Saturday, August 15, 2009

"الصرخة"مابين كرم النجار وأم الرجال!!

"الصرخة"مابين كرم النجار وأم الرجال!!

حينما سألوها أيهما أهون ، العمى أم الصمم ، أجابت هيلين كيلر:العمى أهون لأنه يفصلني عن الأشياء ،أما الصمم فيفصلني عن الناس وهذا هو الجحيم.
منذ سنوات عديدة وبالتحديد في عام 1992 شاهدنا فيلم "الصرخة" من تأليف كرم النجارالذي تناول فيه عالم الصم والبكم الذي كنا نجهله تماما .تابعنا بشغف نور الشريف وهو يجسد ببراعة شديدة شخصية عمر الشاب الأصم الأبكم الذي يواجه ظلم المجتمع من حوله الذي لا يعترف بذوي الاحتياجات الخاصة . دمعت عيوننا ونحن نراه وغيره من المعاقين يقعون ضحايا الاستغلال بشتى أنواعه ولا يستطيعون ترجمة ما يشعرون به باللغة المنطوقة ، وإن حاولوا استخدام لغة الإشارة ، لا يفهمهم أحد ،وفي أحيان كثيرة يقعون ضحية الترجمة الخاطئة من الوسيط الذي يحيل الاشارات إلى حديث مسموع .ولكن عندما قرر البطل الأصم الانتقام لنفسه ولزملائه تحول تعاطفنا معه إلى خوف وتوجس ،ونسينا على الفور أنه كان ضحية لعوامل عديدة تحالفت ضده من إعاقة وظروف مجتمعية لم تكن مؤهلة لدمجه وأمثاله في المجتمع .وفي النهاية عندما حقق البطل انتقامه و أطلق صرخته الأخيرة معلنا انتصاره ، شعرنا بالرعب و انتهى الفيلم بعد أن ملأنا خوفا منهم وزادنا ابتعادا عنهم ونفورا على عكس ما أراده المؤلف والمخرج .
وتمر السنوات وتأتي "أم الرجال" لتتناول نفس العالم ، عالم الصم والبكم .تقدمه لنا بصورة متكاملة بآماله وآلامه . تقدم لنا صرخة من نوع خاص ، صرخة أمل ينبع من عالم تعلمه جيدا ،فهي أم لرجلين من هذا العالم ، أحمد وكريم، وأم لمئات آخرين شملتهم بالعناية والرعاية والتواصل .
أم الرجال هي سهير عبد الحفيظ عمر التي حولت محنتها كأم إلى منحة لها ولأولادها في عالم الهدوء والسكون الجبري .حصلت أم الرجال على الماجستير في الصحة النفسية عن أمهات فاقدي السمع وشاركت في العديد من المؤتمرات واللقاءات المعنية بأمر الإعاقة.
في كتابها "قلوب تفيض" عرفتنا أم الرجال على نماذج واقعية من هذا العالم الصامت ،نماذج لم يكن لديها مخرج سينمائي يملي عليهم أدوارهم في الحياة ، ولم تكن أمامهم أضواء وكاميرات واهتمام اعلامي . جميعهم قاموا بأدوارهم بأنفسهم دون الحاجة لدوبلير يؤدي عنهم لحظات كثيرة من المعاناة والألم وظروف عديدة تواطأت ضدهم تريد ذبح آمالهم وطموحاتهم ، هم ببساطة قاموا بكل شيء كصرخة جماعية يعلنون فيها الانتصار على الإعاقة ، يعلنون تصالحهم مع الحياة والمجتمع .تحكي لنا معاناتاهم مع الحياة منذ الميلاد وكيف تكيفوا مع الواقع الذي لا مجال لتغييره .القلوب التي تحدثت عنها أم الرجال لم تستغل الإعاقة كمسوغ للحقد على المجتمع ، بل كانت قلوب تفيض بحب الحياة لأن الاعاقة لم تكن في أرواحهم ولا في قلوبهم البيضاء الخالدة، بل كانت اعاقة في جزء من الجسد الذي وإن طال بقاؤه فسيبلى يوما .
