Sunday, December 13, 2009

«ماركيز».. دروس فن الحياة


منذ سنوات عندما أشيع نبأ اعتزال ماركيز للكتابة، ظهر ماركيز بنفسه لينفى هذا النبأ، ويثبت أنه يعيش ليكتب.. والآن يتكرر هذا الأمر وتتناقل بعض الوسائل الإخبارية تصريح الوكيلة الأدبية للروائى الكولومبى الشهير جابرييل جارثيا ماركيز بأن الكاتب الكبير سيعتزل الكتابة بعد أن سبق له اعتزال الحياة العامة فى الفترة الأخيرة بسبب تدهور حالته الصحية، وللآن لم يظهر ماركيز ليخبرنا أنه سيعيش ويكتب رغما عن مرضه.ماركيز، الأديب الكولومبى الأشهر ولد فى عام 1928 فى مدينة «أركاتكا» شمال كولومبيا، وحصل على جائزة نوبل فى الآداب عام 1982 عن رائعته «مائة عام من العزلة» وغيرها من الأعمال الذى شكلت عالمه الواقعى السحرى مثل «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه، خريف البطريرك، والحب فى زمن الكوليرا». كتب ماركيز سيرته الذاتية «عشت لأحكى» كاشفا دقائق حياتية قد يخجل كثيرون من ذكرها ولو عرضا، كتب عن حياته وما عاناه فى سبيل العلم والعمل، وعن مهنته كصحفى وعن توجهاته فى الكتابة والحياة، كتب عن حياة المنفى والفقر الذى عاشه فى باريس، وعن عودته الى أمريكا اللاتينية، ولقائه بالرئيس الكوبى فيديل كاسترو فى العاصمة الفنزويلية، والثائر الأرجنتينى تشى جيفارا. تتناقل الآن نفس المصادر رسالة كتبها ماركيز من على فراش المرض يودع بها الأصدقاء. هذه المرة لدينا رسالة منسوبة إلى الكاتب الكبير يوجهها إلى من أمامه فرصة ليعيش وأن يمتد به الأمل. ولكن وإن كانت الرسالة تصدر من ماركيز الذى اشتد عليه المرض، فهى ليست وصية شخص يتأهب للموت، بل هو كلام شخص أدرك معنى الخلود وقيمة الحياة، ولذلك يأبى أن يرحل دون أن يورثها لمحبيه فى أرجاء الأرض جنبا إلى جنب مع أعماله الأدبية التى فرض من خلالها اسلوبا متفردا، يغرى بمواصلة القراءة وتتبع الأحداث بل وتتبع صدور الجديد مما يحمل بصمته المميزة.جاءت وصية ماركيز مثل دروس فى فن الحياة والتمتع بدقائقها، والتلذذ بمباهجها وكيفية إضفاء البهجة على من يقتسمون معنا حق التواجد والعيش. يقول ماركيز فى رسالة الخلود: «لو شاء الله أن ينسى أننى دمية وأن يهبنى شيئاً من حياة أخرى، فإننى سوف أستثمرها بكل قواى. ربما لن أقول كل ما أفكر به لكننى حتماً سأفكر فى كل ما سأقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعنى خسارة ستين ثانية من النور. سوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام. لو شاء ربى أن يهبنى حياة أخرى، فسأرتدى ملابس بسيطة وأستلقى على الأرض، ليس فقط عارى الجسد وإنما عارى الروح أيضاً.«سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق. للطفـل سـوف أعطى الأجنحة، لكننى سأدعه يتعلّم التحليق وحده. وللكهول سأعلّمهم أن الموت لا يأتى مع الشيخوخة بل بفعل النسيان. لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر.. تعلمت أن الجميع يريد العيش فى قمة الجبل غير مدركين أن سرّ السعادة يكمن فى تسلقه».«تعلّمت أن المولود الجديد حين يشد على اصبع أبيه للمرّة الأولى فذلك يعنى أنه أمسك بها إلى الأبد».«تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر؛ فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف».«تعلمت منكم أشياء كثيرة! لكن، قلة منها ستفيدنى، لأنها عندما ستوضب فى حقيبتى أكون أودع الحياة».قل دائماً ما تشعر به وافعل ما تفكّر فيه. لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التى أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعى ولتضرعت إلى الله أن يجعلنى حارساً لروحك. لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التى أراك فيها، لقلت «أحبك» ولتجاهلت، بخجل، أنك تعرفين ذلك. هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أننى مخطئ وهذا هو يومى الأخير، أحب أن أقول كم أحبك، وأننى لن أنساك أبداً. لأن الغد ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن. ربما تكون فى هذا اليوم المرة الأخيرة التى ترى فيها أولئك الذين تحبهم، فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتى ولا بد أن تندم على اليوم الذى لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة، أو عناق، أو قبلة، أو أنك كنت مشغولاً كى ترسل لهم أمنية أخيرة. حافظ بقربك على من تحب، اهمس فى أذنهم أنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتن بهم، وخذ ما يكفى من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحنى، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التى تعرفها. لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها. وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك.تلك كانت رسالة ماركيز، وسنظل ننتظره، ليخرج علينا مرة ثانية يكذب خبر اعتزاله، وليعطينا المزيد من دروس فن الحياة والخلود
انتصار عبد المنعم.
مجلة أكتوبر العدد1729

2 comments:

amro said...

شكرا لهذا المقال الجيد
لقد اوحى لى ان ابحث عن الرسالة

الرسالة التى نشرتها فى مدونتى
تحياتى

Anonymous said...

أدخل مدونتك وأستشعر رحيق المعرفة من أول كلمة تقع عيني عليها فهنا أطوف مع ماركيز وأمل دنقل ومع ذكريات ثقافية عبر مؤتمر أدباء مصر وصدقك وإيمانك بما تكتبين لهو المعبر الحقيقي لعقول وقلوب قرائك
خالد محمد الصاوي