http://www.octobermag.com/issues/1707/artDetail.asp?ArtID=87627
تتكئ المجموعة القصصية "من خرم إبرة " للقاصة والروائية منى الشيمي على مجموعة من المونولوجات أو الحوارات الجانبية كنوع من الاستبطان الداخلي يعكس حالة التشظي الذي يبحر فيه صوتها السارد .
ولأن منى الشيمي قادمة من الجنوب كما النيل ،فقد جاء السياق القصصي معها متماوج الوتيرة يحمل توتر النيل ولكنه لا يصل الى مرحلة الفيض الذي ربما يسبب بعض الضرر أو الكثير من الكشف لأشياء يكون طمرها أفضل من استنباتها .
وعلى الرغم من أنها مجموعة قصصية إلا أنها تعكس نظرة الكاتبة التي تتعامل مع العالم كمسرح يتحرك عليه صوت السارد كصوت أحادي متقمصا أدوارا عدة ، ولكنها في نفس الوقت تصب في بوتقة واحدة ، تلك التي تصهر الانسان وتمزجه باحباطات وخيبات الواقع ليعاني مجموعة مخاوف أغلبها ذاتية تنبع من الداخل لا من الخارج والظروف المحيطة.
وإذا تتبعنا السياق النفسي للمجموعة ، فمن المؤكد أننا سنلاحظ أنها تبدو وكأنها مونودراما واحدة متصلة بخيط رفيع تبدأ على لسان الساردة التي يرد على لسانها الكثير من المونولوجات تنفصل بها عن الفضاء المكاني الذي تتحرك فيه ، وتأتي باقي الشخصيات كصور باهتة على هامش الوجود ؛ وتأتي قصة "تمزق" بأكملها نموذجا للصوت الواحد ، الصوت الداخلي الذي يعيدنا إلى "هاملت" في أشهر مونولوجاته .
لا صوت يعلو على صوت الضمير أو الأنا الأخرى التي تظهر فيبدو من ورائها كل الصراعات.
صوت السارد/الساردة يأتي كصوت الأنا العليا الذي يئن فيعكس صراع الأنا مع المرغوب في مواجهة الموروث الذي لا يتيح كثيرا من الطموحات ولا يشبع حالة البرد المتنامي الذي تشعر به "هي " حتى في حضور "هو"لا يفصلهما غير غطاء .
من الممكن تقسيم المجموعة إلى قسمين يربط بينهما قصة واحدة نعدها برزخا يصل بين القسم الأول الذي يشتمل على ثلاث عشرة قصة ،ثم القصة البرزخ "من علمك الأسماء كلها" ثم يأتي القسم الثاني تحت عنوان "هو وهي قصص كهفية غير منتهية"
القسم الأول يسوده حالة من الخوف ، التوتر، والقلق؛ فالقلق حالة مزمنة ، والفرحة دوما يتبعها حزن ، والطفل المرتقب الذي وإن كان يرمز لميلاد أمل، فهو الآخر جاء مشوها (لما ابتلعت جمرة ).
تواجهنا أيضا حالة الفصام أو الغربة الوجدانية التى تعبر عنها بتلمسها للدفء من "هو" المختفي تحت الغطاء تاركا "هي" تعاني توتر الحرمان الذي يدفعها لمتابعة المتسلل إلى بيت جارتها بينما يتناهى إلى سمعها شخير زوجها ؛إن تواجد في الفضاء المكاني الذي تتواجد فيه، لا يظهر منه غير شخيره كعلامة تثبت تواجده الراكز على واقعها.
"هو" لم يعد قادرا على تدفئة أماسيها الباردة بحلو الحديث ، فلا تجد أمامها غير الفرار إلى حالة الحلم أو الخيال. فهي تعلم جيدا أن هويتها لا تكتمل إلا بين كفي رجل ، "هو" مصدر السعادة والتعاسة وبينهما رحلة ممتدة من المعرفة ؛ حتى وإن تمردت عليه فهي تتمرد كي تزدد التصاقا به. تطبب جرحها بمن تسبب فيه . فهذا الذي "/ترك ابتسامته في حلقة السمر وينسى لسانه عند الأصدقاء/" تستعيض عنه بآخر على الشات يهتم بتفاصيل ودقائق حياتها الرتيبة مع "هو" والتي أوصلتها إلى حالة من الشوق لمجرد سماع اسمها يتردد على لسان "هو" الذي جعلها تبحث عن الدفء لتعاني جمراته مع رجل الشات .
وكما تعبر قصص القسم الأول عن الخوف الدائم النابع من الداخل نتيجة الصراع النفسي ، نجد أيضا حالة الخوف نتيجة اعاقة ظاهرة كمقابلة صارخة تواجه بها الاعاقات الداخلية الكثيرة التي تغص بها حيوات من حولها . حالة خوف واحدة سببها إعاقة جسدية في قصة (على وتر مشدود) بينما باقي القصص تتعامل مع إعاقات نفسية كثيرة ،وإن لم تبد ظاهرة للعيان .
ثم تأتي القصة البرزخ التي تمهد لزوال كل اشكاليات الصراع "من علمك الأسماء كلها " وهي القصة التي نعتبرها مدخلا للقسم الثاني من المجموعة. في هذه القصة تلجأ منى الشيمي إلى حيلة ذكية كي تعيد تشكيل العالم من جديد . تلجأ إلى محو ذاكرة هي وهو معا . تضعهما في حالة ترقب واستنفار دائمين نتيجة جهلهما بما يدور حولهما ، فقدان للذاكرة كحل مقترح لاعادة تشكيل الكون كما نحب وكما نريد. ترغب في استنطاق جوامد المشاعر والبشر من حولها ، هكذا تبدأ رحلة الخلق والتكوين لشخوص يبدأون من جديد فندخل عصرا جديدا في القسم الثاني الذي جاء على هيئة متوالية تحمل اسم(هو وهي قصص كهفية غير منتهية) .
لم ترضها العلاقة القائمة بين هو وهي في النصف الأول فأعادتهما إلى البداية، سلبتهما الهوية وأعادتهما الى فجر التاريخ ، تبعث فيه العالم من جديد . تعود بهما إلى العصور الأولى ،حيث فرحة اكتشاف كل منهما للآخر ، فرحة الاكتشاف والانعتاق لتتحرر الأسئلة التي أثارتها في الجزء الأول ولم تجد لها اجابات . لم تستسلم لفكرة بقاء "خرم الابرة" كما هو ضيقا لا يسمح بمرور غير هذا الخيط الرفيع ، فتلجأ الى فكرة جديدة تتحايل بها على هذا العالم الذي لم يأبه لوجودنا ، ولم يرق الى مستوى طموحاتنا وأوصلنا إلى حالة التوحد مع الذات ، والوحدة وإن اكتظ المحيط بالبشر؛ لماذا لا نعيد تشكيل هذا العالم من جديد ؟
هكذا فعلت منى الشيمي في مجموعتها القصصية الأخيرة الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب ،بعد مجموعة من الأعمال المميزة نالت عنها العديد من الجوائز كان آخرها جائزة دبي الثقافية وجائزة الشارقة .
تتكئ المجموعة القصصية "من خرم إبرة " للقاصة والروائية منى الشيمي على مجموعة من المونولوجات أو الحوارات الجانبية كنوع من الاستبطان الداخلي يعكس حالة التشظي الذي يبحر فيه صوتها السارد .
ولأن منى الشيمي قادمة من الجنوب كما النيل ،فقد جاء السياق القصصي معها متماوج الوتيرة يحمل توتر النيل ولكنه لا يصل الى مرحلة الفيض الذي ربما يسبب بعض الضرر أو الكثير من الكشف لأشياء يكون طمرها أفضل من استنباتها .
وعلى الرغم من أنها مجموعة قصصية إلا أنها تعكس نظرة الكاتبة التي تتعامل مع العالم كمسرح يتحرك عليه صوت السارد كصوت أحادي متقمصا أدوارا عدة ، ولكنها في نفس الوقت تصب في بوتقة واحدة ، تلك التي تصهر الانسان وتمزجه باحباطات وخيبات الواقع ليعاني مجموعة مخاوف أغلبها ذاتية تنبع من الداخل لا من الخارج والظروف المحيطة.
وإذا تتبعنا السياق النفسي للمجموعة ، فمن المؤكد أننا سنلاحظ أنها تبدو وكأنها مونودراما واحدة متصلة بخيط رفيع تبدأ على لسان الساردة التي يرد على لسانها الكثير من المونولوجات تنفصل بها عن الفضاء المكاني الذي تتحرك فيه ، وتأتي باقي الشخصيات كصور باهتة على هامش الوجود ؛ وتأتي قصة "تمزق" بأكملها نموذجا للصوت الواحد ، الصوت الداخلي الذي يعيدنا إلى "هاملت" في أشهر مونولوجاته .
لا صوت يعلو على صوت الضمير أو الأنا الأخرى التي تظهر فيبدو من ورائها كل الصراعات.
صوت السارد/الساردة يأتي كصوت الأنا العليا الذي يئن فيعكس صراع الأنا مع المرغوب في مواجهة الموروث الذي لا يتيح كثيرا من الطموحات ولا يشبع حالة البرد المتنامي الذي تشعر به "هي " حتى في حضور "هو"لا يفصلهما غير غطاء .
من الممكن تقسيم المجموعة إلى قسمين يربط بينهما قصة واحدة نعدها برزخا يصل بين القسم الأول الذي يشتمل على ثلاث عشرة قصة ،ثم القصة البرزخ "من علمك الأسماء كلها" ثم يأتي القسم الثاني تحت عنوان "هو وهي قصص كهفية غير منتهية"
القسم الأول يسوده حالة من الخوف ، التوتر، والقلق؛ فالقلق حالة مزمنة ، والفرحة دوما يتبعها حزن ، والطفل المرتقب الذي وإن كان يرمز لميلاد أمل، فهو الآخر جاء مشوها (لما ابتلعت جمرة ).
تواجهنا أيضا حالة الفصام أو الغربة الوجدانية التى تعبر عنها بتلمسها للدفء من "هو" المختفي تحت الغطاء تاركا "هي" تعاني توتر الحرمان الذي يدفعها لمتابعة المتسلل إلى بيت جارتها بينما يتناهى إلى سمعها شخير زوجها ؛إن تواجد في الفضاء المكاني الذي تتواجد فيه، لا يظهر منه غير شخيره كعلامة تثبت تواجده الراكز على واقعها.
"هو" لم يعد قادرا على تدفئة أماسيها الباردة بحلو الحديث ، فلا تجد أمامها غير الفرار إلى حالة الحلم أو الخيال. فهي تعلم جيدا أن هويتها لا تكتمل إلا بين كفي رجل ، "هو" مصدر السعادة والتعاسة وبينهما رحلة ممتدة من المعرفة ؛ حتى وإن تمردت عليه فهي تتمرد كي تزدد التصاقا به. تطبب جرحها بمن تسبب فيه . فهذا الذي "/ترك ابتسامته في حلقة السمر وينسى لسانه عند الأصدقاء/" تستعيض عنه بآخر على الشات يهتم بتفاصيل ودقائق حياتها الرتيبة مع "هو" والتي أوصلتها إلى حالة من الشوق لمجرد سماع اسمها يتردد على لسان "هو" الذي جعلها تبحث عن الدفء لتعاني جمراته مع رجل الشات .
وكما تعبر قصص القسم الأول عن الخوف الدائم النابع من الداخل نتيجة الصراع النفسي ، نجد أيضا حالة الخوف نتيجة اعاقة ظاهرة كمقابلة صارخة تواجه بها الاعاقات الداخلية الكثيرة التي تغص بها حيوات من حولها . حالة خوف واحدة سببها إعاقة جسدية في قصة (على وتر مشدود) بينما باقي القصص تتعامل مع إعاقات نفسية كثيرة ،وإن لم تبد ظاهرة للعيان .
ثم تأتي القصة البرزخ التي تمهد لزوال كل اشكاليات الصراع "من علمك الأسماء كلها " وهي القصة التي نعتبرها مدخلا للقسم الثاني من المجموعة. في هذه القصة تلجأ منى الشيمي إلى حيلة ذكية كي تعيد تشكيل العالم من جديد . تلجأ إلى محو ذاكرة هي وهو معا . تضعهما في حالة ترقب واستنفار دائمين نتيجة جهلهما بما يدور حولهما ، فقدان للذاكرة كحل مقترح لاعادة تشكيل الكون كما نحب وكما نريد. ترغب في استنطاق جوامد المشاعر والبشر من حولها ، هكذا تبدأ رحلة الخلق والتكوين لشخوص يبدأون من جديد فندخل عصرا جديدا في القسم الثاني الذي جاء على هيئة متوالية تحمل اسم(هو وهي قصص كهفية غير منتهية) .
لم ترضها العلاقة القائمة بين هو وهي في النصف الأول فأعادتهما إلى البداية، سلبتهما الهوية وأعادتهما الى فجر التاريخ ، تبعث فيه العالم من جديد . تعود بهما إلى العصور الأولى ،حيث فرحة اكتشاف كل منهما للآخر ، فرحة الاكتشاف والانعتاق لتتحرر الأسئلة التي أثارتها في الجزء الأول ولم تجد لها اجابات . لم تستسلم لفكرة بقاء "خرم الابرة" كما هو ضيقا لا يسمح بمرور غير هذا الخيط الرفيع ، فتلجأ الى فكرة جديدة تتحايل بها على هذا العالم الذي لم يأبه لوجودنا ، ولم يرق الى مستوى طموحاتنا وأوصلنا إلى حالة التوحد مع الذات ، والوحدة وإن اكتظ المحيط بالبشر؛ لماذا لا نعيد تشكيل هذا العالم من جديد ؟
هكذا فعلت منى الشيمي في مجموعتها القصصية الأخيرة الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب ،بعد مجموعة من الأعمال المميزة نالت عنها العديد من الجوائز كان آخرها جائزة دبي الثقافية وجائزة الشارقة .
انتصار عبد المنعم
