تضعنا أم الرجال أمام مأزق نفسي لنسأل معاقون أم معافون؟؟فنحن بأطرافنا المكتملة وألسنتنا التي لا تكف عن الحركة وبآذاننا التي تعمل ليل نهار نتعلل بالظروف والحر والبرد لنبررعجزنا وتخاذلنا أمام مشكلات عارضة ،فمن منا المعاق ؟؟
النماذج التي تناولتها في كتابها عانت الإعاقة وكل الظروف المعيقة لهم ولكنهم لم يفعلوا مثل الكثيرين منا الذين يفتشون عن شئ يلقون عليه اللوم ،ولم يفعلوا مثل بطل فيلم الصرخة الذي قرر الانتقام من المجتمع ، بل قرروا التغلب على الإعاقة نفسها . تحدثنا أم الرجال عن نماذج تنتمي لعالم الهدوء والسكون ؛عالم الصم ، نتعرف على المهندس تامربهاء الدين أنيس وكيف جاءت على يديه فكرة الجمعية الأهلية للصم والبكم ، وعن أمل عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للفنون التطبيقية ،تعرفنا على ولديها أحمد وكريم ، تعرفنا على الفنانة حنان النحراوي التي تحايلت على جهل العالم للغة الهدوء الذي تعيش فيه ، فاختارت لغة قوس قزح لتحدث العالم بفرشاتها وألوانها . أما المحامية ومترجمة لغة الإشارة نادية عبدالله فهي نموذج صارخ لقلب فاض بالحب لعالم الصم الذي انتمى له والدها ووالدتها فقامت بدور الوسيط الناطق منذ صغرها لتربط والديها بالعالم الصاخب ، ثم امتد طموحها لتقوم بالدور نفسه للكثيرين كأول محامية للصم ومترجمة للغة الإشارة . وهناك نماذج أخرى كثيرة . في كتابها تثير أم الرجال سؤالا مهما ،تقول : "حين يمتزج الجهل بالفقر والإعاقة هل تكفي الأمومة قاربا يصل بالأبناء إلى مرافئ الأمن؟
فأغلب النماذج الناجحة التي تناولتها كانت نتيجة أم محاربة لا تستسلم أبدا من أجل طفلها المعاق ،ولكن الأمومة وحدها لا تكفي ، فعملية زرع قوقعة الأذن والتي تمكن الأصم من استعادة جزء كبير من سمعه تتكلف داخل مصر أكثر من مائة وعشرين ألف جنيه، وثمن السماعة الخارجية للجهاز 3000جنيه،وقد تتغير كل عام وثمن السلك الخارجي 300جنيه.
تحلم أم الرجال برعاية دائمة لذوي الاعاقة السمعية وتوفير سماعة طبية لهم على أن يكون من حقهم الحصول على البطاريات الازمة لها كل شهر . وعندما تتحدث أم الرجال عن ضعاف السمع أو الصم والبكم فهي لا تتحدث عن بضع مئات ،بل تتحدث عن 6ملايين مصري أي مايقرب من 9%من عدد السكان . وهؤلاء لهم حقوق في الرعاية الصحية والنفسية والمجتمعية ، ويجب على وسائل الإعلام أن تضعهم في دائرة الإهتمام ، بل يجب أن تتكرر تجربة فيلم الصرخة ولكن هذه المرة ستأتي التجربة بالطريقة الصحيحة ، فلدينا الآن المعرفة الكافية لإنتاج أعمال درامية يشترك فيه أبطال من الصم والبكم في أدوار طبيعية تماما بعيدا عن أدوار المرشد لعصابات التهريب ،و ماسحى السيارات والأحذية .وأخيرا "قلوب تفيض" الذي خطه قلم أم الرجال سهير عبد الحفيظ من المحلة الكبرى هو خطوة صحيحة نحو مجتمع قادر على احتواء كل أبنائه في قلب واحد دون تمييز .

مجلة أكتوبر العدد1712

3 comments:

Anonymous said...

good

sohair said...

الأخوة الأعزاء
لقد أثار المقال المذكور الكثير من المشاعر فهي تارة تحاكي القلوب وتارةتحاكي المفاهيم والكثير من الضروب وخاصة بعدتناول الشاشة الفضية قضايا الإعاقة من زوايا متعددة تارة بهدف إستثارة الأحاسيس والمشاعر ولكن مفاعيلها عادة تتوقف عند الطقوس ولا تخترق النفوس وتقف عند الأبواب دون أن تلج إلى تلافيف الألباب.
نتطلع إلى كافة وسائل الإعلام لتدخل معنا في جدليات الثقافة وقواميس وابجديات التسميات ولتتغلغل في العادات والتقاليد والأعراف لتسود وعينا منظومة قيمية مرتكزة على حقوق الإنسان. ولا يغيب عن بالنا حقائق دامغة أولها أن الأشخاص ذوي الإعاقة لم يقرروا عن سابق تصوروتصميم الصعوبات السمعية والبصرية والذهنية والحركية ولا طاقة لهم على رفض ما هم فيه وثاني تلك الحقائق أنه ليس هناك من معايير أو مواصفات تمكن مستحوذيها من تبوأ صفة الكمال أو "الطبيعية" فلا كمال إلا لله وحده والحقيقة الثالثة أنه كلنا بالنهاية معوقون ولكننا في الوقت ذاته كلنا متساوون. ورابع تلك الحقائق إن من يحلو له أن يطلق من تسميات "ذوي إحتياجات خاصة" يجب ان ينطلق من من التعرف إلى أن "الحاجات الخاصة" تلك ليس ترفا أو نقاهة أو كماليات أو جماليات بل أنها ضرورات حياتية كالطعام والشراب والكساء والتي لا يمكن "العيش" دونها بل هي حقوق منتهكة ومسلوبة وأن الإستحوذا على الحق في الحياة والحق في الرعاية الأسرية والحق في الرعاية الإجتماعية والحق بالتربية والتعليم والحق بالصحة والحق بالعمل والحق بالأهلية القانونية والحق بتقرير المصير والحق بالعيش في المجتمع هي أمور بديهية ومن المسلمات. وإن المنظومة القيمية الحقوقية ليست منة أو شفقة أو فطرة أو زكاة أو نذرا أو دفع بلاءأو عملا خيريا -إختياريا- مع تقديرنا البالغ لتراثنا العربي والإسلامي في هذا المجال ولكن ذلك الحل لايفي بالغرض بشكل متكامل ودائم وشفاف وذو مصداقية ومن حيث قبوله للتقويم والقياس.
إنطلاقا من ذلك لابد لنا من أبجدية تكرس ثقافة حقوق الإنسان وأن التعوق بكافة أشكاله ماهو إلا الحق بالتنوع ولاحاجة من التذكير دائما "بالإصابة" أو "المعانات" او "الحاجات الخاصة " ناهيكم عن المقولات المتعلقة ب "غير الطبيعي" أو المرضي" والعبور إلى مقولة الحق بالإختلاف - المكره على الإختلاف -
إن التمسك بالمعاهدة الدولية وإبرامها وتطبيقها ما هي إلا بداية الطريق


تعليق الدكتورموسى شرف الدين نائب رئيس منطمة الاحتواء الشامل

sohair said...

بارك اللة فيك كلام ومعايشة جميلةاهم نتائجها

الاستغناء عن الدوبلير لاداء ادوارنا فى الحياة

امال بنهايات واقعية لكل طرح اعلامى لحياة ذوى الاعاقة يبتعد بهم عن صورتى الضحية والبطل

امنياتنا بالتوفيق للاخت سهير ولكل مهتم بحياة ذوى الاعاقة
من تعليق في مجموعة الصم العرب كتبته
كلثم عبيد

الشارقة - الإمارات العربية المتحدة