Thursday, August 27, 2009

"ســري الصغيــر" محاولة لاستعادة العمر المسروق.


بعد أن أصدر مجموعته القصصية الأخيرة " سري الصغير" قال الروائي مكاوي سعيد أنه كتب قصصها في فترات متقطعة تخللت كتابته لرواية "تغريدة البجعة" .
ولذلك جاءت قصص المجموعة كفترات استراحة يمنحها لنفسه كي يلتقط أنفاسه مسترجعا و مستوحيا فيها مرحلة الطفولة ليخلق نوعا من التوازن يواجه به هذا العالم المكتظ بالمشاكل والذي تناوله في روايته الأخيرة .
وإن كانت المجموعة تحمل اسم "سري الصغير" ، إلا أنها لم تتضمن سرا واحدا صغيرا ،بل جاءت تحمل أسرارا متفاوتة ومتنوعة لشخصيات لاذ بها السارد كي يقاوم استلاب مرحلة الطفولة الحافلة بأحداث وأشخاص يتحدث عنهم بحنين يرمم به الفجوة الفاصلة بين مرحلة الكهولة والشيخوخة ، حين لا يجد الانسان أمامه غير الارتداد إلى مرحلة بعيدة تصرف ذهنه عن حقيقة العمر المسلوب . أراد الكاتب العودة إلى المرحلة التي من الممكن أن يبدأ منها أي انسان بداية جديدة ولا يشعر معها "أن العمر سرقني"كما قال مكاوي نفسه .اختار الكاتب الشكل القصصي البسيط لسرد حكاياه في اسلوب سلس يتماشى مع عمر السارد. وجاءت أغلب قصص المجموعة بضمير المتكلم على لسان السارد في مرحلة الطفولة و مرحلة المراهقة لتتداعى ذكريات مرحلة الطفولة بأحلامها الصغيرة ورؤيتها الخاصة لأمور قد يراها الكبار تافهة لا تستحق التوقف أو الإلتفات إليها .
في كل قصة سر من نوع ما ، ولكن من الممكن وضع كل الأسرار ضمن قائمتين ، واحدة خاصة بأسرار الصغار وأخرى بأسرار الكبار . جاءت أسرار الطفولة بسيطة بريئة مسالمة لا تتجاوز خطابا عاطفيا لابنة الجيران ، أو رغبة صبيانية لمراقبة راقصة ، أو مراقبة فتاة من نافذة .
وعلى النقيض نجد أسرار الكبار بعقدها وتأزماتها والتي تكشف زيف الكبار واجادتهم فن اخفاء عيوب الداخل أو الجوهر ببريق المظهر كما في قصص"السني ،و غرفة لم يدخلها رجل" .
وفي قصة "المهرج " كان السر مرض مميت لا تعلمه المريضة ، وفي " يوم فاصل في حياة فخري كامل، و "انشراح" تتجلى أسرار الكبار المترعة بالظلم والزيف والألم .
ومن اللافت في قصص "أخت حبيبتي"و"تلصص " أنه يسرد فيهما عمرا كاملا مرعلى الجميع ، يحكي السارد بلسان مراهق في السادسة عشر ،حبيبته كبرت وتزوجت وأخت حبيبته ماتت ، ولكنه لا يعترف بالعمر الذي مر عليه هو نفسه ،يتمسك بمراقبة عوالم الآخرين راصدا ما فيها بعين الطفل الذي لا يكبر في الوقت الذي تكبر فيه كل شخوصه وتأخذ خطها المرسوم في الحياة.
وفي "الشال الأبيض الحرير والشال الأسود الصوف" سيرة حياة كاملة مابين بياض الطفولة وارتباطها في ذهنه ببعض الأحداث والتي انتهت مع دفن أخيه الطفل في الشال الأبيض لتبدأ رحلة المعاناة في المدرسة والحياة .الشال الأبيض الحريري المزخرف الذي كفن فيه الأب طفله الذي لم يتجاوز العام من عمره ، يليق برحلة الموت البيضاء بعيدا عن هموم الحياة وأرقها ، يدفن الشال الأبيض فيتعرى عنق الأب يتلقى عليه صفعات الخطوب التالية والتي ستورثه شالا من الصوف الأسود يليق بسحب المعاناة والقهر التي ستغيم علي حياتهم فيما بعد . وعندما مرض الطفل السارد،أحاطه الأب بالشال الأسود الذي تفوح منه رائحة عرقه ؛ قمة التراجيديا ، يكفن الميت في الحرير الأبيض ، والطفل الحي يكفن في الأسود لتعود إليه الحياة ،وقد عادت بالفعل لتكون المكافأة ثمرة من فاكهة القشطة التي ترمز في تكوينها إلى تعانق الموت والحياة ، بياض شاهق يضم سواد قاتما . فما يؤكل منها فصوصها البيضاء الشهية ،ولكن عليك التخلص من البذور السوداء المختبئة في رحم تلك الفصوص أولا . رحلة حياة كاملة لم يتخل فيها السارد عن مفرداته البسيطة التي وإن كان يستدعي تلك الذكريات بعد أن تقدم في العمر ، إلا أنه يصر على تقديمها من خلال نظرة هذا الطفل أو المراهق الذي لا يفهم ما يجري حوله من طقوس للموت أو للحياة . لا يعترف أن استلاب العمر شيء قاس لا يمكن تداركه إلا بتلك الطريقة المراوغة التي اتبعها الكاتب عندما أخذ قرارا مصيريا بأن يقاوم كل هذا الاستلاب باستدعاء تلك المرحلة على الورق .
وفي قصة " عم حسن الذي لا يبيع ولا يشتري" يظهر السارد أكبر سنا من خلال الوصف الدقيق للفضاء المكاني الذي تمر عليه أحداث القصة ليتجلى مكاوي سعيد كاتب السيناريو. في هذه القصة سيناريو كامل للمشهد وكل ركن فيه ، يصف بالتفصيل المكان والشخصيات الرئيسية . ويهتم اهتماما كليا بالخلفية المصاحبة من أصوات وصور ، يصف طريقة سير الرجل العجوز ونظارته وتعبيرات وجهه ، يصف الشارع والتغييرات التي طرأت عليه ، يعطي وصفا تفصيليا للمحل وخطوط العنكبوت به والتليفون العتيق وعلب اللبن الفارغة والأرغفة السوداء، يصف الأولاد بصخبهم عند الإنصراف من المدرسة وكيفية انتظامهم في صفوف من أجل اغاظة العم حسن العجوز، ويحدد طريقة دخولهم إلى فضاء القصة المكاني والزماني وترتيب دخولهم وخروجهم ، ولا ينسى حركة السيارات في الشارع والأصوات الصاخبة .
وتأتي قصة "عالمي وعالمها " لتغلق دائرة تداعي الذكريات والحنين إلى الماضي ، هنا كبر السارد رغما عنه واستسلم لحقيقة استلاب العمر عندما واجه الحاضر الذي لا يعترف إلا بشهادة الميلاد الرسمية لا تلك المجمدة في أذهاننا عند لحظة فائتة .فلا مجال لتقابل عالمين مختلفين تماما مثلما لا مجال الآن لسيارة الفولكس العتيقة أمام الرولزرويس.
ورغم كل الاسرار التي أفشاها مكاوي سعيد في مجموعته هذه إلا أنه تركنا أمام السر الأكبر ؛وأقصد هذا الإهداء الذي جعله اعترافا بحبه لرفيقة دربه الطويل !!!
مجلة أكتوبر العدد1711

No comments: