمنحنا سلطة الخيال ،إننا نستمتع بتخيل أحداث الرواية وشخصياتها كما يحلو لنا وهذا التخيل لا يحدث بدون الإيهام".
وبذلك جاءت المقدمة كورقة أخيرة أنهت اللعبة مبكرا جدا وقطعت طريق الفكر لدى القارئ والذي من المفترض أن يكون حرا في تأويله لما يقرأ .فطالما خرج العمل الأدبي من بين يدي المؤلف وتم نشره ،فلا سلطان له بعد ذلك ليمارسه على المتلقي. أما علاء الأسواني فقد فعل تماما مثلما يفعل منتجو الأجهزة الكهربائية حين يرفقون كتيب الارشادات مع منتجاتهم موضحين طرق الاستخدام ، محذرين من الاستخدام الخاطئ وما يسببه من ضرر.
ثم تجيئ الرواية نفسها والتي بدأها الأسواني بشئ من التفكيك أو الهدم لمقولة مصطفى كامل كمثال للمسلمات والأفكار المقولبة سابقة التجهيز . أي وكأنه يقول للقارئ اخلع عنك أفكارك السابقة ، فأنت في حقبة جديدة لا ينفع معها المقولات السابقة ولا القالب الواحد الذي يجب أن نكون جميعا على نفس مقاسه .أي أن الرواية بدأت من نقطة اللاعودة أو من النهاية فعلا لتبدأ بعدها نقطة خروج العفاريت الصغيرة .
وإذا ما قرأنا الجزء الأول للرواية نتذكر على الفور دوق داركور الفرنسي الذي زار مصر ذات شتاء كتب بعده كتابا عام 1893هاجم فيه مصر شعبا وعادات ودين وكل شيء ،هذا الكتاب الذي استفز قاسم أمين وألزمه الفراش عشرة أيام قام بعدها ليكتب بالفرنسية كتابا يرد فيه على آراء دوق داركور ويفندها واحدا تلو الآخر. يتحدث عصام عبد العاطي بلسان دوق داركور ، ويجيء دفاع صديقته الألمانية-المتوهمة - كمتحدثة بلسان قاسم أمين وهي تتحدث بافتتان عن مصر.فهل هناك مغزى من تناص الرؤى ما بين دوق داركور وما جاء في الرواية ؟؟؟ فدوق داركور كتب عن مصر بعد زيارة لها، وكتب علاء الأسواني "أوراق عصام عبد العاطي"بعد عودته من الولايات المتحدة .
وكما هو معروف أن عنوان أي عمل أدبي يمثل أهمية كوحدة نصية موازية للعمل الأدبي يأتي عن وعي الكاتب بأهميته كعتبة أولى لعمله الأدبي ، وفي كون العنوان أول ما يرى القارئ وآخر ما يكتب الكاتب .
ولذلك إذا أرجعنا العنوان "نيران صديقة"كدلالة ما يريدها الكاتب ،خاصة أن العنوان لا تحمله أي من الأعمال المدرجة بالكتاب، نجد أن علاء الأسواني بالعنوان يشير إلى القسم الأول من روايته وكأنه تحذير لطيف يقول فيه لا تخشوا شيئا فالنيران التي سأفتحها عليكم بعد قليل هي نيران محلية الصنع ،وطنية المنشأ ،فهي نيران صديقة ليست أجنبية مثل نيران الدوق الفرنسي . فمن غير المقبول أن يأتي النقد من غربي مثل الدوق الذي لم ير غير الأطفال "ذوي الأطراف الهشة " و"البطون المتكورة" ولكن أوراق عصام عبد العاطي مصرية مائة بالمائة فلا ضير إذا .وعندما يقول عصام عبد العاطي " كان الفراعنة أمة عظيمة حقا ولكن ما علاقتنا نحن بهم؟ نحن نتاج مشوش فاسد لاختلاط جنود الفاتحين بالسبايا من الرعايا المهزومة" ، يتبادر إلى ذهننا فورا مقولة الدوق الذي رد عليه قاسم أمين قائلا" ..ومن المؤكد أن المصريين المسلمين الذين نراهم في المدن وخاصة في الريف ،ليسوا من نسل العرب ،وليسوا عربا إلا باللغة والدين ..."
وكلما قرانا نجد تناصا فكريا يكاد يكون كاملا بين "عصام عبد العاطي" وما كتبه دوق داركور ورد عليه قاسم أمين في كتاب "المصريون "بالفرنسية عام1894. أما عصام عبد العاطي فقد عاقبه علاء الأسواني بالجنون كرد عاقل على تمرده على ثقافة النسخة الواحدة المكررة للأفكار سابقة التجهيز

مجلة أكتوبر العدد1713 .

Saturday, August 15, 2009

"الصرخة"مابين كرم النجار وأم الرجال!!

"الصرخة"مابين كرم النجار وأم الرجال!!

حينما سألوها أيهما أهون ، العمى أم الصمم ، أجابت هيلين كيلر:العمى أهون لأنه يفصلني عن الأشياء ،أما الصمم فيفصلني عن الناس وهذا هو الجحيم.
منذ سنوات عديدة وبالتحديد في عام 1992 شاهدنا فيلم "الصرخة" من تأليف كرم النجارالذي تناول فيه عالم الصم والبكم الذي كنا نجهله تماما .تابعنا بشغف نور الشريف وهو يجسد ببراعة شديدة شخصية عمر الشاب الأصم الأبكم الذي يواجه ظلم المجتمع من حوله الذي لا يعترف بذوي الاحتياجات الخاصة . دمعت عيوننا ونحن نراه وغيره من المعاقين يقعون ضحايا الاستغلال بشتى أنواعه ولا يستطيعون ترجمة ما يشعرون به باللغة المنطوقة ، وإن حاولوا استخدام لغة الإشارة ، لا يفهمهم أحد ،وفي أحيان كثيرة يقعون ضحية الترجمة الخاطئة من الوسيط الذي يحيل الاشارات إلى حديث مسموع .ولكن عندما قرر البطل الأصم الانتقام لنفسه ولزملائه تحول تعاطفنا معه إلى خوف وتوجس ،ونسينا على الفور أنه كان ضحية لعوامل عديدة تحالفت ضده من إعاقة وظروف مجتمعية لم تكن مؤهلة لدمجه وأمثاله في المجتمع .وفي النهاية عندما حقق البطل انتقامه و أطلق صرخته الأخيرة معلنا انتصاره ، شعرنا بالرعب و انتهى الفيلم بعد أن ملأنا خوفا منهم وزادنا ابتعادا عنهم ونفورا على عكس ما أراده المؤلف والمخرج .
وتمر السنوات وتأتي "أم الرجال" لتتناول نفس العالم ، عالم الصم والبكم .تقدمه لنا بصورة متكاملة بآماله وآلامه . تقدم لنا صرخة من نوع خاص ، صرخة أمل ينبع من عالم تعلمه جيدا ،فهي أم لرجلين من هذا العالم ، أحمد وكريم، وأم لمئات آخرين شملتهم بالعناية والرعاية والتواصل .
أم الرجال هي سهير عبد الحفيظ عمر التي حولت محنتها كأم إلى منحة لها ولأولادها في عالم الهدوء والسكون الجبري .حصلت أم الرجال على الماجستير في الصحة النفسية عن أمهات فاقدي السمع وشاركت في العديد من المؤتمرات واللقاءات المعنية بأمر الإعاقة.
في كتابها "قلوب تفيض" عرفتنا أم الرجال على نماذج واقعية من هذا العالم الصامت ،نماذج لم يكن لديها مخرج سينمائي يملي عليهم أدوارهم في الحياة ، ولم تكن أمامهم أضواء وكاميرات واهتمام اعلامي . جميعهم قاموا بأدوارهم بأنفسهم دون الحاجة لدوبلير يؤدي عنهم لحظات كثيرة من المعاناة والألم وظروف عديدة تواطأت ضدهم تريد ذبح آمالهم وطموحاتهم ، هم ببساطة قاموا بكل شيء كصرخة جماعية يعلنون فيها الانتصار على الإعاقة ، يعلنون تصالحهم مع الحياة والمجتمع .تحكي لنا معاناتاهم مع الحياة منذ الميلاد وكيف تكيفوا مع الواقع الذي لا مجال لتغييره .القلوب التي تحدثت عنها أم الرجال لم تستغل الإعاقة كمسوغ للحقد على المجتمع ، بل كانت قلوب تفيض بحب الحياة لأن الاعاقة لم تكن في أرواحهم ولا في قلوبهم البيضاء الخالدة، بل كانت اعاقة في جزء من الجسد الذي وإن طال بقاؤه فسيبلى يوما .
تضعنا أم الرجال أمام مأزق نفسي لنسأل معاقون أم معافون؟؟فنحن بأطرافنا المكتملة وألسنتنا التي لا تكف عن الحركة وبآذاننا التي تعمل ليل نهار نتعلل بالظروف والحر والبرد لنبررعجزنا وتخاذلنا أمام مشكلات عارضة ،فمن منا المعاق ؟؟
النماذج التي تناولتها في كتابها عانت الإعاقة وكل الظروف المعيقة لهم ولكنهم لم يفعلوا مثل الكثيرين منا الذين يفتشون عن شئ يلقون عليه اللوم ،ولم يفعلوا مثل بطل فيلم الصرخة الذي قرر الانتقام من المجتمع ، بل قرروا التغلب على الإعاقة نفسها . تحدثنا أم الرجال عن نماذج تنتمي لعالم الهدوء والسكون ؛عالم الصم ، نتعرف على المهندس تامربهاء الدين أنيس وكيف جاءت على يديه فكرة الجمعية الأهلية للصم والبكم ، وعن أمل عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للفنون التطبيقية ،تعرفنا على ولديها أحمد وكريم ، تعرفنا على الفنانة حنان النحراوي التي تحايلت على جهل العالم للغة الهدوء الذي تعيش فيه ، فاختارت لغة قوس قزح لتحدث العالم بفرشاتها وألوانها . أما المحامية ومترجمة لغة الإشارة نادية عبدالله فهي نموذج صارخ لقلب فاض بالحب لعالم الصم الذي انتمى له والدها ووالدتها فقامت بدور الوسيط الناطق منذ صغرها لتربط والديها بالعالم الصاخب ، ثم امتد طموحها لتقوم بالدور نفسه للكثيرين كأول محامية للصم ومترجمة للغة الإشارة . وهناك نماذج أخرى كثيرة . في كتابها تثير أم الرجال سؤالا مهما ،تقول : "حين يمتزج الجهل بالفقر والإعاقة هل تكفي الأمومة قاربا يصل بالأبناء إلى مرافئ الأمن؟
فأغلب النماذج الناجحة التي تناولتها كانت نتيجة أم محاربة لا تستسلم أبدا من أجل طفلها المعاق ،ولكن الأمومة وحدها لا تكفي ، فعملية زرع قوقعة الأذن والتي تمكن الأصم من استعادة جزء كبير من سمعه تتكلف داخل مصر أكثر من مائة وعشرين ألف جنيه، وثمن السماعة الخارجية للجهاز 3000جنيه،وقد تتغير كل عام وثمن السلك الخارجي 300جنيه.
تحلم أم الرجال برعاية دائمة لذوي الاعاقة السمعية وتوفير سماعة طبية لهم على أن يكون من حقهم الحصول على البطاريات الازمة لها كل شهر . وعندما تتحدث أم الرجال عن ضعاف السمع أو الصم والبكم فهي لا تتحدث عن بضع مئات ،بل تتحدث عن 6ملايين مصري أي مايقرب من 9%من عدد السكان . وهؤلاء لهم حقوق في الرعاية الصحية والنفسية والمجتمعية ، ويجب على وسائل الإعلام أن تضعهم في دائرة الإهتمام ، بل يجب أن تتكرر تجربة فيلم الصرخة ولكن هذه المرة ستأتي التجربة بالطريقة الصحيحة ، فلدينا الآن المعرفة الكافية لإنتاج أعمال درامية يشترك فيه أبطال من الصم والبكم في أدوار طبيعية تماما بعيدا عن أدوار المرشد لعصابات التهريب ،و ماسحى السيارات والأحذية .وأخيرا "قلوب تفيض" الذي خطه قلم أم الرجال سهير عبد الحفيظ من المحلة الكبرى هو خطوة صحيحة نحو مجتمع قادر على احتواء كل أبنائه في قلب واحد دون تمييز .

مجلة أكتوبر العدد1712

Sunday, August 02, 2009

صنـدل أحمــــر" ديــــوان الصُـــــرم!!


صنـدل أحمـــر" ديــــوان الصُـــــرم!!

كما جاء الجنرال جورج باتون وأعطى لحذاء الماشو أهمية غير عادية بقوله "": إنّ جنديًا يرتدي حذاءً هو مجرد جندي، ولكنه مع جزمة الماشو فهو محارب "،يجيء الآن سمير الفيل ليعيد الاعتبار لأنواع الأحذية التي ارتضت السكون تحت أقدام منتعليها مختلفي الأمزجة والألوان والطباع في مجموعته القصصية"صندل أحمر" التي تحتوي على عشر قصص تنطلق من وعن عالم تجارة الأحذية.

قبل القراءة، كان علينا تجاوز مجموعة من العتبات اللافتة والغير مألوفة . فالعتبة الأولى هذا الغلاف الذي تتصدره صورة خفيفة الظل تعبر عن عنوان المجموعة ،وتظهر رسما كاريكاتوريا لرجل يمسك مجدافا في قارب على هيئة صندل أحمر ، وما إن نتجاوزغلاف"مخلوف"الموفق ، حتى نجد الإهداء المتفرد والذي لا يأتي إلا على لسان سمير الفيل الذي لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد :

"إلى الجزم ، والصنادل ،واللكلوك ..إلى النعال والشباشب والكعب كباية..إلى كل ما يوضع بالأقدام ويجاور التراب ويداس بقلب ميت ..."

ولكن وعلى الرغم من غواية العنوان ،والاهداء الأول ،والإهداء الخاص الذي خص به الكاتب "الأولاد الحفاة منتصف خمسينيات القرن الماضي ...في حارة قبيلة وحي النفيس.."فالمجموعة لا تتحدث أبدا عن النعال والأحذية والصنادل ،بل تحكي عن البشر الذين يلبسونها ولا يشعرون أنها أجزاء من كائنات كانت يوما حية تشعر وتتألم وتتجول مثلنا .

في هذه المجموعة أو كما أطلق عليها مؤلفها "ديوان الصُـــرم" نتعرف على فلفل البطل المحوري الذي يعاين ألوانا من الزبائن ومن خلالهم يتكشف لنا العالم الفوقي ، أو عالم من يعتلي أعضاء ديوانية الصرم .

اتخذ سمير الفيل محل بيع الأحذية كفضاء مكاني يتواجد به وينطلق منه فلفل مساعد المعلم خليل ، ومن هذا الفضاء نرى بعين فلفل أنواع البشر المترددين على المحل.ومن اللافت أن فلفل سمير الفيل ، مثل فانكا في قصة أنتون تشيخوف "فانكا". فلفل في العاشرة وفانكا في التاسعة. طفلان يعملان في مجال الأحذية ، فانكا يعمل مع "إلياخن" شديد القسوة سيء الطباع ، وفلفل يعمل لدى خليل البطاحي المزدوج المعايير .

يحكي لنا فانكا بقلب الصبي اليتيم، وبعقل طفل محروم من كل شيء ،تتداعي أفكاره بحرية عن جده قسطنطين مكاريتش،عن الكلبة العجوز ‏‏"كاشتانكا" والكلب "فيون" يحكي عن ماضيه السعيد الذي انتهى بموت أمه "بيلاجيا"،يصف حزنه وشعوره الداخلي كطفل ينتظر البهجة التي ستحل فيه بعد أن يتسلم جده الخطاب الذي لن يصل إليه أبدا.

ولكن "فلفل" وعلى النقيض لا يجعل نفسه مركز الحكي أو الأحداث ، بل يظل يراقب الآخرين ويرصد سلوكهم ،ولا نعرف ما يدور بداخله مثلا من أمنيات وطموحات ، وكأن هذا العام الذي فاق به فلفل فانكا في العمر ، عبر به من بوابة الطفولة إلى مرحلة النضج العقلي ليكتفي بالتأمل والملاحظة متجاوزا الهم الذاتي الضيق. وفي القصة الأولى "السيم " يختفي فيها صوت فلفل كمتحدث ويظهر صوت السارد مخبرا عنه، ليقدمه على أنه يتمتع بمهارات خاصة في بيعه للأحذية وكأنه خبير في استراتيجيات الإقناع والتاثير على المتلقي . يعرض أساليب البيع التي يتوقف نجاحها على فهم طبيعة الزبون وما يدور في ذهنه والتنبؤ بسلوكه ورد فعله . ثم تحديد وسيلة الاقناع المناسبة له من بين طرق عديدة مثل "ربط الزبون ،تثبيت الرطل، الهجوم على طريقة ف، المعاكسة ، تدبيس العريس "يشرح لنا كل طريقة كاشفا خبايا هذه التجارة وما فيها من طرق للنصب والاحتيال ،ولكن بتلاوة المقرئ لبعض سور القرآن الكريم يكون كل قرش "حلالا زلالا" كما يعتقد الحاج خليل صاحب المحل.

ومن قصة إلى أخرى يمضي بنا فلفل متجولا لنعرف أنه وكما تتنوع الأحذية في الجودة والنوع والمقاس ،يختلف البشر أيضا وبالمثل في معادنهم ، وفي مظهرهم الذي يخفي أحيانا كثيرة خلاف باطنهم.فالحاج خليل الذي حج سبع مرات لا يتورع عن مواقعة نظلة امرأة العمدة في مخزن الأحذية ، والأستاذ المحامي الثورجي سلم ظهره لحسناء تمتطيه ،ويدور بها في حجرة الصالون وهي تقول"حا..شي....هس"" ، الشيخة جمالات تضع خادمتها الصغيرة تحت تصرف ابن الحاج ،وغيرهم.وفي المقابل هناك نماذج أصيلة مثل "عم جمعة "الاسكافي الذي لم يكن اسكافيا فقط بل"..إنه منقذهم الأبدي من المذلة وكسر النفس...فقد كان عم جمعة سترا وغطاء لسكان السوق .."فهو يرتق المهترئ من الأحذية فلا يرى الناس"أصابعك وقد برزت من الشراب الذي لابد أن يكون مثقوبا هو الآخر".

تحدث سمير الفيل عن "فعل الستر" في بداية قصة "عم جمعة "حاجبا ما يعرفه من أسرار البيوت الليلية لأن "فضح العبد مكروه" . ثم تناول "الستر "مرة أخرى كدور رئيسي تقوم به الأحذية مع الأقدام المندسة فيها فتخفيها كاملة تارة، أو تكشف منها أجزاءا متفاوتة في الحجم .

والستر هو نوع من الاخفاء ، ولكن هل يأتي "الستر" أو الإخفاء عن احترام وتقدير لمكانة الشيء المخفي المستور؟، أم أنه وسيلة إضافية لمحاصرة ومصادرة حرية المستور وايداعه سجنا محكما ؟

في ديوان الصرم هذا يستخدم سمير الفيل نوع الحذاء ولونه للتعبير عن مساحة الحرية أو للتعبير عن آفاق كلمة الستر في معتقد المشترين لأنواع الأحذية . ففي حالة الأسطى داحس يجيء " الستر" كمرادف للسجن فهو يطلب لزوجته الصغيرة ""حذاء حريمي 39أسود مقفول" فاللون كله تحفظ ، وفي لون العتمة أسود ،ومقفول لإحكام القيد على قدم الفتاة الصغيرة التي تزوجها مثلما أحكم قيده على حياتها.

وفي المقابل نجد الفتيات المنطلقات يخترن "حذاء برتقالي بفيونكة"أو "صندل أحمر" ، وجاء نموذج الصندل مع فتيات المدارس اللواتي يستمتعن بمساحة أكبر من الحرية ، فالصندل يكشف من القدم أكثر مما يخفي وهذا رمز للحرية والانطلاق ، ويجيء اللون الأحمر متفردا لافتا زاعقا في وجه كل القيود ، ولذلك تخيره الكاتب ليحمل اسم المجموعة . وتخير مسعود حذاءً من "جلد لميع لا يطلبه غير الموسرين" ليستر اعاقته ،ويصرف الأنظار عن مراقبة عكازه لتنشغل ببريق الحذاء اللميع ،أراد اعجابا يستر به حقيقة فقدانه لساقه اليمنى في حرب بورسعيد .وهكذا جاءت أحذية "ديوان الصرم"بأنواعها وألوانها المختلفة لتناسب نوعية البشر ومتماشية مع مقدار الحرية التي يتمتعون بها ، وتشير في نفس الوقت إلى اشكالية اختلاف المنظور عن المستور.

مجلة أكتوبر العدد1710/1أغسطس2009

Saturday, July 18, 2009

قاسم أمين.. ديور وشانيل!


قاسم أمين ... ديور وشانيل !!

ما إن يذكر اسم قاسم أمين حتى تتعالى أصوات فريقين لا ثالث لهما ، فريق يتهمه وآخر يؤيده والموضوع واحد؛المرأة .
لقد اختزلنا اسم قاسم أمين في خانة الشأن النسائي ، حتى جاء الجيل الجديد الذي ابتدع الفاست معلومة مثل الفاست فود لا يعلم عنه غير أنه هذا الذي اهتم بالمرأة ،فأصبح في ذهنهم لا يفرق عن شانيل وديور شيئا .
قاسم أمين كان زعيما وطنيا ومصلحا اجتماعيا لا يقل أهمية عن الشيخ محمد عبده ،وجمال الدين الأفغاني و عبدالله النديم و أديب اسحق . ولكنه لم يرالوطنية مجرد ثورة ضد الحاكم ،أو صوت يهتف في المظاهرات والمؤتمرات، لينتهي كل شيء بعد ذلك. لقد تمثل مقولة جمال الدين الأفغاني
" ماذا تنفع الحكومة الصالحة اذا كان الشعب غير صالح"
ولذلك جاء قاسم أمين بثورة دائمة وحقيقية على كل النقائص ، كان ينشد الكمال في كل شيء ، أراد تعديل سلوك الأفراد لأنهم هم الوطن ،فنظر إلى المجتمع المصري وشرح طبقاته يريد كشف العلل التي تعيق تقدمه.
أراد معالجة العيوب التي خلفتها سنوات الاستعمار والظلمة التي توالت على مصر وفرضت على شعبها الجهل والفقر مما أفقدتهم الثقة في أنفسهم وفي وطنهم وأضاعت فيهم روح الوطنية وحب الوطن :
"ونحن معاشر المصريين ويا للأسف لا نحترم وطننا ولا نعرفه ،وكثيرا ما نتكلم عنه بالاستخفاف والاحتقار، ونحكم عليه كما نسمع من الأجانب الذين لا يمكن أن يعرفوه كوطن لهم بحال من الأحوال ، وفاتنا أن كل عيب منسوب إليه هو منسوب في الحقيقة إلينا ".
كان يعتبر أن أكبر أعداء مصر هم المصريون الذين نسوا واجبهم نحو وطنهم ، وكأنه يصف حال تلك الفئة التي لا تستريح إلا إذا هاجمت مصر حكومة وشعبا على صفحات صفراء بلون ضمائرهم المباعة .
كان يعلم أن استقلال الوطن لا يأتي بين عشية وضحاها ، فلابد أولا من أن يمارس أفراد الوطن فكرة الإستقلال المقبورة داخل ذواتهم ،وجعلتهم يقنعون بالبطالة والكسل والتراخي انتظارا لوظيفة حكومية :
"نحن كسالى في الصباح وفي المساء،نقوم من النوم كسالى ، ونذهب إلى النوم كسالى ونعيش بين هذين الوقتين كسالى"
كتب قاسم أمين يحث الشباب على العمل والاستقلال "فعلى كل نفس تحترم ذاتها متى كانت قادرة على الكسب أن تكون مستقلة ، غير محتاجة للغير ، تكفل نفسها بعملها ، ولا يباح لها مطلقا أن تكون عالة على غيرها"
نهي عن البطالة والتذرع بعدم وجود وظائف حكومية "كن تاجرا ، كن مزارعا،كن صانعا ،كن خادما،كن كيفما تستطيع أن تكون ،فإنه أحسن لك وللناس مما أنت فيه "
ثم انتقل إلى أصحاب الوظائف يشير إلى ما يفعلونه بعد أن حازوا الوظيفة الحكومية المضمونة الراتب والمركز.
تحدث عن الموظفين الذين يسخرون وظائفهم لأنفسهم ولمعارفهم ، في الوقت الذي تضيع حوائج الغير عندهم "...متى دخل عليه أحد المستخدمين بورقة يريد عرضها عليه،تشاهد تبسمه قد غاب ووجهه تقطب ..."
وأشار إلى الموظف السلبي أو "الفشار" الذي أطلق عليه "الموظف :وأنا مالي "
(الذي يقابلك بغاية اللطف وحسن المحيا والإشارات المطيبة للخاطر،فتظنه شريكك في الإحساس " ولكن إن جاء وقت الجد تجده " بعيدا عنك،أبعد من ساكني القمر إليك ،وترى إذا أمعنت النظر في وجهه كأنما رسمت عليه هذه الكلمة : وأنا مالي ، وأنا مالي ، وأنا مالي"
هاجم الموظف الذي يعلي مصلحته الشخصية على مصلحة العمل والدولة ، أو كما يتردد على ألسنة بعض الموظفين اليوم مبررين تكاسلهم أنهم يعملون على قد فلوس الحكومة .
"لماذا يا ترى يخالف الموظف المصري غيره حتى يعتبر أن منفعته الخصوصية يلزم أن تكون في جميع الأحوال مضادة للمنفعة العمومة ؟؟
هاجم الموظفين المتشدقين بحب الوطن وعبارات الاصلاح حتى اذا نالوا منصبا نسوا ما وعدوا به وما نادوا به، من يقول ما لا يعتقد ومن يظهر خلاف ما يبطن ، من يناصر اليوم هذا ثم ينقلب عليه إذا اتيحت له فرصة أفضل له فيها منفعة شخصية .
حتى أصحاب المعاشات وضعهم في فكره الإصلاحي ، أراد لهم المشاركة في بناء الوطن ،لم يرضه أن يتخلوا عن الحياة لأنهم تركوا الحكومة أو كما يقول مستدركا "من تركتهم الحكومة" يصف حالهم والذي لم يتبدل إلى اليوم :
"تراه كسيف البال آسفا على وظيفته أسفا شديدا ، لأنه يظن –كما اعتاد أهل بلادنا أن يعتقدوا – أن الإنسان قليل بنفسه كثير بوظيفته !"
لقد وصف حال أرباب المعاشات وكأنه يصف الحال نفسه الآن ، يريدون قتل الوقت انتظارا لنهاية العمر التي يستحثونها على المقاهي ، أو جالسين على الأرصفة يراقبون المارة متحسرين على عمر فائت وشباب ولى. يعيب عليهم أنهم ينسحبون من الحياة كلها ويفقدون اهتمامهم بمجريات الأمور لأنهم تركوا الوظيفة الحكومية.
"ولم أر فيهم من أوجد لنفسه عملا يشتغل به بدلا عن وظيفته !!!
كان قاسم أمين يريد تغيير نظرة المصري الذي لا يرى في التعليم فائدة إلا كي يفوز بوظيفة حكومية ويصبح موظفا ،وكأن الوظيفة هي القيمة والغاية من التعليم ،ولذلك لفت النظر إلى تلك الحالة من الاحباط التي تصيب من يحال إلى المعاش وكأن العالم انتهى ،في حين أن الإنسان بيده كل أمره إن تمسك بالعلم والعمل .
".......إن كل انسان قادر على أن يرقى نفسه بنفسه ، وأن يعلو على أكبر ملك في الدنيا بفضيلته وعلمه "
نظر قاسم أمين إلى عملية الاصلاح كعمل وطني متكامل يستلزمه تربية صحيحة لأفراد المجتمع ، اهتم بالأسرة لأنها الخلية الأولى التي يتكون منها المجتمع ، واهتم بالمرأة لأن بيدها تربية أفراد المجتمع ، نقد وضع المرأة الذي لم يتح لها مقدارا من العلم يمكنها من تربية نشء يرفع من شأن الوطن ، كان موضوع المرأة بالنسبة له حلقة واحدة من عدة حلقات اصلاحية .ولذلك من الغبن أن يوجه الاهتمام لجزء واحد من هذا المشروع ويتم تجاهل باقي ما دعا اليه قاسم أمين ، ولعلها فرصة أنادي فيها بضرورة اعادة طبع كتابه "اسباب ونتائج " وتوزيعه على جميع المدارس .

انتصار عبد المنعم
http://www.octobermag.com/issues/1708/artDetail.asp?ArtID=87799

Saturday, July 11, 2009

منى الشيمي ومونودراما القصة

http://www.octobermag.com/issues/1707/artDetail.asp?ArtID=87627
تتكئ المجموعة القصصية "من خرم إبرة " للقاصة والروائية منى الشيمي على مجموعة من المونولوجات أو الحوارات الجانبية كنوع من الاستبطان الداخلي يعكس حالة التشظي الذي يبحر فيه صوتها السارد .
ولأن منى الشيمي قادمة من الجنوب كما النيل ،فقد جاء السياق القصصي معها متماوج الوتيرة يحمل توتر النيل ولكنه لا يصل الى مرحلة الفيض الذي ربما يسبب بعض الضرر أو الكثير من الكشف لأشياء يكون طمرها أفضل من استنباتها .
وعلى الرغم من أنها مجموعة قصصية إلا أنها تعكس نظرة الكاتبة التي تتعامل مع العالم كمسرح يتحرك عليه صوت السارد كصوت أحادي متقمصا أدوارا عدة ، ولكنها في نفس الوقت تصب في بوتقة واحدة ، تلك التي تصهر الانسان وتمزجه باحباطات وخيبات الواقع ليعاني مجموعة مخاوف أغلبها ذاتية تنبع من الداخل لا من الخارج والظروف المحيطة.
وإذا تتبعنا السياق النفسي للمجموعة ، فمن المؤكد أننا سنلاحظ أنها تبدو وكأنها مونودراما واحدة متصلة بخيط رفيع تبدأ على لسان الساردة التي يرد على لسانها الكثير من المونولوجات تنفصل بها عن الفضاء المكاني الذي تتحرك فيه ، وتأتي باقي الشخصيات كصور باهتة على هامش الوجود ؛ وتأتي قصة "تمزق" بأكملها نموذجا للصوت الواحد ، الصوت الداخلي الذي يعيدنا إلى "هاملت" في أشهر مونولوجاته .
لا صوت يعلو على صوت الضمير أو الأنا الأخرى التي تظهر فيبدو من ورائها كل الصراعات.
صوت السارد/الساردة يأتي كصوت الأنا العليا الذي يئن فيعكس صراع الأنا مع المرغوب في مواجهة الموروث الذي لا يتيح كثيرا من الطموحات ولا يشبع حالة البرد المتنامي الذي تشعر به "هي " حتى في حضور "هو"لا يفصلهما غير غطاء .
من الممكن تقسيم المجموعة إلى قسمين يربط بينهما قصة واحدة نعدها برزخا يصل بين القسم الأول الذي يشتمل على ثلاث عشرة قصة ،ثم القصة البرزخ "من علمك الأسماء كلها" ثم يأتي القسم الثاني تحت عنوان "هو وهي قصص كهفية غير منتهية"
القسم الأول يسوده حالة من الخوف ، التوتر، والقلق؛ فالقلق حالة مزمنة ، والفرحة دوما يتبعها حزن ، والطفل المرتقب الذي وإن كان يرمز لميلاد أمل، فهو الآخر جاء مشوها (لما ابتلعت جمرة ).
تواجهنا أيضا حالة الفصام أو الغربة الوجدانية التى تعبر عنها بتلمسها للدفء من "هو" المختفي تحت الغطاء تاركا "هي" تعاني توتر الحرمان الذي يدفعها لمتابعة المتسلل إلى بيت جارتها بينما يتناهى إلى سمعها شخير زوجها ؛إن تواجد في الفضاء المكاني الذي تتواجد فيه، لا يظهر منه غير شخيره كعلامة تثبت تواجده الراكز على واقعها.
"هو" لم يعد قادرا على تدفئة أماسيها الباردة بحلو الحديث ، فلا تجد أمامها غير الفرار إلى حالة الحلم أو الخيال. فهي تعلم جيدا أن هويتها لا تكتمل إلا بين كفي رجل ، "هو" مصدر السعادة والتعاسة وبينهما رحلة ممتدة من المعرفة ؛ حتى وإن تمردت عليه فهي تتمرد كي تزدد التصاقا به. تطبب جرحها بمن تسبب فيه . فهذا الذي "/ترك ابتسامته في حلقة السمر وينسى لسانه عند الأصدقاء/" تستعيض عنه بآخر على الشات يهتم بتفاصيل ودقائق حياتها الرتيبة مع "هو" والتي أوصلتها إلى حالة من الشوق لمجرد سماع اسمها يتردد على لسان "هو" الذي جعلها تبحث عن الدفء لتعاني جمراته مع رجل الشات .
وكما تعبر قصص القسم الأول عن الخوف الدائم النابع من الداخل نتيجة الصراع النفسي ، نجد أيضا حالة الخوف نتيجة اعاقة ظاهرة كمقابلة صارخة تواجه بها الاعاقات الداخلية الكثيرة التي تغص بها حيوات من حولها . حالة خوف واحدة سببها إعاقة جسدية في قصة (على وتر مشدود) بينما باقي القصص تتعامل مع إعاقات نفسية كثيرة ،وإن لم تبد ظاهرة للعيان .
ثم تأتي القصة البرزخ التي تمهد لزوال كل اشكاليات الصراع "من علمك الأسماء كلها " وهي القصة التي نعتبرها مدخلا للقسم الثاني من المجموعة. في هذه القصة تلجأ منى الشيمي إلى حيلة ذكية كي تعيد تشكيل العالم من جديد . تلجأ إلى محو ذاكرة هي وهو معا . تضعهما في حالة ترقب واستنفار دائمين نتيجة جهلهما بما يدور حولهما ، فقدان للذاكرة كحل مقترح لاعادة تشكيل الكون كما نحب وكما نريد. ترغب في استنطاق جوامد المشاعر والبشر من حولها ، هكذا تبدأ رحلة الخلق والتكوين لشخوص يبدأون من جديد فندخل عصرا جديدا في القسم الثاني الذي جاء على هيئة متوالية تحمل اسم(هو وهي قصص كهفية غير منتهية) .
لم ترضها العلاقة القائمة بين هو وهي في النصف الأول فأعادتهما إلى البداية، سلبتهما الهوية وأعادتهما الى فجر التاريخ ، تبعث فيه العالم من جديد . تعود بهما إلى العصور الأولى ،حيث فرحة اكتشاف كل منهما للآخر ، فرحة الاكتشاف والانعتاق لتتحرر الأسئلة التي أثارتها في الجزء الأول ولم تجد لها اجابات . لم تستسلم لفكرة بقاء "خرم الابرة" كما هو ضيقا لا يسمح بمرور غير هذا الخيط الرفيع ، فتلجأ الى فكرة جديدة تتحايل بها على هذا العالم الذي لم يأبه لوجودنا ، ولم يرق الى مستوى طموحاتنا وأوصلنا إلى حالة التوحد مع الذات ، والوحدة وإن اكتظ المحيط بالبشر؛ لماذا لا نعيد تشكيل هذا العالم من جديد ؟
هكذا فعلت منى الشيمي في مجموعتها القصصية الأخيرة الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب ،بعد مجموعة من الأعمال المميزة نالت عنها العديد من الجوائز كان آخرها جائزة دبي الثقافية وجائزة الشارقة .
انتصار عبد المنعم

Friday, July 10, 2009

التســكــع الرقمـــي

قديما قالوا " قل لي ماذا تقرأ ، أقل لك من أنت "
واليوم تبدلت المقولة لتكون "قل لي مع أي المواقع الالكترونية تتعامل ، أقل لك من أنت"
ولكن حتى لو سألت هذا السؤال فلن تجد اجابة وافية عند الكثير من الشباب الذين يدخلون إلى موقع ما عملا بنصيحة صديق ، ثم يُسلمهم هذا الموقع لآخر ،وهكذا يمر الوقت وهم بلا هدف يتسكعون على شبكة الانترنت . فهم تركوا التسكع في الشوارع ليمارسونه على شبكة الإنترنت يجذبهم هذا العالم اللامحدود الافتراضي الذي يتيح لهم ما لا يتوافر في عالمهم الحقيقي .
وكما يحدث بين المتسكعين في الشوارع ومقاهي العالم الحقيقي من معاكسات ومشاكسات ومشاكل متنوعة ، يحدث أيضا في مقاهي العالم الإفتراضي . فغرف الدردشة والتعارف والمدونات ما هي إلا مقاه افتراضية للتسكع الرقمي لجأ إليها الشباب كوسيلة للهروب من عالمهم المأزوم يعوضون فيها ما ينقصهم في واقعهم . يرسمون لأنفسهم الصورة التي تستهويهم ،محتمين باسم مستعار . يهربون من تابوهات المجتمع المتوارثة . يهاجمون الدين ويتحدثون في السياسة ،ويتحدثون عن الجنس بحرية ويمارسونه افتراضيا.
فمن ترهبه نظرة واحدة من رئيسه في العمل أو من زوجته ، وجد الفرصة مهيئة ليرسم صورة كاملة لنفسه كبطل سياسي ومناضل، وهذا لا يتطلب أكثر من مدونة مجانية عليها صورة جيفارا واسم مستعار وكلمة رديئة اللغة يسب فيها الحكومة والدولة بمن فيها.وفي لمح البصر يصبح بطلا.ثم يأتي من يشجع أبطال طواحين الهواء ،وتظهر مجموعات من أبطال الوهم لتتوهم أن باشارة واحدة منها سيخرج الشعب المصري يهتف بحياة اسم مستعار لشخص بلا هوية .
أيضا وجد الكثير من الشباب في تسكعهم بين المواقع وغرف الدردشة فرصا لتفريغ طاقاتهم التي عجزواعن اشباعها بسبب الحالة الإقتصادية التي تعيق تطلعاتهم في الزواج وتكوين أسرة ؛ هذا في الوقت الذي وجدوا فيه أنفسهم محاصرين بالعُري المجاني في الشوارع وعلى شاشات الفضائيات المليئة بأجساد شهية محلية ومستوردة زادها الكولاجين والسيليكون جمالا على جمال .
وجاء الازواج بمشاكلهم الزوجية ، فلم تكتف بعض الزوجات بدور المخبر الذي يمارسنه في الواقع ، فجئن ركضا وراء أزواجهن يراجعن تعليقاتهم وتعقيباتهم في مدونات تخص سيدات ، ثم يتفضلن بترك سيل من الشتائم لصاحبات المدونات كأنهن خططن لخطف أزواجهن .
وكما تصادف مختلا عقليا في طريقك إلى العمل، تصادفه أيضا بين المتسكعين الافتراضيين .فظهر مجنون مريم الذي مارس تسكعه هنا وهناك معلنا عشقه لمريم ، ومن أجلها زين مدونته بصور كثيرة لنساء يحملن اسم مريم . وعندما لم تستجب له مريم كتب تعليقات بذيئة وألصقها بها ، ليتضح بعد ذلك أنه يعاني خللا نفسيا خلفته سجون النظام..
أما متسكعي المحادثة على الماسينجر من الرجال ، فهم جميعا ممن يرسمون لأنفسهم صورة الرجل الكامل الذي يبحث عن المرأة الكاملة والتي وللصدف العجيبة تكون في أول سيدة تظهر أون لاين.ثم يتبعه منهج واحد ،ومقرر معاد عن شخصه الفريد الذي لا مثيل له ، وعن تلك التي كان يحلم بها وأخيرا وجدها على الشات .
وهكذا يمر الوقت وتتعاظم أكاذيب المتسكعين ، بل يصدقون أنفسهم ، حتى ما إذا انقطع النت أو انتهت نقودهم فى المقهى الافتراضي ، عادوا إلى طبيعتهم يتسكعون على الأرصفة ريثما يسجلون دخول مرة أخرى فيعودوا إلى تسكعهم الرقمي.
انتصار عبد المنعم

شبكة الإنترنت .....أدب ....وخلافه!



تتنافس الكثير من المنتديات والمواقع والمدونات الأدبية فيما بينها لإثبات جدارتها وتميزها عن غيرها . قد يأتي هذا التنافس في صورة اختراق لموقع ما ، في محاولة لتدمير قاعدة بياناته مثلما حدث مع "دروب والورشة" وغيرهما من المواقع التي صمدت أمام محاولات القرصنة المتتالية .
وقد يكون تنافسا مشروعا يحرص على تقديم نوع مميز من أشكال الأدب .
ولذلك لم تكتف بعض المنتديات والمواقع بأن تكون صفحة لإدراج عمل والتعليق عليه فقط ،بل تسابقت في مجال النشر الإلكتروني لكتب كاملة تضم أعمال أعضائها،بل انطلقت من الفضاء الإلكتروني للنشر إلى النشر الورقي أيضا .
فمنتدى " شبكة القصة العربية" أصدر بالفعل كتابه الأول الذي يضم مختارات من أعمال أعضاء المنتدى الذي يضم أدباء لهم وزنهم من كل دول الوطن العربي ، ويعد حاليا لإصدار كتابه الثاني .
ويبادر "منتدى من المحيط إلى الخليج" فينشئ قسما خاصا بالنشر الإلكتروني أصدر كتبا رقمية تضم أعمال الأعضاء باللغة العربية ، وأيضا كتبا مترجمة إلى اللغات الفرنسية والإنجليزية .ثم توسع ليشمل قسما خاصا بالنشر الورقي ،كان من ضمن اصداراته كتاب (بوسع قلبي ) باللغة البولندية ليصبح في يد أعضاء المنتدى في نفس وقت صدوره ببولندا .

وموقع "الورشة" الذي اتخذ من مقولة أمل دنقل (للحقيقة والأوجه الغائبة ) شعارا منذ نشأته ليرفض التسجيل بأسماء مستعارة أو وهمية ، فأثبت تواجده بقوة في عامين فقط ليضم أدباء وفنانين أثبتوا من قبل وجودهم المميز في ساحة النشر الورقي . ولكنهم اتفقوا على أن يوثقوا صداقتهم في كتاب ورقي مشترك أطلقوا عليه (كتاب الورشة الأول) كمحاولة للقاء أبدي أدبي لا يفرق بين المشرق والمغرب العربي . بل وظهرعلى صفحاتها أدباء لم تتح أمامهم فرص النشر الورقي معتمدين على الموقع الذي أصبح التواجد بين أعضائه شهادة ميلاد لجيل جديد من أدباء العالم الافتراضي .
ومؤخرا ، اتجه الكثير من الأدباء الكبار إلى شبكة الإنترنت بهدف الترويج لإصداراتهم الجديدة أو لحفلات توقيع أعمالهم . فظهرت مدونات ومواقع بأسماء الأدباء ، ومجموعات بريدية تحمل أسماء اصداراتهم .
ولجأ إلى شبكة الإنتنرنت أيضا أدباء المهجر للتواصل مع عالمهم العربي الذي نزحوا عنه بحثا عن فرص لحياة آمنة بعيدا عن القصف والاضطهاد والحروب ، أو لكسر حاجز الغربة المكانية والزمانية .فظهرت أسماء كثيرة لقامات عربية أدبية كبيرة مثل الشعراء يحيى السماوي المقيم في استراليا ، وسامي العامري المقيم في كولونيا ، والأديب التونسي كمال العيادي من ألمانيا .
ووجد الأدباء الذين فرضت عليهم ظروف الحياة والعمل خارج أوطانهم في شبكة الانترنت فرصة دائمة لكسر حاجز القطيعة أو الغياب عن المشهد الثقافي المتنامي بصورة متسارعة ،مثل الشاعر والصحفي محمد عبد الحميد توفيق ، والأديب محمد البوهي في الكويت ، والشاعرين السوري وفائي ليلا والمصري دكتور أحمد يحيى في البحرين .
ووجد البعض فرصا للتواصل والتلاقح الأدبي بين المشرق والمغرب لا تتوافر مع حواجز الجغرافيا والمال والوقت ، مثل الأديبة والمترجمة التونسية آسية السخيري التي تتقدم الكثير من الأسماء في حركة الترجمة من العربية إلى الفرنسية على شبكة الإنترنت .
وهناك أيضا أدباء نشروا أعمالهم في المنتديات والمواقع الأدبية المحترمة ثم قاموا بعد ذلك بتجميع تلك الأعمال ليضمها كتاب ورقي ،ومنهم الأديبة الجزائرية سهيلة بورزق ومجموعتها (كأس بيرة )، بل فعل ذلك الروائي مكاوي سعيد في مجموعته القصصية الأخيرة (سري الصغير ) التي اشتملت على مجموعة من القصص كان قد سبق له نشرِِها نتيا .
وبين كل هؤلاء يوجد مجموعة من الأدباء الحقيقيين الذين لم تتح أمامهم فرص للنشر الورقي فاعتمدوا فقط على المنتديات الأدبية لاثبات تواجدهم .
ورغم كل هذا فالصورة ليست مشرقة دوما ، فهناك الكثير من المنتديات الأدبية لا تتعدى كونها ساحة للتراشق والشجار بين الأدباء . وهناك منتديات ينتحل أصحابها صفة الحفيد أو الوريث الشرعي لكاتب راحل كبير ، ثم يقوم بتوجيه إيميل لقائمة طويلة من الأسماء يقوم بتجميعها من هنا وهناك ، يخبرهم جميعا أنهم من المحظوظين الذين وقع عليهم الاختيار ضمن أفضل مائة أديب عربي وأن هناك احتفالية على شرفهم في منتداه ويعطيهم جميعا نفس الرابط . ثم يتحول المنتدى إلى قعدة مصاطب للترحيب والتهنئة بالعضو الجديد الذي لا يعرف أنه أصبح عضوا رغم أنفه ، بل ويتم استغلال اسمه لضم أعضاء جدد .
وظهرت أيضا مدونات أدباء الدقيقة والنصف ، أو أدباء القص واللصق ، الذين يسرقون ما كتبه الآخرون مع بعض التصرف بالحذف أو الإضافة . وفي لمح البصر يتلقى الترحيب والإشادة بهذا الإبداع من أمثاله من أدباء الفجأة . ثم يصدق نفسه و يبدأ في نقد المشهد الثقافي المتردي الذي لا ينتبه لأمثاله من أدباء النقرتين ؛ قص ولصق.
انتصار عبد المنعم

القراءة الإلكترونية.. بين الضرورة والترف


هل القراءة الالكترونية ضرورة من ضرورات الحياة أو ترف طارئ؟

كان من المنطقى أن نسأل أنفسنا هذا السؤال بعد أن حذرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الالسكو) من خطورة تنامى ظاهرة الأمية فى الوطن العربى فى تقريرها الذى صدر مؤخرا، وأشارت فيه إلى أن عدد الأميين بلغ حوالى 100 مليون نسمة على الرغم من كل الجهود المبذولة للحد من تلك الظاهرة. وكما أوضحت المنظمة فإن 75 مليونا من إجمالى الأميين العرب تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عاما، وتزيد معدلات الأمية بين النساء، حيث يعانى قرابة نصفهن منها (46.5%).ويقول التقرير: كانت الأمية فى الوطن العربى عام 2005 سبعين مليون أمى فى المرحلة العمرية فوق الخامسة عشر (35% من إجمالى عدد السكان) وفى عام 2008 ارتفع تعداد الأميين إلى 100 مليون (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم).الملاحظ هنا أننا نتحدث عن الأمية البدائية المحصورة فى الكتابة والقراءة التى تتزايد يوما بعد يوم ليرتفع العدد من سبعين مليونا إلى مائة مليون من مجمل مجموع سكان المنطقة العربية، نتحدث عن أمية قرطاسية الورقة والقلم، فى حين أن العالم الآن حين يتحدث عن الأمية فهو يقصد أمية التعامل مع معطيات التكنولوجيا الحديثة أو ما نطلق عليها الأمية الالكترونية.ولذلك فى ظل أمية القراءة والكتابة أصبحت القراءة العادية بمفهومها المنسحب على الكتاب الورقى العادى فى وجهة نظر 100 مليون مواطن عربى أمى نوعا من الترف لا يقدر عليه إلا النخبة المثقفة، التى نالت حظها من التعليم الذى يؤهلها لتصفح كتاب أو صحيفة.وبالتالى تكون القراءة الالكترونية فى نظرهم مجرد مصطلح مبهم، ولا مقابل له فى حياتهم اليومية غير أننا استبدلنا ورق الكتاب المألوف بشاشة حاسب آلى ينظرون إليها على أنها صندوق عجائب بعيد المنال.وذلك يعيدنا للسؤال الدائرى ترف أم ضرورة؟وتتبادر للذهن إجابة وحيدة، وهى أن القراءة الالكترونية ليست وحدها التى تعد ترفا بل كل ما يتعلق بالشبكة العنكبوتية وذلك لعوامل كثيرة منها:أولا: الأمية الالكترونيةفالتعامل مع الحاسب الالكترونى يفترض فى المستخدم أن تكون لديه خلفية جيدة من التعليم تمكنه من التعامل مع أجزاء جهاز الكمبيوتر ذاته وبرامجه ولديه القدرة على التعامل مع مدخلات ومخرجات هائلة من المعلومات، وهذا ما عّبر عنه بالمصطلح «المعرفة المعلوماتية» وهذا فى حد ذاته يفوق حتى قدرة الأشخاص الذين لا يندرجون بأى حال من الأحوال تحت بند أمية القراءة والكتابة، فالوصول للمعلومات المطلوبة يتطلب التعامل ليس مع معطيات اللغة وهى العربية بل الإلمام باللغة الإنجليزية أيضا، مع ملاحظة أن المحتوى العربى على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنت) لا يتعدى 3% من إجمالى المحتوى العالمى كما ذكرت دراسة حديثة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا).وهكذا نجد أن 100 مليون مواطن عربى أصبح محكوما عليهم بالعيش فى عزلة مزدوجة، وأصبح الفرد منهم رهين محبسين، رهين جهله بالقراءة والكتابة من ناحية، ومن ناحية أخرى جهله بما تقدمه شبكة الانترنت من تسونامى هائل من المعلومات، ولذلك يصبح لدينا أمية من نوع جديد ولا خلاف عليها، وهى الأمية الالكترونية التى تعانى منها كل الشعوب العربية، حيث لا تتجاوز نسبة مستخدمى الانترنت فى الدول العربية إلى عدد المستخدمين فى العالم حوالى 7% ومعدل انتشار استخدام الانترنت بين السكان العرب لا يزيد على 6% وهو بذلك من أدنى المعدلات العالمية.وحسب التقرير الثانى الذى أصدرته (المبادرة العربية) www.openarab.net-repertsأنه حسب آخر المعطيات فإن عدد المستخدمين للانترنت فى البلاد العربية تضاعف خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ليقفز من نحو 14 مليون مستخدم فى منتصف يونيو 2004 ليصل فى نهايات عام 2006 إلى نحو 26 مليونا.أى أننا نتحدث عن شأن خاص جدا لا يتعدى 26 مليون مستخدم أغلبهم من الشباب الذين يتعاملون مع الانترنت فى البيت، والمدرسة والجامعة وفى مقاهى النت المنتشرة بصورة واسعة فى كل البلدان العربية ولو اعتبرنا جدلا أنها نسبة جيدة فالسؤال هو ماذا يقرأ الشباب؟.. وماذا يفعلون بالنت؟.. وهل استخدامهم للنت إيجابى أم سلبى؟.ثانيا: الحالة الاقتصاديةالحالة الاقتصادية للدول تتدخل وبشكل رئيسى فى هذا الأمر، فلابد من وجود شبكة كهرباء جيدة، وشبكة اتصالات حديثة للتعامل مع شبكات الانترنت، مع مراعاة توافر تلك الخدمات فى القرى والأماكن النائية مثلها مثل المدن، وينسحب هذا كله وبشدة على الأفراد، فالتعامل مع معطيات التقنية الحديثة يعتمد أيضا على المقدرة المالية للأفراد التى تمكنهم من امتلاك جهاز كمبيوتر والاشتراك بشبكة الانترنت أو على أقل تقدير استخدام مقاهى النت وكل هذا يتطلب مالا..وحسب تعريف البنك الدولى فإن أكثر الفقراء بؤسا هم (من يعيشون بدولار واحد فى اليوم) وعلى هذا الأساس يوجد ما يقرب من 60 مليون عربى يعيشون تحت خط الفقر معظمهم فى مصر والأردن والمغرب والسودان وسوريا وفلسطين واليمن 2005.وحسب تقارير شبكة CNN أن 70% من الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر، ونسبة البطالة تجاوزت 80% فى الضفة الغربية وغزة 2007.وتبلغ النسبة فى القدس 68% حسب الجبهة الإسلامية المسيحية للدفاع عن القدس والمقدسات (2008) وحسب وزير التنمية الاقتصادية المصرى فإن نسبة الفقراء فى مصر تبلغ نحو 20% بما يعادل 14 مليون مصرى (8/19/2007).فهل نطالب من اجتمعت عنده أمية القراءة والكتابة بالفقر بأن يكون قارئا رقميا؟ثالثا: القراءة الالكترونية انتقائية:هذا على العموم والسائد لا على الاستثناءات الموجودة فى بعض الدول وفى بعض المراكز المتخصصة، فالقراءة الالكترونية تعتمد وبصورة أساسية على حاسة البصر مثلها مثل القراءة العادية التى تعتمد على الكتاب الورقى، فعلى الرغم من وجود البرامج التى تضع فى اعتبارها أن هناك متصفحين من ذوى الاحتياجات الخاصة من المكفوفين، فإن النسبة الأوسع من المواد المتاحة على شبكة الانترنت تفترض أن المتعامل معها لا توجد لديه مشاكل إبصار، متجاهلة بذلك 170 مليون نسمة هم عدد المكفوفين وضعاف البصر فى العالم (مركز دراسات وأبحاث المعاقين) وحسب (كونا) يوجد فى الوطن العربى حوالى 4 ملايين كفيف، وفى تقرير جيف آدامز مراسل (بى. بى. سى) لشئون المعاقين تحت عنوان (مواقع الانترنت «تخذل» المستخدمين المعوقين) أظهر تحقيق أجرته لجنة حقوق المعاقين أن أغلب المواقع على شبكة الانترنت تعد صعبة الاستخدام بالنسبة للمعاقين، والقليل من المواقع تهتم بتوفير المعلومات بطرق خاصة بالمعاقين.وتبقى مشكلة التعامل مع الانترنت فالقارئ الآلى يساعد الكفيف فى قراءة الكتب والمستندات المطبوعة والملفات الالكترونية ويمكنه كذلك من كتابة نصوص عربية أو إنجليزية، وحفظها بطريقة برايل، إلا أن المشكلة تكون فيما يتعلق بالانترنت فلا يوجد متصفح يمكن الكفيف من التعامل مع الصفحات التى تحتوى على النصوص المدرجة على شكل ارتباطات أو صور.. فتكنولوجيا الصور مثلا لا تستطيع طريقة برايل حتى الآن التعامل معها، هذا بالإضافة إلى مشكلة الجرافيك والارتباطات وصعوبة الوصول إلى أرشيف المواد المحفوظة.وهكذا ما بين الضرورة والترف يظل السؤال معلقا ينتظر إجابة.. ربما تأتى من إنسان تخلص من هم المعدة لينشغل بالقراءة سواء ورقية أو الكترونية

قلب الكاوبوى لا يتسع لأسودين!

إننى أحلم اليوم بأن أطفالى الأربعة سيعيشون يوما فى شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوى عليه أخلاقهم
.
قالها مارتن لوثر كنج فى الوقت الذى كان هو وغيره من زنوج أمريكا يناضلون من أجل مقعد أمامى فى وسيلة مواصلات مثلهم مثل بيض البشرة، وعندما جاء الوقت لتحقيق الحلم، واستقل أوباما حافلة التاريخ من أوسع أبوابه الأمامية كرئيس لأمريكا العظمى، كان لابد من فتح باب خلفى يخرج منه زعيم أسود آخر، وخرج مايكل جاكسون. أشهر قليلة تفصل بين تنصيب أوباما ورحيل مايكل جاكسون، وكأن العالم لا يتسع لملكين أسودين كل منهما متوجا على مملكة من نوع خاص، أوباما كأول رئيس أسود فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، ومايكل جاكسون ملك البوب وأسطورة الغناء الذى تسلم 6 أرقام قياسية من موسوعة جينيس، وأول مغن أسود يتم عرض كليباته فى محطة MTV.ولد مايكل جاكسون فى شهر أغسطس، وكذلك أوباما ولد فى نفس الشهر يفصل بينهما ثلاث سنوات، جاكسون فى عام 1958 وأباما فى 1961. بعد ميلاد أوباما بسبع سنوات امتدت يد بيضاء لتغتال أحلام مارتن لوثر كنج فى فبراير 1968، فتضع نهاية حياة أول زنجى تمنحه مجلة “تايم” لقب “رجل العام” وأصغر رجل فى التاريخ يفوز بجائزة نوبل للسلام عام 1964 وعمره 35 عاما.يولد أوباما، فيترجل مارتن لوثر قسرا تاركا له صفحات التاريخ تنتظر توقيعه الرئاسى، يأتى أوباما رئيسا محققا حلم كنج، فيترجل الملك مايكل جاكسون.ألا يتسع قلب الكاوبوى لزعيمين يحملان جينات اللون الأسود؟

Thursday, June 18, 2009

فـتـحـى سـعـد والخروج من زاوية العتمة أخيراً

فتحي سعد و الخروج من زاوية العتمة أخيرا!!

فتحي سعد ؛ صوت جنوبي رحل سريعا كأغلب الأصوات المترعة بعبق الأسطورة ورحيق الأصالة . عاش يستحضر إيزيس في أعماله ، يحلم بها تلملم تشظياته المتعددة . يراها تركض في خلايا جسده تقاسمه أحلامه المشنوقة ، تجلس معه على مقاهي الحزن ، يرى فيها وجهه المشرق في اكتمال القمر . يراها قارئة فنجان تكشف له ما وراء الحجب ، تفصله عن العوالم المكتظة بالإزدواجية وإن لم يكن هناك مفر غير الجنون الذي وجد فيه أحيانا البدائل المنطقية لحيوات تغص باللامنطقية.كتب فتحي سعد القصة القصيرة بأسلوب متفرد جمع فيه الحياة والعدم جنبا إلى جنب ، في علاقة تجاور لا في حالة صراع كما هو معتاد . أراد سلاما لم يجده في الواقع فلجأ لإشكالية الموت والحياة ، النور والظلام ؛ محاولا إيجاد نوع من التعايش بينهما . حاول إيجاد حالة تعادل موضوعي بين الأضاد تمكن الكائن البشري من الوصول لشفافية يسمو بها على الواقع المتازم دون بارقة أمل في حل قريب . ربما كانت لديه حالة لا وعي عليا أو وعي مقصود يحاول فيها تبئير فكرة قبول الآخر المختلف تماما في الكينونة .
تناول فتحي سعد في كتاباته فكرة الموت الذي كان يستشرف نسائمه في جو أسطوري استمد طقوسه من الموروث الثقافي المترع بالحكايا ، ومن أقبية الأديرة التي عرف فيها روعة البهاء الروحاني ؛ بحيث لم يكن يفرق بين مولد العذراء ومولد سيدي عبد الرحيم القنائي فيما يستلهمه من صور وأفكار ينسج بها وحولها عالمه السردي ، الذي جاء ليعكس البيئة الجنوبية التي عايشها مستنشقا ميراث الأسطورة ومسترجعا طفولته على شط القناة ، وما مر به من خبرات حياتية كان علقمها أكثر من حلوها .
تميز باسلوب غير مباشر في الكتابة ، مزج فيه كل تلك الخبرات الحياتية مع موروثه الثقافي في اللاوعي ليخرج لنا قصة لا تشير إلى الواقع أو الحقيقة مباشرة ؛ بل إلى عالم رمزي ميتافيزيقي لا تحكمه حدود؛ تماما مثل عالم الأحلام الشاسع . فجاء فعل الكتابة لديه كنوع من حلم طويل يمارسه بكل طقوسة الغرائبية على الورق ، محاولا اختراق حواجز العجز والفشل التي كانت تفرض نفسها على فتحي سعد الإنسان و الأديب وهو يرى الحالة المتردية للواقع الراهن بين نزاعات داخلية وعربية ، في تعليق له منشور على الإنترنت يقول :
(أما كيف أعيش على المستوى العام ؟ فهذا ما يقلقنى ، يزعجنى ، يربكنى ، ويذبحنى هماً ، وكمداً ، لأننا كلنا أبناء هم واحد . أبناء خيبات تتسكع فى أوطاننا بنطاعة ، وبلادة ، فلم يبق لنا سوى الجنوح صوب الجنون ، الجنون اللذيذ ، كفعل نمارسه دونما أن يتلصص علينا عملاء أوطاننا الخونة ، الذين قايضوا ملكوت الرب ، بخيمة الذل ، ونفط العار))).
في مجموعاته ( رائحة المساء)، و (صخب العتمة) ، (مرايا الرحيل) وفي باقي قصصه المتفرقة التي لم تشملها مجموعة ، عمل جاهدا على تضفير الواقع بالحلم للوصول إلى " الواقع المطلق أو المكتمل " كما أسماه أندريه بريتون.
خالف فتحي سعد (فرويد ) الذي تحدث عن (سيناريو الحلم)، الذي يقوم الحالم فيه بإعادة تركيب محتويات الحلم ليخرجها على شكل قصة قريبة الى الواقع، وليس الى الحقيقة الموجودة في اللاوعي . فجاءت قصص فتحي لتفعل العكس تماما ؛ تأخذ الواقع لتجعله قريبا من الحلم وتبقى الحياة كحلم دائم قصير كما قال هو يوما :
((هذا أنا ببساطة شديدة ، لا أحمل فى قلبى إلا كل الحب الأبيض للآخرين ، حتى لو ذبحت فى كــربـــلاء ، لأنى أؤمن بأن الحياة تشبه حلماً قصيراً جداً ، ماذا يا صديقى لو عشت هذا الحلم وأنا أقدم للآخرين أطواق الفل ، دونما أن أنتظر ماذا يقدمون لى . أنا أعيش حياتى على المستوى الخاص بشكل جميل ، وحميم ، ومتصالح مع نفسى ، وبالتالى مع الآخرين ، أعيش السلام الداخلى .)

حالة المصالحة مع النفس ، وما قابلها من احباطات خارجية ، عززت لديه تلك الحالة من الخيال الدائم ،فلم يعد هناك حاجز بين المعقول واللامعقول، بين النوم واليقظة . وكما كان في نتاجه الأدبي ،كان حديثه العادي مترعا بالرمز .
سألته يوما ، ماذا فعلت بالأمس ؟ فأجاب بكل بساطة : صافحت كل الذين أحبهم فى مخيلتى الجامحة إلى عوالم غير روتينية ثم دعوتهم لأحتساء الفودكا عند نهر الكوثر.
وكما كانت حياته سلسلة من المعاناة دون أن يشكو ، دون تصريح وبوح ، جاءت قصصه هكذا لا تمنح نفسها بسهولة ، على القارئ دوما أن يستحضر معلوماته وخبراته ليفهم أولا ،ثم ليسأل ماذا أراد المؤلف من هذه القصة ، وعندما لا يجد إجابة ، يسقطها على حياته هو ، وفي النهاية يتحول القارئ إلى قارئ متفاعل ويتوارى المؤلف ، بل يموت المؤلف ليظهر القارئ الذي أراده فتحي سعد والذي أراده من قبل رولان بارت في كتابه (موت المؤلف) The death of the Author. هذا القارئ الذي يعيد كتابة النص في ذهنه وفق خارطته الذهنية الشخصية غير محكوم بسلطة الكاتب الأصلي للعمل الأدبي .
الفضاء اللغوي الذي تحرك فيه فتحي سعد كان فضاء تشكيليا تصويريا ، له لون وطعم ورائحة . كان فضاء يضج بالحياة محتفيا بها أشد الإحتفاء راسما الربيع والزهور والفل والياسمين والحدائق ، وفي نفس الوقت وفي نفس الفضاء المكاني يحتفي أيضا بالموت كموجود دائم يبسط جناحيه على الوجود ، مستخدما مفردات تدل عليه مثل الصمت ، شتاء غاضب ، أحلام مشنوقة ، أو كلمة العتمة التي تتكرر كثيرا في قصصه وأحيانا مرات عديدة في قصة واحدة . كانت ليه مقدرة هائلة لخلق جمل وصفية غير معقولة مبهرة في جمعه أضاد معا ، أو في تشكيل صور غير مألوفة .
ففي القصة الواحدة تجيء المفردات متناوبة المرور على حدائق الورد الصارخ بعبق الحياة تارة، وتارة أخرى تمر بحواف موت يستشعره .
في قصة (قلب صغير مفتون بالفل) نجد مفردات مثل ( تابوت .موت إغفاءة. عتمة) والعديد من المفردات الأخرى التي تحيل إلى الفناء وانحباس الروح ، ثم نجد ما يوازيها من مفردات تحيل إلى الخلود والبهجة والحياة المتجددة مثل ( زهور الياسمين ، قوس قزح ، فراشات ، فروع السيسبان ، اوراق البنفسج ، القطن).
وفي "بيوت ثكلى" نجد ( مساء بارد،مكفنا ، كوابيس ،العتمة ،غيوم ، اوجاع ) وفي المقابل (زقزقة العصافير ، ازهار الروح ، ازهار الليمون ، القرنفل ، الياسمين ) . وفي "شهقة" نجد (توابيت، الموتى، جثة الصمت،مساءات،حزينة ) وفي المقابل ( اضاءة ، مصابيح ، ضحكات ، بتلات )
ويتكرر نفس التكنيك ، في التجاور اللغوي للأضاد ، ونفس المفردات تقريبا في قصص مثل "ذاكرة الثغاء ثكلى" و "شعاع ضوء في زقاق معتم"، و"رائحة الصمت"و "الصبار ينمو في مرايا الروح" وغيرهم .
كان هذه عبور عابر على عالم فتحي سعد ، عبور ألقي فيه تحية الوداع على فتحي سعد الذي رحل عنا فجأة وهو في الأربعينيات من عمره دون أن يعطي أحدا الفرصة لوداعه أو القلق على صحته أو حتى السؤال عن أحواله . رحل سريعا ، عابرا حاجز العتمة إلى براح النور السرمدي .
ربما يلتقي إيزيس فتلملمه مرة أخرى وتعيده متوجا ملكا على مملكة الفل والياسمين
مجلة أكتوبر العدد1699 .

Tuesday, March 31, 2009

الأيام الجزائرية تكتب/ قلم «انتصار عبد المنعم» يكتب عن استيقاظ الأنثى

صدر للكاتبة والقاصة المصرية «انتصار عبد المنعم» مجموعة قصصية تحت عنوان"عندما تستيقظ الأنثى" عن المركز الدولي للتنمية الثقافية بالقاهرة، وتضمّ المجموعة 37 قصة قصيرة، تعبّر فيها عن المرأة التي لا تخضع للمألوف، وتقتحم القاصة الأعماق الإنسانية من منظور إنساني يتجاوز الهموم الهشة والتصنيف الجنسي المحدود، مع توظيف كامل لمفردات الطبيعة البحرية التي تشير إلى خلود الفكرة وعدم محدوديتها بزمن أو حدث معين، وللإشارة للكاتبة نصوص نقدية ومقالات متنوعة منشورة في العديد من المطبوعات مثل جريدة «النهار» اللبناني و«أخبار الأدب» المصرية و«البينة الجديدة» العراقية والموقع الألكتروني «الورشة» وغيرها من المطبوعات والمواقع الإلكترونية الثقافية الأخرى، وترجمت الكثير من أعمالها إلى اللغات الروسية والبولندية والفرنسية والبلغارية، وهي عضو اتحاد كتاب الأنترنيت، ولها أعمال أخرى قيد النشر.
آ

Sunday, January 11, 2009

ندوة وحفل توقيع




يوم السبت القادم 17يناير سيكون هناك ندوة وحفل توقيع لمجموعتي القصصية

الدعوة عامة

في المركز الدولي للتنمية الثقافية

17شارع السدالعالي

ميدان فيني

الدقي

السادسة مساء

Sunday, November 09, 2008

مأزق أحمر!!!!



علي أن أخفي الوردة الحمراء . لو رأوها لا أدري ماذا سيحدث لي بعدها . زجاجة البارامول التي طلبتها ريم ماذا سأفعل بها ؟ الشراب هو الآخر أحمر اللون. لن أصل إلى البيت سالما اليوم . وهذا العلم الذي يضم اللون الأحمر . أصر صديقي نواف أن يعلقه على زجاج السيارة تشجيعا لفريقه الذي وصل لنهائي كاس خادم الحرمين الشريفين . اشارة المرور هي الأخرى حمراء . هل سيعاقبونني على هذا أيضا ؟ تباً لهذا المسمار لقد جرح يدي . طلبت مرارا من الفلبيني راؤول أن يقطع هذا الجزء الناتئ منه . بقعة الدم حمراء واضحة على شماغي الأبيض. ولا أجرؤ على خلعه اليوم . بالتأكيد سيلاحظون شعري الطويل المسترسل على كتفي . سيلاحقونني . سيأمرونني بترك سيارتي في الجراج ثم يصحبونني في سياراتهم المكيفة ليتم حجزي في السجن المكيف . سأسمع العظات التوجيهية وهم يطلبون مني التوبة عما اقترفته من ذنوب حمراء في هذا اليوم الذي صار اللون الأحمر فيه ذنبا ومعصية يستوجبان التوبة النصوح . سألزم الصمت بالطبع وأرسم على وجهي علامات الندم . ولا مانع أبدا من أن أستحضر دمعة فتكون توبتي صادقة . سأمزق العلم الأحمر أمامهم وأهشم زجاجة البارامول . وألعن كل الإشارات الحمراء . سأتبرأ من كريات دمي الحمراء . سأعلن الحرب وأشحذ سيوف الجهاد ضد اللون الأحمر . سأهتف مطالبا بالقصاص ممن سولت له نفسه وسمح لهذا الغربي فالانتاين بأن يدنس واجهات محلاتنا الطاهرة . وعندما أرى نظرات الرضى على الوجوه ، سأتوسل إليهم أن يمنحوني الفرصة لأكون في صفوفهم مجاهدا ضد كل ألوان قوس قزح لا على تلك البدعة الحمراء فقط !!

Saturday, October 04, 2008

وثائــق


الأولى
تحت شجرة الرمان أعلنت ثورتها ، قررت الخروج من رحم أمها ، لم تعد تتحمل ضيق المكان وعتمة الليل والنهار ، اشتاقت لتعرف معنى الصباح وضوء الشمس ، أرادت أن تفتح جفنيها المغلقين دوما في محيطها المائي الخالي من الأمواج ، تململت ودفعت برأسها تنظر للأرض الرملية المبللة بماء يرطب حر سبتمبر ، تلقفتها الأيدي ، بكت من برودة أيديهم المتفحصة لأجزاء جسدها الصغير ، علا بكاؤها واختلط بهمساتهم الضاحكة الفرحة بملامحها الدقيقة ، وجاء من جاء وذهب من ذهب ليمنحها اسما وينسبها لرجل
وامرأة ، ويصبح لديها الوثيقة الأولى التي تنسبها لعالم الأحياء .

الثانية

تقطف ثمرات الرمان الناضجة ، تضعها في طبق الفاكهة ، تدخل ، تسلم عليهما ، عيناه تتفحصانها ، يغوص في حدائق جسدها ، يصعد تلالا وينزل هضابا مبهور الأنفاس ، يشتهي الرمان ، يعطيها خاتما ، وجاء من جاء وذهب من ذهب ليسلبها أسمها و ينسبها لرجل آخر ، وتحصل على الوثيقة الثانية التي تدخلها عالم النساء
.
الثالثة
ينخر السوس في سيقان شجرة الرمان ، يتقاطر منها الدود ، يسبح في الهواء متعلقا بخيوط عنكبوتية تخنق شجرة الرمان ، تقع حبات الرمان على الأرض متفحمة ، وتعرى الشجرة من الأوراق وتلفحها شمس سبتمبر ، تتحد مع همومها ، دفقات الألم والحزن تثور بداخلها ، تؤجج ثورتها ، تسحق روحها ، تدعوها لتتخلص من كل أثواب الوهم التي حاكتها في سنوات عجاف ، وجاء من جاء وذهب من ذهب وأعاد لها اسمها ، وتحصل على الوثيقة الثالثة التي تضعها على الأعراف تتهادى على أرجوحة البين بين.

الرابعة
شجرة الرمان أورثت مكانها لتلال من الصبار الأخضر الزاهي ، تتهاوى أيامها ، مضرجة بأحلامها ، متسربلة بأحزانها ، تعلن تسليمها ، تأخذ وثيقتها الأولى ، تغلق عليها يديها ، ترى أمها في غلالة من نور تناديها ، تطرح همومها جانبا ، ترخي مفاصل روحها ، تتمدد على الرمال المبللة بماء تفوح منه رائحة السدر والحناء ، تتلقفها الأيدي ، تبتسم ، تمسك بيد أمها ، يعلو بكاؤهم ، يركضان معا بين أشجار الرمان ، وجاء من جاء وذهب من ذهب ليأخذ منها روحها واسمها وجسدها ويصبح لديهم الوثيقة الرابعة التي تخرجها من عالم الأحزان

سوزان تميم وهشام طلعت مصطفى .. قراءة مغايرة


هي مجرد زاوية مغايرة لقراءة قضية سوزان تميم وهشام طلعت مصطفى. تلك القصة التي أعادت إلى الأذهان مسلسل الجريء والجميلات، ولكن في نسخته العربية المعدلة لتصبح الجميلة ورجال الأعمال.
ما الذي يجعل رجل أعمال ناجح يصرف نقوده وبهذا البذخ على سوزان وحدها؟ فهي، وبالتأكيد ليست آخر اللبنانيات الجميلات، ونقوده الوافرة تستطيع أن تؤمن له أجمل الجميلات إن أراد حتى نهاية الكون كله. فماذا كان لدى سوزان أكثر مما لدى المئات من الجميلات اللواتي لا يكلفن ربع ما أنفقه عليها في شهر واحد؟
ما الذي يجعل رجل أعمال له شركات من الممكن أن تنهار من مجرد إشاعة، يغامر بأن تكون له علاقة معروفة بسوزان تميم؟ لماذا يغامر بمركزه السياسي، ومركزه الاجتماعي المميز كزوج لشقيقة أهم امرأة في مصر؟
أستبعد أن هشام كانت لديه شهوة التملك لها، فماذا كانت سوزان ستضيف إليه؟ فلديه الشهرة والمال والنفوذ، إذا لم تكن علاقته بها مثل غيرها من نوع تزاوج المال والشهرة كما رأينا في زيجات الفنانات من رجال أعمال لتكتمل دائرة الضوء. هشام مصطفى كانت تلك الدائرة مكتملة تماما حوله. السؤال الآن هو هل أحبها فعلا ولذلك غامر بكل شيء؟
ربما يعتبره البعض سؤالا ساذجا، ولكن ما غيره الذي يجعل أولاد الملوك يتزوجون من عامة الشعب، ويتنازل الرجال عن عروشهم وألقابهم من أجل سيدات قد لا تبدو لنا فيهن مسحة من الجمال؟ ولكن تحت سلطان وهم اسمه الحب يفعل بعض الرجال ما نعتبره نحن العقلاء جنوناً. ألم يتنازل الملك ادوارد الثامن‏ عن العرش ليتزوج من المطلقة الأميركية واليس سيمبسون؟
ألم يتحدى الأمير تشارلز القوانين الملكية التي تحتم الزواج من عذراء ليتزوج من حبيبته المطلقة كاميلا باركر الذي عرفها في عام 1970؟ وبعد أكثر من عشرين عاما تخللها زواج لها وآخر له وأولاد، ينجح تشارلز في أن يتزوج حبيبته ليجمع بين العرش والحب معا.
أنا على يقين أن سوزان كانت تتمتع بذكاء أنثوي خارق لتجعل كل رجل ارتبط اسمها به؛ يشعر أنه شمشون الجبار أو طرزان أو سوبرمان أو المخلص الذي على يديه وحده فقط سيكون خلاصها من المعاناة التي وبالتأكيد برعت في نسجها، حتى توهم كل واحد أنها أنثاه التي لا تنشد غير الحماية والحب، ولذلك أغدقوا جميعهم عليها العطايا والهدايا والخدمات.
وزاد هشام مصطفى وفاضت عطاياه داخل مصر وخارجها. ومن أجلها خلص والدها وشقيقها من تهم وقضايا خطيرة. لم يتخيل أنها من الممكن أن تتمرد عليه في يوم من الأيام. فقد أعطته الشعور بأنه هذا الذي نجح في اقتناء الجميلة التي تهوى الزواج على طريقة أفلام الوستيرن؛ أو كما يسمونها الخطيفة.
المحير هو: لماذا تسلك سوزان هذا السلوك؟
لماذا كلما أغدق عليها أحدهم أدارت إليه ظهرها لتبحث عن آخر يخلصها من سابقه؟
ألم يكفها رجال يتسابقون لإرضائها؟ وهل تريد المرأة أكثر من زوج يغدق عليها من اهتمامه وماله؟
ماذا كان ينقصها في علاقتها بهشام مصطفى فلديه المال الذي لا ينتهي، والجاه والمركز وكل شئ؟ لماذا بعد أن تمادت معه إلى الحد الذي تقابل والدته من أجل مباركة زواجهما تفر منه؟
هناك خلل بالتأكيد في تركيبتها النفسية يجعلها تفتقد الشعور بالأمان، يدفعها لتفر تبحث عنه هنا وهناك. ربما كان لديها هاجس يخيفها بأن رأس مالها هو جمالها الذي سيذبل يوما حتى وإن توافرت عمليات التجميل التي أغدقها عليها أحد رجالها كما تردد.
كانت سوزان تشعر ببعض الراحة في بداية كل علاقة. وبعد فترة تمل، وتشك في إمكانية دوام ما هي عليه، فتفضل أن تكون هي المبادرة بالترك والهجر قبل أن يهجرها أحدهم بعد أن يستنفد وطره منها. ربما لم تكن لعوبا، ولكنها كانت فتاة الحواديت التي آمنت أنها الجميلة التي يطاردها الوحوش، ولكي تتقدم وتنتصر عليهم، فلتجعلهم في صراع دائم من أجلها، فالغنائم من نصيبها، والجروح والدماء ووجع القلب من نصيبهم، سواء كانوا أحبوها أم لا، فهي مع كل واحد قبل هشام كانت مشروع لثروة قادمة.
وبالتأكيد هشام لم يستفد دولارا واحدا من ورائها؛ فليست لديه شركات إنتاج فني ولا إعلانات ليستغل صوتها وجمالها كسابقيه. وقام بدور الجنتلمان الذي تطوع للدفاع والحماية وتعويضها عما مرت به.
وسواء اشترك بالتحريض في جريمة القتل أم لا، فبالتأكيد كان يعاني كرجل أولا تخلت عنه امرأة أغدق عليها. وفوق ذلك كان مستعدا لأن يتزوجها مانحا إياها اسمه الذي هو بالتأكيد أهم من جسد سوزان واسمها.
فمن المرجح أنه كان يعاني ويشعر بالصدمة من أن يتمرد عليه تمثال جميل صنعه. هشام كان بجماليون الذي وقع في غرام تمثال العاج الذي صنعه بيده وزينه بالملابس واللؤلؤ، وتوسل لفينوس أن تبعث فيه الحياة وأعطاها كل شئ. ولذلك لم يكن من المعقول في نظره أن يتمرد عليه.
هشام مصطفى وسوزان تميم، مجرد إخراج عصري لكوكتيل يمزج بين الجميلة والوحش، الجريء والجميلات, وبجماليون

Tuesday, July 08, 2008

قل لي : أوحشتِني !





تهوي اليد الغليظة على الباب الخشبي ، تتواطئ معها القدم العمياء وتركل الباب ، يهتز الباب مترجرجا مترنحا ، تفقد الحناجر أحبالها الصوتية تحت وطأة صراخها المحموم ، تمتد يد تائهة ، تلتقط الهاتف ، يأتيه صوتها لاجئا متكسرا ، ضارعا ، و مقاوما دموعا مخنوقة
- قل لي أوحشتِني !
يستغرب قولها ، يستفسر ، فتبتهل إليه ألا يسأل ، يردد وراءها ما تريد سماعه .
تمتلئ بصوته الدافئ ، تستنشق وجوده البعيد فلا تعبأ بخوفها الناشب أنيابه في حناياها ، تتجه نحو الباب الذي مازال يصارع القدم العمياء ، تصم أذنيها ، تجلس خلف الباب مستندة عليه ، تطوي أجنحة خوفها على رأسها فلا تراهم وهم يدخلون ، يعبرون على جسدها المحتمي بصوته ، يدهسونها بسانبك خيلهم ، يعبثون بعرائسها وكتبها ، يحطمون أواني زهورها ، يخفون عطورها في جيوبهم ، يبعثرون ملابسها ، يصادرون ملابسها الداخلية ، تسمعهم يضحكون وهم يتقاذفون عُريها بين أيديهم ، ينصرفون بعد أن تتلقى وعودهم بالعودة قريبا ، تلملم مابقي منها ، تلتقط صورته الملقاة على الأرض ، تعيدها إلى الإطار المهشم ، تجمع قطع الزجاج المتناثرة ، تعيد ترتيبها على الصورة ، تضمها إليها ، تهتف به : أوحشتََني
*************************************************************

Dis-moi: "tu me manques!"

قل لي : " أوحشتني!"
Intissar 'Abd El Mon'em

La rugueuse main s'abat sur la porte en bois. Le pied aveugle s'associe avec elle en lui donnant un coup de pied. La porte la porte se secoue en vibrant et chancelant. Les gorges perdent leurs cordes vocales sous l'effet des cris frénétiques. Une main égarée se tend pour prendre le téléphone. Sa voix brisée demandant refuge lui parvient. Suppliante et résistant à ses larmes étouffées, elle dit:
-- Dis-moi que je te manque!
Surpris par ce qu'elle dit, il la prie de lui expliquer ce qui s'est passé et elle le supplie de ne lui poser aucune question. Il répète après elle ce qu'elle a voulu entendre. Comblée de sa chaleureuse voix, elle aspire son odeur et son existence très lointaine. Elle ne s'intéresse plus à son angoisse qui lui enfonce les crocs dans les entrailles. Elle se dirige vers la porte qui continue à résister à l'aveugle pied. Elle fait la sourde oreille. Elle s'assoie derrière la porte en s'appuyant sur elle. Elle replie les ailes de sa frayeur sur sa tête et elle ne les voit pas entrer. Ils passent sur son corps réfugié dans sa voix. Ils la foulent avec les sabots de leurs chevaux. Ils se jouent de ses poupées et de ses bouquins et écrasent ses pots des fleurs. Ils cachent ses flacons de parfum dans leurs poches, dispersent ses belles robes et s'approprient ses sous-vêtements. Elle les entend éclater des rires tout en se lançant des mains sa nudité. Ils prennent congé et partent après avoir promis de retourner très prochainement. Elle ramasse ce qui est resté d'elle, tend la main vers sa photo gisante par terre et la remet dans le cadre détruit. Elle rassemble les fragments des verres éparpillés, les réorganise sur la photo qu'elle étreint tout en murmurant: "Tu me manques!".

Intissar 'Abd El Mon'em
Nouvelliste et romancière de l'Egypte

ترجمتها الأديبة التونسية
رفيقة أحلامي المسافرة
آسية السخيري

Tuesday, June 10, 2008

غجرية مترجمة للفرنسية


Gitane/ tsigane غجرية
ترجمة الأديبة التونسية آسية السخيري
Elle se meut violemment sur le sol.Son souffle s'accélère et sa poitrine (toute) agitée se soulève puis s'abaisse. Son cou rosé sur lequel rayonne sa petite tête crispée est dressé. Sa chevelure noire jais tourbillonnant suivant les mouvements de son corps en saillie glisse pour couvrir son visage. La terre tourne sur elle-même… La terre pivote et les yeux qu'on croit danser tournoient avec elle… Ses cheveux s'ondulent pour cacher ses grosses larmes torrentielles/ abondantes... Sa main serre ses castagnettes en cuivre qu'elle frappe violemment l'une contre l'autre pour dissimuler les battements bruyants de son cœur. Elle incline sa tête tendue vers l'arrière avec une fierté saignante… Elle tient le bout de sa robe ornée de la couleur de sa plaie et elle tourne, tourne, tourne, puis le fait pénétrer dans ses cils toujours en errance…Il la contemple… Il l'étreigne avec ses yeux puis avec sa main. Il serre la sienne dont l'un de ses doigts porte sa bague… Elle s'approche de lui et il devient submergé de son souffle qui l'embrase. Il sent son parfum/ sa fragrance et il se rappelle sa sueur qui s'y est entremêlée… Elle s'incline sur lui et l'attire vers elle… Il serre sa main encore plus fort et il sent la bague s'enfoncer dans sa paume…Ses cheveux dissimulent une grande partie de son visage et du sien. Il frissonne. Elle s'écarte de lui et se dresse un peu loin. Tout son visage apparaît mais tous ses traits se sont effacés et ont disparu. La belle de l'anneau l'étreint. Et des yeux lui surgissent. La terre recommence à pivoter et les applaudissements s'élèvent… Un nez et une bouche apparaissent sur son visage… et il se lève très agité. Et il virevolte sur le sol puis il tourne autour d'elle tout en la tenant par la taille… Le tumulte devient de plus en plus fort et la belle de l'anneau l'attire vers elle encore plus. Il pivote autour d'elle et son cœur tombe par terre… Elle frappe le sol avec ses pieds… Elle s'incline, ramasse son cœur et le serre avec un désir ardent contre sa poitrine… Elle fait sortir son cœur, le fait accrocher au sien et en tisse une écharpe qu'elle offre à la dame de l'anneau
Intissar 'Abd El Mon'em
Nouvelliste et romancière de l'Egypte

Tuesday, May 06, 2008

حدث في رحم ما! بالفرنسية

Ce qui s'était passé dans un utérus quelconque
Intissar 'Abd El Mon'em
Mes regards étourdis contemplaient les lumières fixées sur mon visage. Des murmures et la réitération de la date de ce jour là selon le calendrier lunaire, des autres murmures me demandant de cesser de sangloter, une main immobilisant le masque sur mon nez et ma bouche et me réclamant d'aspirer le gaz anesthésiant. J'inhalais mais sans aucune utilité. Je voyais encore leurs petits yeux asiatiques bridés et entendais leurs plaisanteries qui ne s'étaient pas interrompues. Je répondais à leurs questions à propos de mon nom, de la date du jour et du nom de mon pays sans nullement perdre conscience. Je sentais mes entrailles se convulser voulant expulser tout ce qu'il y avait dedans. Des marteaux martelaient mon ventre et des crises de douleurs impitoyables que personne autre que moi ne sentait m'envahissaient et me dépouillaient de mon âme. Elles paralysaient mes membres et je ne pouvais plus bouger. Mon utérus était devenu un cimetière d'une partie de moi qui s'y était façonnée tel qu'un petit fœtus qu'il refusait d'expulser. J'insiste à m'accrocher à mon petit qui n'aurait jamais un nom, et effrayé de la terre toute desséchée du tombeau et de son obscurité, il insistait à se coller à moi. Je l'entendais me demandant refuge des scalpels (bistouris) du chirurgien qui me l'arrachait. Il criait en me demandant de le protéger et de le sauver. Il m'implorait de l'enterrer en moi tout à fait comme je l'ai planté et j'hurlais et il criait avec moi et personne n'entendait à nos supplices et nos sanglots et j'avais perdu conscience. Il était venu me réprouver en glissant à mes côtés sous la couverture. Il m'avait dit qu'il faisait un froid glacial là-bas dans la morgue pleine des personnes âgées qu'il n'avait jamais connues et qui n'avaient pas cessé de se plaindre du monde et du vil état de la vie. Il m'avait dit qu'il n'avait pas trouvé des enfants de son âge qui pouvaient jouer avec lui. Il avait senti une peur horrible quand il avait vu mon bras gauche attaché à des tubes d'un liquide et je l'avais enlacé très fort avec mon bras droit. La froideur de son minuscule corps moelleux m'avait terrifiée. Je l'avais serré encore plus fort contre ma poitrine jusqu'à ce qu'il fût réuni à moi une autre fois. Je l'avais dissimulé entre mes poumons et je lui avais demandé de se cacher loin de leurs yeux.
Intissar 'Abd El Mon'em
Nouvelliste et romancière de l'Egypte

Sunday, February 24, 2008

نصف جنيه وقطعة حشيش


الواحدة ليلاً , يدخل بجلبته المعتادة, يلقي بمفاتيحه وجراب نظارته على طاولة الطعام , وبشوق يكاد يقفز من عينيه يخرج محفظة نقوده المتضخمة , و يبدأ في عد النقود وتصنيفها إلى فئات , عشرات ، مئات ....، ينهض , يدخل حجرة النوم , لا يرى من تحكم الغطاء على جسدها كأنها جسد مسجى ، يخرج حقيبة سوداء من خزانة ملابسه ، و يضع فيها النقود ، يريحها حتى الصباح ليهرع بها إلى البنك ، لتنضم إلى سابقيها . تتحرك يده تتحسس جيب بنطاله الأيمن ، يظهر الارتياح على وجهه ، يخرج منديلا كالحاً يأخذ شكل الصرة , يفك الصرة ، ينظر إلى ما تحتويه بفرح طفولي , يحنى رأسه ، و يتشمم ما فيها ويقبله كحجر مقدس , يربط المنديل كما كان ، ويريحه تحت الوسادة التي ينام عليها ويغمض عينيه ، ويده اليمنى تقبض على خبيئته المندسة تحت الوسادة .
في يوم الأحد يستيقظ مبكراً جداً , يخرج المنديل الكالح , يقبل مافيه ويضمه الى صدره ثم يربطه مرة أخرى و يضعه كالعادة في جيب بنطاله الأيمن ويخرج , لا ليحضر قداس الصباح في كنيسة مار جرجس الملاصقة لبيته ، ولا ليدخل حجرة الإعتراف ليجلس وراء بابها وهو يعلم أن الأب متى يسمعه ، بل يطرق باب جاره أحمد ويصطحبه للبورصة .
يتابع أخبار الأسهم , عيناه معلقتان على الشاشة الالكترونية ويده تقبض على خبيئته ، ترتفع قيمة الأسهم ويزداد فرحاً وقبضته تشتد على المنديل وما فيه , وتتضخم النقود ويزداد تشبثه بالمنديل .
كل ذلك والحال كما هو ، سيارة عادية ، وملابس عادية ، وأحلام عادية، وخبيئته كما هي في المنديل كالح ، فالسيارة الحديثة تبعث الحقد والحسد في قلوب البشر , والملابس الجديدة كماليات ، والصغير لابد أن يلبس ملابس الكبير , والكبير لابد أن يصبر فهو ليس بأفضل ممن ترهبن ونبذ الحياة الدنيوية من أجل الحياة الأبدية , والمنديل الكالح وما فيه هو إرثه من أبيه الراحل وهو سر نجاحاته وتميمته التي لا تفارقه أبداً ، ؛ حتى البسمة لا تزور وجهه إلا وهو يفك المنديل ويرى ما فيه , فقد أعجبته يوما مقولة لا يدري من قالها أهو جاره بطرس أم جاره أحمد من أن أحدهم قال ( لا أبتسم و.... أسير ) و نسى الكلمة المقصودة أهي الأقصى , أم كنيسة القيامة , فالأمور لديه عادية ولا يخضع لأي سلطة روحية , يكفيه الحظ والسعادة اللذان يشعر بهما عند رؤيته لخبيئته .
وتمر الأيام , ومنديله في رحلته اليومية المعتادة , مابين جيبه وأشواقه ووسادته ..والنقود تتضخم ، وعلاقاته بالآخرين تتقلص ، ولكنه لا يشعر بأي مشكلة , فهو على الأقل لن يكون كأبيه الذي مات ولم يترك خلفه غير منديل كالح به نصف جنيه وقطعة حشيش
!

Sunday, February 03, 2008

انتحار * مترجمة إلى اللغة البلغارية



Самоубийство Интисар Абдългани-Египет Превод;Абдулрахман АкраСлънцето потъна в морето. Момчетата и момичетата, хванати за ръце, си разменяха игриви погледи. Младоженци позираха за снимка, а малко момченце продаваше нанизи от ароматни бели цветя на младежите.Шумът на колите заглушаваше песента на вълните. Вървях с ръце, пъхнати в джобовете на панталона. Любувах се на блестящите цветове на моста „Станли” и оглеждах хората наоколо с надеждата, че ще видя познато лице, за да ми каже кой съм. Всички бяха заети, разговаряха и никой, освен мен, не поглеждаше към потъналото в морето слънце, което вече се размиваше, оставяйки кърваво-златисти следи. Дали те бяха паднали от небето, или са изтласкани от водата? Падна мрак, заличи морето и на лунна светлина вълните изглеждаха като риби.Видях го. Стоеше на ръба на железния мост, с намерение да се хвърли във водата. Забързах към него. Дишането ми се ускори. Побягнах. Преди да го достигна, загуби равновесие и падна. Вятърът го люлееше, танцуваше с него и от светлините на лампите то заблестя.Достигна водата - като че ли бе копняло за този допир. Плътно се долепи, но тя не го погълна. То просто заплува на повърхността. Водата го галеше и люлееше.В този момент ми се прииска да бъда едно зелено листо.
http://www.latef.net/alnokhbah/showthread.php?t=3142
ترجمة الدكتور عبد الرحمن أقرع* فلسطين

Monday, January 28, 2008

انـــتــحـــار مترجمة للفرنسية


انتحار

قصة :انتصار عبد المنعم

ترجمها إلى الفرنسية :ابراهيم درغوثي/ تونس

SuicideUne nouvelle de :Intissar Abdulmounaem

Traduite en Français par :Brahim Darghouthi/ Tunisie


Le disque du soleil se noyait dans la mer.De jeunes garçons et de jeunes filles se tenaient la main, ou s’échangeaient des regards. Quelqu’un se montrait debout avec son costume noir à coté de sa mariée pour qu’on lui prenne une photo. Un jeune enfant tenait à la main des bouquets de jasmins pour convoiter les amants.Le bruit des voitures cachait le roulement des vagues de la mer.Je marchais seul, mes mains dans les poches du pantalon. J’observais la lumière des lampes de la plage Stanli qui scintillaient.J’examinais les visages des passants et de gens qui se tenaient debout à la recherche de quelqu’un que je connaisse ou qui me connaisse pour me dire qui suis-je.Tous sont occupés dans des dialogues. Unique, je regardais le disque du soleil qui se dissolvait dans la mer laissant derrière lui des lignées d’or couvertes de sang nans sachant si elles descendaient du ciel pour rencontrer la mer ou si elles montaient de la mer pour colorier le ciel en bleu ?Sur la surface de la mer, l’obscurité s’est mélangée avec la lueur de la lune et le reflet des lampes électriques laissant apparaître des vagues comme des baleines qui flottaient. Je l’ai vue se tenant debout toute seule au bord du siège en fer de la plage. Elle se préparait à se jeter dans l’eau. Je me suis hâté. Mon souffle s’est accéléré et mon corps s’est soulevé sous mes pas. Avant d’arriver à ses cotés, elle s’est précipitée dans l’abîme. Elle a dansé avec le vent ici et là et le reflet des lampes l’a redue éclatante. Désireuse, elle a atteint la surface de la mer .Elle s’est collée fortement contre lui sans la franchir. Il ne l’a pas englouti dans ses profondeurs. Elle a flotté sur la surface de l’eau qui s’est mis à la bercer.Alors j’ai espéré que quelqu’un me dise que je suis la feuille d’un arbre.


Saturday, January 26, 2008

فــوفـا دومـا



فوفا دوما؟؟

عندما سألتني معلمة اللغة الروسية هل فوفا في البيت ؟ نظرت حولي فلم أجد بيوتا بل عششا من صفيح ، وقبورا يسكنها أحياء ، ولم أستطع الإجابة ، فرسبت
.

كـاتـيـوشـا




كاتيوشا

ألا بوجاتشوفا تغني لمليون وردة حمراء ، وكاتيوشا الجميلة تقطف أزهار أشجار التفاح والكمثرى، وكاتيوشا أخرى تعانق كلاشينكوف ، ينجبان جثثا تملأ (عين الحلوة) والقمأة .


.

أبـحــث عـن ذئــب



أبحث عن ذئب

قالوا لي ، أن الذئب كان سيأكلني في رحلة من رحلات الصيد التي كان يهواها أبي في شبابه، ومنذ ذلك الحين ، عشقت الصيد أنا الأخرى ، وكلى أمل في العثور على هذا الذئب الذي كان ( سيحتويني ) ولو في معدته .

Monday, January 07, 2008

انـــتــحـــار


انـــتــحـــار
قرص الشمس يغرق في البحر , فتيان وفتيات بين متشابك للأيدي ومختلس للنظرات , يقف أحدهم ببذلته السوداء ليلتقطوا له صورة مع عروسه , صبي صغير يحمل أطواق الفل يغري بها متشابكي الأيدي , أصوات السيارات تعلو على صوت البحر الهادر, أمشي وحدي واضعاً كلتا يدي في جيبي البنطال , أتأمل أضواء كوبري ستانلي المتلألئة , أتفحص المارين والواقفين ,أدقق النظر في وجوههم لعلي أجد أحداً أعرفه أو يعرفني فيخبرني من أنا.
الكل مشغول ومنهمك في الحديث ، لا أحد غيري يحدق في قرص الشمس الذي ذاب الآن في البحر مخلفاً وراءه خطوطا
ذهبية مخضبة بالدماء ، لا أدري أهي نازلة من السماء لتلتقي بالبحر ؟ أم متفجرة من البحر لتصبغ زرقة السماء من فوقه ؟ اختلط الظلام فوق البحر بضوء القمر وانعكاس ضوء المصابيح ، فظهر موجهه كحيتان تطفو.
رأيتها وحيدة تقف على حافة السياج الحديدي للكوبري لتلقي بنفسها في الماء ، أسرعت إليها الخطى ، تسارعت أنفاسي ، اهتز جسدي مترجرجاً على وقع أقدامي ، قبل أن أصل إليها ، هوت ، فقدت الجاذبية ، حركتها الرياح هنا وهناك ، رقصت معها ، انعكس عليها ضوء المصابيح فأشرقت .
وصلت سطح البحر كأنها مشتاقة إليه ، التصقت به جيداً ، ولكنها لم تخترقه , لم يحتوها ، ولم يغيبها في أحضانه ، طفت فوقه يؤرجحها ، يهدهدها ، حينها تمنيت أن يقول لي أحدهم أني ورقة شجر .

Wednesday, December 19, 2007

شهرزاد تستيقظ مترجمة للفرنسية

Shéhérazade se réveille
Nouvelle d’Intissar Abdelmon’em
Traduite de l’Arabe par Saïd M. Jendoubi

Le troisième jour après les mille, Shéhérazade décida de se réveiller. Elle quitta son lit de verre et se mit sur son balcon. Elle tendit les bras et aspira une bonne bouffée de la brise de la vie… une brise à la quelle elle a longtemps rêvé. Elle décida de se mettre à la recherche de Shéhrayar qui la laissa seule, dans le désert de l’errance, depuis mille ans. Elle s’envola à travers les nuages, portant dans sa main le cœur de Shéhrayar ; ce dernier le lui confia avant de partir. A ce moment-là, elle lui demanda comment allait-il vivre sans son cœur ? Il la regarda dans les yeux et lui dit : « mon cœur est une partie de toi. Il est à toi, malgré mon départ ; car sans toi il n’est rien ». * * * Elle chercha dans le vaste espace, appela, se perdit en chemin. Sue ses cheveux qui ondulaient tels un rayon de soleil flottant dans le ciel, s’abattirent les anges de l’amour et les baisers du froid hivernal. Effarée, Shéhérazade appela : « Shéhrayar où es-tu ? » Elle n’eut comme réponse que l’écho de sa voix, car Shéhrayar est toujours hésitant entre la Shéhérazade d’antan et les élues du millième jour après les mille passés. _________________
ترجمها الأستاذ سعيد الجندوبي* فرنسا

Saturday, December 08, 2007

شهرزاد تستيقظ


شهرزاد تستيقظ

في اليوم الثالث بعد الألف قررت شهرزاد أن تستيقظ , قامت من على سريرها البلوري ودخلت شرفتها . بسطت ذراعيها تنهل من نسيم الحياة التي تاقت إليها ، قررت البحث عن شهريار الذي تركها منذ ألف عام تخوض صحراء التيه بمفردها.

طارت بين السحب ، تحمل في يدها قلب شهريار الذي أعطاه لها قبل رحيله .

وقتها سألته كيف سيعيش بدونه ؟

فنظر في عينيها وقال ( قلبي قطعة منك وإن كنت راحلاً فهو لك لأنه بدونك لاشئ)

في الفضاء الرحب بحثت ، نادت ، فقدت الطريق ، تهادى شعرها المنسدل كشعاع الشمس السابح في السماء فهوت

عليه أطياف العشق ولثمات برد الشتاء.

وجلت شهرزاد ، نادت: أين أنت شهريار؟

فلم يجبها غير صدى صوتها ، فشهريار مازال حائراً بين شهرزاد الأمس ومحظيات اليوم الألف بعد الألف.

Wednesday, November 07, 2007

وللبحر شئون



وللبحر شئون


وقف علي شاطيء البحر بقامته العالية كنخلة في الوادي ، لا يرتدي غير سروال قطني قصير ينتهي أعلي ركبتيه، قدماه العاريتان كمرساة سفينة خشبية ، ساقاه يابستان تنفر عروقهما من تحت جلده المعرج فتظهر ككثبان رملية كتلك التي تحيط بمدينته، ظهره لفحته الشمس حتي صار بلون خبز جدته اليابس المقمر في تنورها الطيني. يحمل علي كتفه الأيمن شبكته الغريبة المثبتة بين ثلاث قوائم خشبية لتأخذ شكل مثلث حاد الزوايا ، ومن واحدة من هذه الزوايا تمتد قائمة خشبية متوسطة الطول لتكون عصا التحكم في شبكته. وحول رقبته وعلي كتفه الأخري يحمل كيسين من الرمال الناعمة ومعهما جبال من الأمنيات الضائعة .لامست أقدامه موج البحر فشعر ببرد اعتاد عليه منذ ستين عاما فتحول عناقا يشتاق إليه كل صباح . يبدأ في الدخول... الماء يرتفع ..يبكي يريد الذهاب للمدرسة. يغطي الماء قدميه..لابد أن يساعد عمه في البحر..يرتفع إلي كاحليه.. التعليم له ناسه ..بنت عمه تدخل الإعدادي ..يرتفع الماء حتي أعلي ركبتيه ..أحب الحورية .. الماء يزداد برودة ..العين لا تعلو علي الحاجب ..قدماه تتشبثان بالأرض .. ينزف الجرح ...هنية الخادمة علي قدك ...ابني سيجفف الدماء ويحول الملح سكر ..ألم الظهر يعاوده ...الأولاد يضحكون علي..رائحتي تفوح ... يتخلص بالتدريج مما يحمل من الرمال .. لن أذهب للمدرسة ...أنزل شبكته من علي كتفه ..لن تقرب البحر.. هوي بها علي البحر يشطره ..يقتحمه .. غرسها في رماله ..الموبايل لابد أن يكون بكاميرا.. .ضغط ثم سحب ..الكل يعمل هكذا ..ينخل البحر بشبكته... لابد أن تتزوجها ... تخرج الرمال من بين ثقوبها وتبقي من جاء من أجلها ..حفيدي سيداوي جرحي ويحول الملح سكر ... يقطر العرق من جبينه ..يختلط ملحه بملح البحر ..تنبت علي شفتيه نبتة صحراوية.. يشبه جدته الحورية.. يخرج إلي الشاطئ يضع ما معه...يقبل الحورية فيه.. يدخل مرة أخري ..يضمه إلي صدره ..يلقي بشبكته لآخر مرة.يدخل مرة أخري ، يحتمي بماء البحر ..سأربيه أنا...ينزع سرواله المبلل ..يملأ حقيبته بالأقلام ...يرفع يديه عاليا يدخلهما في أكمام القفطان الكالح ..الأستاذ عوض مسرور جدا..يدخل رأسه ...سأذهب للمدرسة والبحر..يتجه نحو الشاطئ .. التكريم كان في طابور الصباح...يحرر القفطان لينزل بالتدريج يواري ما كان يستره الماء . . الحورية تغوص في البحر .. علي الرمال يريح شبكته.. ينشر عليها سرواله..الحورية لم تعد .. يجلس القرفصاء يمسكها واحدة واحدة كحبات معقودة في مسبحته التي ورثها عن أبيه .إقرأ الفاتحة للحورية..يبدأ في عملية الفرز والتصنيف ...كانت تحبك مثلي ...هذه بلدي وتلك انجليزي وهذه صغيرة وتلك كبيرة ..الناس كانت مقامات في الحادية عشرة تأتيه جلجلة حماره العجوز يجر العربه الكارو وعليها سكر البحر جاء كعادته ليصحب جده في رحلة العودة. يتكئ علي كتفه الصغير ويصعد..يتمدد علي العربة مغلقا عينيه ومخفيا وجهه بقبعته القماش الدائرية ذات الأطراف المتهدلة تاركا لحماره مهمة الطريق بينما حفيده ينادي : حلوة يا أم الخلول


تم نشرها في أخبار الأدب العدد747

نوفمبر4/2007

Saturday, November 03, 2007

هو ****مترجمة للغة البولندية

Autorka: Intissar ‘Abd Al-Mun’im
Przekład: dr Yousef Sh’hadeh
Patrzyła na niego zakochanym wzrokiem z sercem przepełnionym miłością. Nikt inny, oprócz niego, nie ma na nią takiego wpływu. Nikt inny nie może dać jej takiego upojenia. Czeka na poranek by być z nim i z tęsknotą oczekuje godzin przedwieczornych by towarzyszyć mu. Nigdy nie przeoczy spotkania z nim. Nigdy nie znudzi się patrzeniem na niego, dotykaniem go dłonią bądź muskaniem ustami. Nikt inny nie może obdarzyć ją uczuciem takiego gorąca. Kiedy ich usta spotykają się, cały świat zanika, w takiej chwili nic nie istnieje – tylko ona i on... jej kubek kawy…
هو نص: انتصار عبد المنعم
سعدت بترجمة نصك الجميل "هو" الى البولندية... وسيكون ضمن نصوص كتاب المنتدى... تجدينه هنا: http://menalmuheetlelkaleej.com/forum/viewtopic.php?p=164857#164857
ترجمة: د. يوسف شحادة
************************************
هـــو
مترجمة إلى اللغة الروسية
ترجمة الأستاذ علاء عمر
он
короткий рассказнаписала Интысар Абдэльменьим
перевёл на русский язык Алаа Омар
она посмотрела на него страстными глазами и с наполненным любовью сердцем.Только он имеет над ней такую власть, и нет на свете кроме него, способным подарить ей ощущения экстаза.Ждёт каждое утро что бы быть с ним, и с нетерпением предвкушает время заката, что бы быть с ним рядом.Ни разу не упустила свидание с ним, и ни как не насмотрится на него, не насытится до него дотрагиваться рукой, или прикоснуться к нему губами, жгучими от встречи с ним и только с ним,......В этот миг всё мире исчезает, и остаются лишь она и он … её любимый кофе

Sunday, September 16, 2007

حدث في رحم ما


حدث في رحم ما

نظراتي الزائغة تحملق في الأضواء المسلطة على وجهي ، همهمات وتأريخ لليوم والعام بالتقوم القمري ، همهمات أخرى تطالبني بالكف عن البكاء ، ويد تحكم القناع على أنفي وفمي وتأمرني بأن أستنشق الغاز المخدر، أستنشق ولا فائدة مازلت أرى أعينهم الأسيوية الضيقة وأسمع مزاحهم الذي لا ينقطع , وأجيب عن أسئلتهم عن اسمي واليوم وبلدي ولا أفقد الوعي ، أشعر بأحشائي تنقبض تريد طرد ما فيها , المطارق تدق جانبي وتجتاحني نوبات ألم لا يشعر بها غيري فتسلب روحي وتشل أطرافي ولا أقوى على الحراك ، رحمي صار مقبرة لقطعة مني تشكلت فيه جنينا صغيرا ويأبى أن يلفظها ، أتشبث بوليدي الذي لن يحمل اسما ويتشبث هو بي خائفا من تراب المقبرة الجاف وظلامها الموحش ، أسمعه يلوذ بي من مشرط الجراح الذي يسلبه مني ، يصرخ في لأنقذه ، يستعطفني لأجعله يدفن في كما نبت في ، أصرخ ويصرخ معي ولا يسمعنا أحد , غبت عن الوعي.
جاءني يلومني ، ويندس تحت الغطاء بجواري فالبرد شديد في ثلاجة المستشفى المليئة بالغرباء كبار السن الذين لا يكفون عن التذمر من العالم وأحوال المعيشة , ولا يوجد أطفال مثله ليلعب معهم ، شعر بالخوف من منظر يدي اليسرى المقيدة بأنابيب المحلول فضممته باليمنى ، راعتني برودة جسده الصغير الناعم فضممته أكثر حتى التأم بجسدي مرة أخرى ، خبأته بين رئتي وطلبت منه أن يتوارى هناك عن أعينهم
.

Tuesday, August 28, 2007

غــجــريـــة


تدب على الأرض بعنف , تتسارع أنفاسها فيعلو صدرها ويهبط ثائراً , رقبتها الخمرية منتصبة وعليها يتوهج رأسها الصغير منفعلاً , شعرها الأسود الفاحم يلف وجهها منسدلاً تتقاذفه حركات جسدها النافرة.
تدب الأرض.. تدور حول نفسها وتدور معها أعين تحسبها ترقص.. يتماوج شعرها تخفي به دموعها الغزيرة .. يدها تقبض على صناجاتها النحاسية تدق بهما بعنف لتخفي دقات قلبها الصاخبة ..تلقي برأسها للخلف في كبرياء جريح..تمسك بطرف ثوبها الموشى بلون جرحها .. تلف حوله.. تدخله بين أهدابها المسافرة.. ينظر إليها ..يعانقها بعينيه ويقبض بيده على يد أخرى تلبس خاتمه ..تقترب منه , تلفحه أنفاسها التي تشبع منها , يشم عطرها , يتذكر عرقه الذي اختلط به.. تميل عليه , تجذبه الأخرى , يحكم قبضته على يدها فيشعر بوخز الخاتم ..
شعرها يخفي نصف وجهها ونصف وجهه.. يرتعش.. تقف مبتعدة ..يظهر كل وجهه وقد اختفت معالمه.. تعانقه صاحبة الخاتم , تنبت له عينان ..تدب الأرض ويعلو التصفيق , ينبت له فم وأنف.. ينهض ثائراً..يدب الأرض معها , يدور حولها ممسكاً بخصرها..يرتفع الضجيج تجذبه صاحبة الخاتم , يدور حولها , يقع قلبه على الأرض .. تدب الأرض بقدميها.. تركع .. ترفع قلبه .. تضمه إلى
صدرها بشوق .. تخرج قلبها ..تخيطهما معاً .. تنسج منهما وشاحاً ..تعطيه لصاحبة الخاتم
.

زوجة ثانية




زوجة ثانية

جلست تتأمله وهو ينظر لنفسه في المرآة ، ولا يرى سنوات عمره الستين ، مرددا عبارته الأثيرة: والله أنا أستحق عروس بنت 14
فتجيبه كعادتها : بلا شك ، ولكن شرط أن تكون سورية ، فتكون فاقتني في الجمال وفي فنون الطهي
وتضحك بداخلها وتتذكر حالها عندما كانت تذهب إلى أمها باكية ، شاكية لها حديثه المستمر عن رغبته في الزواج من فتاة صغيرة السن ، فتقول لها : يا حبيبتي لا تقلقي ، فمن يتحدث لا يتزوج ومن يتزوج لا يتحدث

Saturday, August 25, 2007

هو

......... هو
نظرت إليه بعينين مغرمتين وبقلب يفيض حباً , لا أحد غيره يستطيع أن يؤثر فيها كل هذا التأثير ,لا أحد غيره يشعرها بتلك النشوى فهي تنتظر الصباح لتكون معه , وتتلهف ساعة الأصيل لتقضيها برفقته , لا تخلف له ميعاداً , ولا تمل من النظر إليه أو لمسه بيدها أو لثمه بشفتيها ,لا أحد غيره يشعرها بهذا اللهيب عند التقاء شفتيها به, فكل العالم
يتلاشى في هذه اللحظة ولا يبقى إلا هي وهو .....فنجان قهوتها

منير عتيبة والرسم بالكلمات


منير عتيبة والرسم بالكلمات
( مجموعة كسر الحزن القصصية)

عندما تبدأ في القراءة تشعر أنك أمام لوحة فنية و مع كل كلمة يتشكل جزء فيها وتشم رائحة الألوان الزيتية التي مازالت تقطر من فرشاة منير عتيبة لا تدري أهو يرسم أم يكتب فاللفظ عنده له صورة وصوت ورائحة وترى الطبيعة الخضراء وجمالها وألوانها وتقلباتها وتشاهد أشخاصاً يتحركون ويعشقون ويتحدون الحزن في رقصة الحياة الأبدية وفي رسمه للوحة نجد إسقاطا درامياً رائعاً لمشاكل الوطن الكلية والمفتتة فالصورة عند عتيبة لها معنى يتسلل إليك وأنت لا تدري ولا تملك إلا أن تنفعل مع كل صورة وتهتف مع خلود (حط الشطة على المربى اسرائيل لازم تتربى

الخطوط الرئيسة في اللوحة

المشهد القريب في اللوحة هو لترعة المحمودية التي تتموج بهدوء فضي –حتى الهدوء صار له لون في اللوحة- وفوقها القمر الذي يضيء المكان بسخاء غير معهود.
ونرى المعدية التي ولت أيامها وسوف تختفي حين يكتمل بناء الكوبري.
ترى عم حسن يجدف بيديه متشبثاً بمجدافه كأنه يقبض على عمره الذي قضاه على تلك المعدية وتشعر بالعلاقة بين الجماد والأحياء فضربة المدرة للماء كأنها طعنة في صدر عم حسن تكاد تحس بها وتشعر بنفس النغزة التي تدلف إلى صدره العجوز وهو يتخيل أن لحمه ودمه الذي ذاب على المعدية سيستبدلونه بالخرسانة وهيكله العظمي الذي تآكل من تقلبات السن والطقس سيحل محله هيكلً من الحديد الصلد
على طرف اللوحة ترى زريبة الحيوانات فيها ثلاث بقرات وجاموستان وترى الحمار دعبس يغازل الحمارة مسعدة في رقصة للحياة ذات طبيعة خاصة.
وعلى البعد توجد القاعة البحرية وفيها الهانم.
وترى أيضاً شجرة الكافور وعليها يقف العصفور بجوار عشه ينظر إلى قبر والديه تحتها
وهناك غرفة هريدي وصفية وأم صفية ترمز للعالم وتناقضاته والمحاولات المستميتة لاقتناص لحظات من الفرح المسلوب في رقصة الحياة الخالدة التي تكسر جوانب الحزن فتفتته لتنجب وليدا من رحم عقيم إلا من هم في الزاوية البعيدة شجرة ما لا يميزها غير ورقة عليها بقعة دم قد تكون فرت من يد عم حسن أو من العصفور الذي أصابه النبل أو حتى من الأمازونيه السوداء.
على الأرض ترى أفرع الشجرة اليابسة التي تشبه المواطن الصالح في زمن التخنث.
وربما تكون منها العصا التي استخدمتها خلود في المظاهرة الخاصة بها التي أعادت بها الرجولة للمواطن الصالح الذي تنازل عن فحولته الفكرية والعقلية من أجل القبول به في عالم التخنث كعضو عامل ونشط.

وهنا وهناك كما هي الطبيعة دائما لابد أن تشاهد الحشرات فالصرصور له نظرة على الأمور كأنه يرمز للبشر المهمشين الذين يعيشون خارج اهتمام السادة أصحاب النعال المستوردة من إيطاليا.
والعنكبوت الذي كان يراقب نمو الذبابة منذ أن كانت صغيرة ولم يشعر بأي مشاعر تجاهها كأي كائن قد يألف من يشاركه المعيشة فترة من الزمن ولكنه كان يتحين الفرصة ليفترسها كأنه يرسم صورة الإنسان الذي يكمن لك حتى ما إذا أدرت له ظهرك انقض عليك ولكن حتى هذه الذبابة الصغيرة كان لها عند موتها ثورة على الوضع الذي فرضته عليها الحياة فإن كانت ولابد ميتة فليمت الطاغي معها تعلمنا درساً عسى أن تعيه العيون التي تنظر للوحة الشاملة في الكون.

وراء أشجار الكافور هناك صحراء النخيل الممتدة حيث نفرح بتقديم القرابين للسيد المنتصر ولا ندري على من انتصر ولماذا صوت الأسد القادم من بعيد حزين هكذا ولكنه وإن كان حزيناً فقد أفزع سيدنا المنتصر ولا ندري لما الإصرار هكذا على تطهير جباه الرعية ببوله المقدس.

كل ذلك كان مشهداً من المشاهد العديدة للقرية التي أعلنت أنها ستبقى على خارطة الزمن على الرغم من شهادة المؤرخين والمحللين العسكريين والمعلقين الرياضيين إلى جانب تلك الخطوط نجد بعض الخطوط الثانوية والتي تزيد من تفاصيل اللوحة الفنية وتشمل المناظر ذات البعد في الخلفية وبين الحشائش وأفرع الشجر الملقاة على الأرض مثل الديك الميت لشهرزاد التي ساقها حظها التعس مع شهريار إلى أن تواصل كلامها حتى أثناء نومه.
وفي البر الغربي توجد المقابر والنباتات الشوكية
-

الأصوات والرائحة واختيار الألوان

اللوحة التي رسمتها مجموعة كسر الحزن ليست صماء ولا بكماء فهي متحركة تتفاعل معها وتتفاعل معك تشم رائحة الكلمات وتسمع
أصواتها.
المشاعر قد تكون رمادية (إشارة) فالمحيط هنا لا يتسع لمشاعر بلون الورد لأنك تشم رائحة القمامة المادية المنبعثة من كوم القمامة والعفونة المنبعثة منه أو القمامة المعنوية التي تفوح من أخلاق المقدم المرتشي والصول اللذان يتلذذان بفرض الإتاوة على سائقي السرفيس والميكروباص وكذلك العفونة الصارخة في حديث الشاب مع الفتاة التي اتفق معها على مائة جنيه يحسبها ذات خبرة ولكننا نسمعه يساومها على نصف النقود لأنه اكتشف أنها عذراء.
هنا تتفاعل الطبيعة مع الحدث تتلون بلونه وتعطيه بعداً أعمق يذكرنا بما فعله توماس هاردي في روايته ( تيس أوف داربيفيل) حيث جعل اللون يعبر عن كل حدث وفي نفس الوقت يتفاعل مع المكان والأشخاص في أحوالهم المختلفة من الفرح والحزن وارتكابهم الخطيئة أو حتى في سعيهم للتطهر ولو على مذبح لإله وثني إنه الفرق بين تلك الفتاه التي تتخلى عن عفتها مقابل مائة جنيه وتلك الفتاة عند هاردي التي انتقمت ممن انتهكها وهي نائمة ودفعت حياتها ثمناً لذلك.

(الهدوء الفضي) لماء ترعة المحمودية يرمز إلى شعر عم حسن الأبيض الذي نعرف منه امتداد سنوات عمره التي قضاها على المعدية حتى تهالك مثلها.
أما في ( المطارد) نجد لون العين (عيناه بنيتان بياضهما صافي) ففي ألأخذ بالثأر يكون للقتل مذاق خاص عندما تنظر في عين القتيل لترى مقدار ألمه ويرى في نفس الوقت مدى تشفيك فيه في هذه اللحظة الأخيرة له إنه حديث العيون.
خيالات (ستهم القزحية) غامضة متعددة كألوان قوس قزح لها آمال وأحلام ولكنها بعد قليل لن تحقق منها شيئا وستختفي هي نفسها كما يختفي قوس قزح عند سطوع الشمس ولا يشفع له ألوانه وجماله ويبقى منه فقط مجرد وصف أو رسم على ورقة في كتاب كما حدث (لستهم) احترقت وتحولت قصة تروى.
وكما توهجت وهي حية كقوس قزح توهجت وهي تموت وتسمع صوتها الصارخ يثقب أذنيك ثم تتحول إلى قطعة فحم , لعب بالألوان برع فيه منير عتيبة صعد بك حتى لامست عيناك ألوان قوس قزح الرائعة ثم هوى بك على الأرض لتجد أن بين يديك مجرد قطعة فحم سوداء لها رائحة اللحم المحترق تكاد تنفذ إلى أنفك.

في (بقعة دم على شجرة) مجموعة من الألوان تخطها ريشة الكلمات الممزوجة باللون الأحمر كلون طبيعي للدم ولكنه اختلط بالأتربة فتحول للون الرمادي حتى مع أشعة الشمس الأغسطسية الساطعة تظل رمادية ولكنها تكتسب بعض اللمعان وهناك مجموعة ألوان تحدد معالم أوجه متناثرة وشفاه وعيون (شفه قانية- وجه مدور أبيض في أحمر-شعر ذهبي-طرحة سوداء).
كل ذلك يحكم قبضة اللون على محيط الصورة الكلي فيعطيها مزيداً من الثراء والعمق.
عندما نواجه روحاً فرت من العطب المتفشي في العالم فمن الحتمي أن تتبدل الألوان ولابد للرائحة العطرة أن تظهر (طارت) أجنحتها بلون الياسمين ورائحة فكرة حلمية.. فاحت الرائحة فملأت مسام الأرواح الخاوية , السماء ليست كأي سماء بل (السماء سحبها حليبية) والسطوح مرشوش بروح الندى
.
براءة خلود تجعلك تتخيل طعم المربى الممزوجة بالشطة فتجد اللعاب يجري لفمك تقززاً لجمعك النقيضين معا فلا تدري أيهما سيتغلب على الآخر الطعم الحلو للمربى أم الحار للشطة بينما تتطاير بعض الشطة لأنفك فتشعر بثورة فيها كتلك الثورة التي خلقتها خلود في هذا الجسد الذي ألف الخنوع والخضوع في قبره الوثير
.
رائحة الشواء للرأس المشوي الموضوع في (الطبق القاني السداسي الأضلاع) لماذا الطبق سداسي ؟ هل هو تلك النجمة السداسية التي هتفت ضدها خلود؟ والتي تسللت إلى حياتنا خلسة فلم نعد نميز بين ما نفقده وما نظن أنها منحته لنا ولونها القاني كلون الدم المتخثر الذي سال على الأرض الصفراء في وهم القتال للتحرير. طعم الدم القاني هذا صار مستساغاً رغم رائحته النتنة الواضحة ولكننا نواصل رحلة الغباء والبيع بلا ثمن (وواصلت المص).
نرفع الأيدي نسد بها آذاننا عندما يقفز اللون الأسود ليحتل الصحراء الجليدية ويصرخ بصوته الحاد المزعج كمنشار وقاس كطلقات رصاص (انطباع خاطئ
التحول
بعد رسم اللوحة الجميلة المتكاملة للطبيعة نجد البلدوزر يقتلع شجرة الكافور بأمر من الرجل القصير ذي الكرش الممتلئ الضخم الذي

سيحول الأرض الخضراء إلى مصنع للأدوات الصحية وفوراً نجد صورة شجرة الكافور تلاشت من الصورة الذهنية التي رسمناها في مخيلتنا ليحل محلها تواليت أو كومة من البلاط السيراميك.
حتى عزبة البلح فقدت أسمها وصار أسمها عزبة السيراميك ومن يتنازل عن أسمه لديه القابلية ليتنازل عن كل شيء فالرجل القصير الممتلئ كما أفلح في اقتلاع الشجر من جذوره أفلح في تجريف الفلاحين أنفسهم بل واقتلاع هويتهم التي كانت أعمق من جذور الشجرة الضاربة في أعماق الأرض وعندما جاء الأمر بالإقتلاع لم يكن لها من مغيث غير نظرات يائسة من طفل لا يرى فيها غير عش عصفوره اليتيم بينما الأب لا يرى أي فارق طالما أنه سيحصل على وظيفة مضمونة كحارس في مصنع السيد المنتفخ , فارتفعت الجذور فوق الأرض عارية كعشرات الأيدي تستجدي الرحمة في عالم بدأ يغير كل قيمه فالفلاحون الذين خلقوا من نفس طينة الأرض التي يقفون عليها تخلوا عن الفأس وباعوا الأرض وعملوا في المصانع أو اشتروا سيارات نصف نقل لنقل إنتاج المصنع أو افتتحوا محلات لبيع السيراميك.


مجموعة من الصور الزيتية قد نعتبرها نوعاً من التعبير عن التحول في التكوين الهيكلي للعالم العربي ونظرته الفردية الأحادية لمشاكله أو ربما نعتبرها رسم لمصر بعد الإنفتاح والتطبيع والتركيع.
اكتملت اللوحة تماما وعليها وزع منير شخصياته المتباينة والمتنوعة ووزع عليهم الأدوار بحرفية الفنان الذي يرسم بالريشة ودقة النحات الذي يعطي الحياة للصخر وهو مع ذلك لم يغرق في الطبيعة بحيث ينسى البشر ولم يتلاشى في بشريته بل مزج الإثنين معاً في لوحته وكأننا نرى فيها بشرية الموناليزا الغامضة وفي خلفيتها زهرة الخشخاش الساحرة.

Thursday, August 16, 2007

تــغــريدة البجــعــة


( تغريدة البجعة ) لمكاوي سعيد

الهوامش تحكم الوطن

( كنت أراه كالبجعة في أيامها الأخيرة
حين تستشرف الموت فتتجه إلى شاطيء المحيط
وتنطلق في رقصتها الأخيرة
وتغرد تغريدتها الوحيدة الشجية ثم تموت ..)
********
رواية ( تغريدة البجعة ) هي واحدة من خمسة أعمال تقدمت بها دار الدار للنشر والتوزيع لجائزة بوكر العربية. وهي للأديب الروائي وكاتب السيناريو مكاوي سعيد.

تتناول الرواية مجتمع وسط البلد القاهري بمميزاته الفريدة التي تصهر كل من فيه في قالب واحد له سماته العامة , ثم يتجسد هذا القالب مرة أخرى ليتفرد كل فرد فيه بأشياء قد تكون وراء حدود المعقول , وترصد الرواية أيضاً التحولات التي مر بها هذا المجتمع خلال السنوات الماضية كانتقال أحمد الحلو من أقصى اليسار الثوري إلى أقصى يمين الفكر الوهابي .

كل شخصية لها هاجسها المتأرجح بين حالة الحلم الكامل , وبين الواقع الذي قد يعيق تحقق هذا الحلم فيسبب جرحاً واغتراباً للروح فلا تدري أين موطنها , واغتراباً للجسد فلا يشعر بوجوده بين البشر , ولا يفرق بين وجوه النساء اللواتي يسكن ذاكرة هذا الجسد المغترب

الحلم في تغريدة البجعة هو الأمل في وطن مفقود , هذا الوطن تجسد في صورة حبيبة من زمن الشباب عند مصطفى , أو حبيبة تجسدت فيها معاني الكون الصوفي كقطب تحوم الروح حوله عند عصام, أو كرفيقة نضال عند أحمد الحلو, وقد يكون الوطن حبيباً يحتوي الروح الهائمة الباحثة عن الحب لتسكن على شاطئه عند زينب.

شخصنة الأحداث!

تغوص الرواية في مشاكل الوطن وتمر على أحداث قد نكون قرأناها في الصحف , ولكننا هنا أمام نوع من التأريخ الوجداني للحدث , إنه نوع من أنسنة التاريخ لتتفاعل معه بمشاعرك

فلا تملك إلا أن تشعر بماء النار تحرق يدك عندما ينزع أطفال الشوارع الصليب من على يدك

وتشعر بالنار تحرق جسدك المحاصر في مسرح بني سويف وترى نفسك في واحد من تلك الصناديق الخشبية المهترئة وقد تيبس جسدك ولا تجد ما يسترك , وترى الوزير الحساس وقد تلبسته موضة أرماني.

تشعر أنك سجين وتلهبك سياط سجانك في أبي غريب وتلفحك شمس جوانتنامو

وتمشي مع المتظاهرين تسب وتلعن أمريكا وخياراتها المعدومة فمن ليس معها فهو ضدها
وتشعر بهراوات جنود الأمن المركزي وهي تهوي عليك
وتجد نفسك محاصراً في جنوب لبنان وتحت القصف في غزة

وتشعر بأنك تسقط مع جوليا من الطابق الرابع عشر , وتتدفق الدماء منك مختلطة بعظامك المسحوقة تماماً كأحلام جوليا الضائعة في الحصول على فرصة للهجرة لأمريكا فراراً من الحرب الأهلية في جنوب السودان .
الدين المستورد

هناك أيضاً رصد لظاهرة تسطيح الفكر الديني ليركز على تدين المظهر الذي امتد لتغيير أسماء الشوارع, فشارع خوفو أصبح أسمه خاتم المرسلين
والعمل في مؤسسات المجتمع لا يجوز لأنه مجتمع جاهلية
وظهور صرعة الفتاوى الغريبة من رجال الدين نجوم الفضائيات
وتواري أصوات عبد الباسط ومحمد رفعت وظهور أصوات لا يميزها شيء غير أنها مستوردة .
هاجس الحلم والجرح

وفي الرواية رحلة حساسة ومؤثرة وجارحة في الوقت ذاته تلمس أحلام في قممها وصولاً إلى وحل الواقع , فهناك حكاية دانة المدفع التذكارية , والتي بقيت في الكلية خمسة عشر عاماً تنتظر هند الحب/الوطن لتمنحها شهادة مؤجلة منذ حرب أكتوبر. فتطرح الرواية السؤال الملتبس هل كانت حرب أكتوبر استرداداً للكرامة وميلاداً جديداً لأمة أم إيذان برحيل الحب/الوطن وتواري المعنى؟

وهناك ياسمين التي رآها مصطفى تجسيداً لحبيبته الراحلة رغم كل الاختلافات بينهما , وزينب التي تعلمت كيف تعبر عن امتنانها وحبها وتقديرها وكل مشاعرها بطريقة واحدة فقط , فقد اغتصبها عمها صغيرة وعرفت من التجربة ما هو هوى الرجال ,ومصطفى راوي الأحداث والشاعر المنسحب الذي أعدم الأمل بقرار الانتحار ورغم ذلك لا نعرف هل انتحر أم لا .وعصام الفنان الحساس الذي يعشق بكل روحه وكيانه في نظرة صوفية خالصة لمن يحب , وأحمد الحلو اليساري المتحول للفكر الوهابي الذي جعل من نفسه متحدثاً باسم الإله ليحكم على كل المجتمع بأفراده ومؤسساته بما يمليه عليه فكره الذي ينتمي لأربعة عشر قرناً مضت .

وحكايا مارشا وصوفي وديانا وسامنتا وكل الغزاة في الوطن تحت مسمى التجارة الحرة والتعاون الدولي .
وحكاية يوسف حلمي المنتج السينمائي في محاولته اليائسة لاستلاب حياة على وشك التلاشي ,ومحاولته أيضاً لتسليم أوراقه إلى آخر قد يحمل راية الفن ويعلن عنه باعتباره صحفياً , وكيف أنه غيب زوجته في حياتها واستحضرها ميتة . حجب الحب عنها بينما كانت في حاجة إليه , و منحها إياه فيما تتسع لروحها رحمة خالقها .

رواية تغريدة البجعة هي حكاية مصر الوطن والحب والثقافة الذي اختطفته الغربان وترك أبناءه الشعراء والفنانين والعشاق يدورون في فلك لا يعرفونه ويتلقون الهزيمة تلو الأخرى .
رواية تكشف الفاجعة مؤداها أن انتبهوا أيها السادة فالأمريكية مارشا تحكم الصفوة وطفل الشوارع كريم المصري يحكم العشش .
انتصار عبد المنعم